الخطة الإسرائيلية الجديدة لتحصين الجبهتين الشمالية والجنوبية من الهجمات الصاروخية، انطلاقاً من سوريا ولبنان وقطاع غزة، خطة طموحة جداً وطويلة جداً، وتهدف إلى تعزيز القدرة الدفاعية مقابل تهديدات متنامية، يبدو أن لا تقدير لدى تل أبيب للحؤول دونها. في الخطة وتوقيتها ومدتها وإجراءاتها، من المفيد الإشارة إلى الآتي:

الخطة، كما ترد، انعكاس طبيعي للتغيّرات التي طرأت على النظرية الأمنية الإسرائيلية في أعقاب حروب إسرائيل المتكررة في العقود الثلاثة الماضية مع المقاومة، وتحديداً مع الجبهة اللبنانية في مواجهة حزب الله. قبل عام 2006، شكّلت إسرائيل لجنة لتطوير النظرية الأمنية برئاسة الوزير السابق دان مريدور، وكانت إحدى أهم توصياتها، إدخال البند الدفاعي على النظرية الأمنية ربطاً بتغييرات في بنية التهديدات ومسار تطورها.
بعد حرب 2006 وثبوت قصور النظرية الأمنية (المبنية على الهجوم) في مواجهة التهديدات، وتحديداً القدرة على الحسم والانتصار في المعارك والحروب مع جهات وكيانات عسكرية ليست بدول، باتت الحاجة أكثر من ضرورية لتفعيل خلاصات لجنة ميريدور: إضافة بند الدفاع إلى بنود النظرية التقليدية الثلاثة: الردع والإنذار والحسم.
من ناحية عملية، تبنت المؤسسة الأمنية توصيات لجنة مريدور، وأضيف بند الدفاع بشقيه السلبي والإيجابي إلى جانب الردع والإنذار والحسم. الحكومات المتعاقبة أيضاً، لم تتبنّ رسمياً هذه التعديلات، لكنها من بادرت فعلياً إلى تفعيل وإقرار كل ما يرتبط بها من خطط وميزانيات وأبحاث وتطوير. إحداها منظومة القبة الحديدية المخصصة للقذائف الصاروخية القصيرة المدى، وكذلك جملة أخرى من المنظومات، من بينها «مقلاع داوود» المخصص تحديداً للتهديدات الصاروخية التي يمتلكها حزب الله في لبنان، أي الصواريخ الثقيلة المدمرة والدقيقة، إضافة إلى منظومات صاروخية لمديات أبعد، إسرائيلية وأميركية، وكذلك جملة محاولات وإجراءات ميدانية ترتبط بالدفاع السلبي، على طول الحدود مع لبنان وسوريا وقطاع غزة، إضافة إلى تطوير المبنى الدفاعي للمستوطنات، القريبة من الحدود، شمالاً وجنوباً.
مع ذلك، لا تعبّر الخطة عن توجهات إسرائيلية عدائية في المدى القريب، وفي حدّ أدنى ما يرتبط بالتخطيط والقرار في تل أبيب. هي بذاتها، الخطة، دالة على اتجاهات معاكسة ونقيضة لاتجاهات توثب قد تبدو للوهلة الأولى، بما يشمل شنّ حروب وشيكة واعتداءات بمستوى حروب، واستبعاد دلالة الخطة على توجهات عدائية تتعلق بالساحة اللبنانية كما تجاه سوريا وقطاع غزة. الواضح من مدرجات الخطة وأهدافها، وتحديداً ما يتعلق بتاريخ بدء تنفيذها وانتهائها، (تبدأ عام 2019 وتنتهي عام 2028)، أن لا فعل عدائياً إسرائيلياً مباشراً مرتقباً، بفعل الخطة الإسرائيلية الجديدة نفسها ونتيجتها.
إلى ذلك، تشير الخطة إلى تقديرات إسرائيلية يبدو أنها باتت راسخة بعد فشل الرهان على الحرب السورية ومآلاتها، بأن التهديدات المحيطة بإسرائيل غير قابلة للإزالة أو للتقلص أو للاحتواء. فحوى الخطة يشير إلى تقديرات سائدة وراسخة في تل أبيب على توجهات ومسار نحو تطور التهديدات في الساحات المحيطة مع تنامٍ مطّرد فيها، وذلك كله في موازاة محدودية القدرة والخيارات على الحؤول دونها، بناءً على الخيارات الهجومية، الأمر الذي يدفع إسرائيل إلى التبنّي، لسنوات عشر، خطة تحصين دفاعية لمواجهة هذه التهديدات.
مع ذلك، لا يمكن الفصل، في سياقها الزمني ودلالاته، بين الخطة والتوجه نحو إقرارها، وتبدد الرهان على الساحة السورية والحرب الدائرة فيها وتبيّن انتصار الأعداء وترسخ الدولة السورية كجهة رئيسية في محور معاد، يمتد من طهران مروراً بالعراق وسوريا ولبنان، وصولاً إلى قطاع غزة. وهو تقدير لا يستند فقط إلى الفشل في فعل وأفعال بدأت عام 2012 في سوريا والرهانات عليها، بل على ما يبدو، على فقدان الخيارات العملية الممكنة وتقلصها، في مرحلة ما بعد الحرب السورية، على تحقيق المصالح الإسرائيلية وتقليص وإنهاء التهديدات فيها وفي غيرها من الساحات، ربطاً بها.
من هذه الزاوية، ربما الأكثر إطلالة على الخطة الإسرائيلية، يتبيّن أن إسرائيل فقدت خياراتها الهجومية، بمعنى أنها باتت أكثر كلفة وأقل جدوى مما يمنع تفعيلها. كذلك فإنها فقدت الخيارات البديلة لتحقيق مصالحها وتقليص التهديدات، الأمر الذي يدفعها إلى الخيارات الدفاعية، ومن بينها خيار تحصين طموح للشمال والجنوب في فلسطين المحتلة لمواجهة الخطر الصاروخي لمحور المقاومة، مع تسليم غير مباشر بأنه «غير قابل للحل».
لا دليل في الخطة الإسرائيلية على اتجاهات عدائية مقابل مؤشرات على تسليم وإقرار بالقصور في مواجهة التهديدات والتصدي لها، وكذلك التسليم والإقرار بحقيقة تناميها لاحقاً، خلال السنوات العشر المقبلة وما يليها، دون القدرة أو الجدوى في مواجهتها هجومياً.