خاص بالموقع - بعد 22 عاماً على إلغاء منصب رئيس الوزراء من هيكلية نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هناك همسات في البرلمان الإيراني الذي يسمّی «مجلس الشورى الإسلامي» تدلّ علی إحياء هذا المنصب وإعادته. فالخلافات الحادة التي نشبت بين رئيس الجمهورية آنذاك (آية الله السيد علي الخامنئي) ورئيس الوزراء (مير حسين موسوي) على أسلوب إدارة الحكومة، ومن ثمّ الصراع بين الحکومة والبرلمان، أدّیا إلی إعادة النظر في الدستور في 1989، وألغي منصب رئاسة الوزراء من الإدارة الإيرانية، وفوّضت وظائفه إلی رئيس الجمهورية.


هذا التغيير جرّ النظام الإيراني من نظام برلماني نحو نظام رئاسي، وهكذا دخل رئيس الجمهورية كرئيس السلطة التنفيذية إلی «باستور» (1)، عبر الاقتراع المباشر. بيد أنّ النظام كان من بداية نشأته معتمداً علی سلطة الولي الفقيه، واعتبار السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) كذراعٍ للقائد في الحكم.
وتبعاً لهذا القرار، استطاع رئيس الجمهورية أن يحظی بالعديد من السلطات والصلاحيات التي كانت بيد رئيس الوزراء، ما أدى إلى تعزيز موقع الرئيس باعتباره مرشح الأمة وممثل الشعب بأكمله. إلا أنّ هذا الأمر لم يحلّ على نحو كامل الجدالَ الموجودَ بشأن صلاحيات رئيس الجمهورية باعتباره ممثلاً للشعب، إذ جعل رئيس الجمهورية يطالب بصلاحيات أكثر، واستقلالية تامّة عن الولي الفقيه، فظهرت ازدواجية الحكم بينهما، ولا سيما في فترة رئاسة محمد خاتمي.
وكان يبدو أنّ تلك الازدواجية ستنتهي مع مجيء محمود أحمدي نجاد، إلا أنّ حضوره أسهم في زيادة فجوة الصراع في مجال السياسة الإيرانية، وخاصةً بعدما بدأ نجاد ودولته باتخاذ قرارات تثير انتقادات البرلمان الإيراني. وقد اشتدّ الصراع أکثر عندما اتخذ بعض مستشاريه مواقف تعارض وجهة نظر القائد، من حينٍ إلی حينٍ. أما الصراع بين رئيس الجمهورية والبرلمان فكان يتمحور حول تدخّل نواب البرلمان والسلطة التشريعية في الشؤون التنفيذية، وتعيين المناصب الحكومية، كما اتهم البرلمان من جهته الدولة بعدم مراعاة القوانين.
وكان خطاب أحمدي نجاد، في حوار تلفزيوني، نقطة الانطلاق للنقاشات الراهنة بشأن النظام البرلماني والرئاسي في إيران، إذ طرح فيه قضيةً أثارت جدلاً واسعاً بين الكتل السياسية، وهي أنّ البرلمان، أو كما يسمونه «المجلس»، لم يعد يعتبر صاحب القرار الأول في كل الأمور، مشيراً إلی كلام الإمام الخميني: «المجلس هو صاحب القرار الأول في کل الأمور»، موضحاً أنّ المجلس المقصود في کلام الإمام الخميني هو المجلس في النظام البرلماني، ونحن نظامنا بعد إصلاح الدستور حالياً نظام رئاسي والشعب يختار رئيس الجمهورية مباشرةً عبر الاقتراع. إذن السلطة التنفيذية هي صاحبة القرار الأول.
هذا في حين لا نستطيع أن نعتبر النظام رئاسياً بكل معنی الكلمة، ولا برلمانياً، وكما أكدّ بعض نواب البرلمان، هو نظام مختلط، أي نصف رئاسي ـــ نصف برلماني لأسباب عديدة أهمها:
ـــ النظام الرئاسي يرتکز علی عدم مسؤولية الرئيس والوزراء سياسياً أمام البرلمان، ولكن البرلمان الإيراني له الصلاحية والقدرة علی استجواب رئيس الجمهورية ووزرائه، وحتی إقالتهم من مناصبهم وفقاً للدستور. كذلك فإنّ تعيين الوزراء من قبل الرئيس لا يحصل إلا بتصديق البرلمان عليهم. هذا ما لا نراه في أسس النظام الرئاسي.
ـــ في النظام الإيراني ينتخب الشعب رئيس الجمهورية عبر اقتراع مباشر، وليس للبرلمان دور في انتخاب رئيس الدولة، كما نشاهد في الأنظمة البرلمانية.
ـــ في النظام الإيراني لا يحق لرئيس الدولة أن يحل البرلمان، ولا يستطيع إلغاء قرارات البرلمان، كما هي الحال في الأنظمة الرئاسية الأخری.
