غزة | كشفت المواجهة الأخيرة، على مدى اليومين الماضيين، بين المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة والعدو الإسرائيلي، عن حجم الضغط الميداني الذي يمارسه الطرفان لتثبيت «قواعد الاشتباك» المناسبة لكليهما، وفرض شروط جديدة، في ضوء معرفة كل طرف بعدم رغبة الآخر في الذهاب إلى مواجهة شاملة حالياً. التصعيد الإسرائيلي بدأ مساء الجمعة الماضي بذريعة إلقاء متظاهرين قنبلة تجاه جنود إسرائيليين كانوا على الحدود، ما أدى إلى إصابة قائد كتيبة في جيش الاحتلال بجراح متوسطة، فشرعت الطائرات الإسرائيلية في قصف مواقع للمقاومة داخل القطاع، فيما ردت المقاومة في اللحظات نفسها بقصف مستوطنات «غلاف غزة»، وفق معادلة «القصف بالقصف»، التي تم تثبيتها في نهاية أيار الماضي.

ولأول مرة، كان الضغط الإسرائيلي على المقاومة أكبر من أي تصعيد منذ حرب 2014 التي تصادف ذكراها الرابعة هذه الأيام، إذ وصل القصف إلى منشآت ومواقع عسكرية جديدة لم تستهدف من قبل، بما في ذلك لأول مرة مواقع للأكاديمية العسكرية التابعة للجناح العسكري لحركة «حماس»، «كتائب القسام»، ومنزل يعود إلى قيادي في الذراع العسكرية لـ«الجهاد الإسلامي»، «سرايا القدس»، شرق مدينة خانيونس (جنوب). لكن التصعيد الأكبر كان قصف مبنى «دار الكتاب» (غير مكتمل البناء) في ساحة الكتيبة غربي غزة، بأربعة صواريخ من طائرات حربية، ما أدى إلى استشهاد فتيين وإصابة أكثر من 20 آخرين، وإحداث دمار في عدد من المباني الحكومية وآخر يتبع لجمعية تركية خيرية. ووفق التقارير العبرية، كانت محصلة ما استهدفه العدو «40 هدفاً استراتيجياً لحماس»، بخلاف أكبر الحملات السابقة التي قصف خلالها 25 هدفاً.
ومن لحظة ما تبينت شدة الغارات، دارت وساطات عدة طوال السبت، قادت أبرزها مصر التي نقلت رسالة الحكومة الإسرائيلية إلى «حماس»، بأن شرطها لوقف إطلاق النار هو وقف البالونات الحارقة من غزة، الأمر الذي رفضته الحركة. بعد ذلك، زاد الضغط ميدانياً بتكثيف الغارات، وهو ما قابلته المقاومة بزيادة القصف في «غلاف غزة»، ومن ضمنها مستوطنة «سيديروت» شمال القطاع، حيث أصيب ثلاثة مستوطنين، الأمر الذي رد عليه العدو باستهداف موقع للمقاومة غرب بيت لاهيا (شمال)، ما أدى إلى تدميره وجميع ملحقاته، بما في ذلك مبانٍ ومستودعات، ثم تجدد القصف المتبادل لساعات قليلة فجر الأحد قبل أن يتوقف كلياً.
تقول مصادر في «حماس» لـ«الأخبار» إن محاولات جرت لاحتواء الموقف عبر جهات دولية، لكن الوساطات عادت وتركزت لدى المصريين الذين حاولوا تضمين قضية الطائرات والبالونات الحارقة في الاتفاق. وتضيف المصادر: «في ساعات العصر أبلغت الفصائل المصريين أن المقاومة مستعدة لإيقاف الصواريخ في حال أوقف الاحتلال النار من دون أي شروط أخرى، وهو ما وافق عليه الاحتلال»، لتسري تهدئة حذرة ما بعد ليلة السبت.
تأكيداً لهذه الصيغة، واصل الشبان الفلسطينيون منذ صباح أمس إطلاق البالونات الحارقة تجاه «غلاف غزة»، ما أدى إلى عدد من الحرائق في مستوطنات «كرميا» و«ياد مردخاي»، الأمر الذي رد عليه جيش الاحتلال باستهداف مجموعة كانت تطلق البالونات بصاروخ من طائرة استطلاع، أصيب جرّاءه أحد الشبان بجراح طفيفة شمالي القطاع غزة، ثم توالت الاستهدافات عبر الطائرات من دون طيار في مناطق أخرى أمس. هنا تشدد مصادر في المقاومة على أن عودة الاحتلال إلى استهداف مطلقي البالونات الحارقة بصورة مكثفة خلال الأيام الماضية، قد يؤدي إلى تصاعد موجات جديدة من المواجهة، علماً بأن صحيفة «هآرتس» نقلت أن «المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر» (الكابينيت) أوعز إلى الجيش بإنهاء ما وصفه بـ«إرهاب الطائرات الورقية الحارقة».
وما يعزز احتمالات تجدد المواجهة قريباً أن المتحدث باسم جيش الاحتلال أعلن أمس أنه «وفقاً لتقييم الوضع الأمني، قرر الجيش تعزيز نشر بطاريات القبة الحديدية في منطقة غوش دان والجنوب، كما تقرر استدعاء قوات الاحتياط لدعم قوات الدفاع الجوي».
وفي سياق التهدئة، وصل أمس المنسّق الخاص للأمم المتحدة لـ«عملية السلام» في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، إلى القطاع، حيث التقى قيادة «حماس». وقال رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية، خلال تشييع شهداء القصف الإسرائيلي أمس، إنه «في لقائنا مع ملادينوف، الذي بحث كيفية احتواء الوضع، جوابنا كان واضحاً ومحدداً برفع الحصار... لم نعد نؤمن بالوعود والروايات والمشاريع، ومسيرات العودة مستمرة حتى تحقق كل أهدافها، وفي مقدمتها إنهاء الحصار». وعقب اللقاء، أشار ملادينوف إلى «جهود كبيرة بذلت السبت للابتعاد عن شبح الحرب»، داعياً الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي إلى «التراجع عن الحافة (حافة حرب حقيقية)، ووقف التصعيد».