ـــ النظام السياسي الراهن والسلطة التنفيذية في إيران ليسا بيد شخص واحد، كما هي الحال في الأنظمة الرئاسية الأخری، وذلك كما جاء في المادة الثالثة عشرة بعد المئة من الدستور: «يعتبر رئيس الجمهورية‌ أعلى سلطة‌ رسمية في البلاد بعد القائد، ‌وهو المسؤول عن تنفيذ الدستور، كما أنّه يرأس السلطة التنفيذية إلا في المجالات التي ترتبط مباشرة بالقيادة.» وهذا يعني أنّ الدستور ينص علی تقسيم الشؤون التنفيذية بين القائد ورئيس الدولة.
ووصل هذا النقاش إلی مرحلة أخری، عندما طرح «كاتوزيان»، من نواب البرلمان الذي ينتمي إلى جبهة «المبدئيين»، اقتراحاً ينصّ علی إلغاء منصب رئاسة الجمهورية من هيكلية النظام، وإبداله برئاسة الوزراء كمقام تنفيذي بحت، لكي لا تكون هناك ازدواجية في الحكم بين القائد والبرلمان من جانب، ورئيس الدولة الذي يزعم نفسه مرشح الشعب من جانب آخر. وبالرغم من أنّ ذلك الاقتراح واجه هجمة إعلانية واسعة من قبل الإعلام الحكومي، ولكن عندما أشار قائد الثورة آية الله علي الخامنئي، في مدينة «كرمانشاه»، إلى احتمال تغيير هيكلية النظام في المستقبل البعيد، إذ يقوم أعضاء البرلمان باختيار قادة البلاد بدلاً من الانتخابات العامة التي يُختار خلالها الرئيس، اشتدّ موقف نواب البرلمان، حتی أشار علي لاريجاني، رئيس «مجلس الشورى الإسلامي»، إلى أنّ من الأحری أن تكون عملية انتخاب رئيس الدولة، كمنصب حساس ومهم، غير مباشرة، ومن قبل نواب المجلس كخبراء الأمة وممثلي الشعب.
وعموماً، يقدم أنصار تطبيق النظام البرلماني الجديد في إيران (وأغلبيتهم من المبدئيين) عدّة أدلة تبرهن علی أفضلية النظام البرلماني وهي:
ـــ إنّ عملية انتخاب رئيس الدولة من جانب نواب المجلس ستؤدي إلی تجاوب ومسايرة أكثر بين السلطات التشريعية والتنفيذية في هيكلية النظام الإيراني الإسلامي، وإلی تسريع الأمور على نحو الأفضل.
ـــ عقلنة آلية انتخاب رئيس الدولة عبر اقتراع غير مباشر من قبل خبراء الأمة للحيلولة دون تأثير العواطف والشعبوية واستغلال الحماسة السياسية.
ـــ تأمين القدرة الكافية للبرلمان علی استجواب الحكومة ورفع مستوی مسؤولية رئيس الجمهورية والدولة مقابل البرلمان.
ـــ توفير القدرة للبرلمان علی إقالة رئيس الدولة ووزرائه بطريقة هادئة وطبيعية، إذا ما انتهكوا السياسات الأساسية بعيداً عن التوترات والأزمات السياسية والاجتماعية التي نشاهدها في الأنظمة الرئاسية الأخری ودون الحاجة إلی إقامة انتخابات عامة جديدة بتكاليفها الباهظة.
ـــ إلغاء ازدواجية الحكم، بما أنّ رئيس الجمهورية يمكن أن يغترّ بشعبيته ويعتبر نفسه مرشداً إيديولوجياً للنظام، إلی جانب القائد، بل ويطالب باستقلالية أکثر من القائد والسلطات الأخری.
ـــ إلغاء التكاليف الباهظة لعملية الاقتراع وانتخاب رئيس الجمهورية كل أربع سنوات.
وهناك ثمة أسئلة أخری منها: هل هذا التغيير سيحل مشكلة التناقضات الراهنة في بنية النظام السياسي الإيراني؟ وهل الدستور يتماشی مع هذه التعديلات الأساسية؟ فقد اختبرت إيران سيادة رئيس الوزراء لفترة، وسيادة رئيس الجمهورية لفترة أخری، والآن هل هي علی أبواب اختبار سياسي آخر يتضمن إلغاء منصب رئاسة الجمهورية، أم هذه الفكرة مجرد عودة إلى الفترة الأولی وإحياء التناقضات السیاسیة الماضية؟
إذا قرأنا الموضوع من الجانب الدستوري، تنص المادة الأولی من الدستور على أنّ نظام الحكم في إيران هو الجمهورية الإسلامية. يعني تعتبر الإسلامية والجمهورية أساساً لنظام الحكم، لكن هل هذه الأسس قابلة للتعديل أو التغيير؟ يبدو أنّ هناك ما يمنعها في الدستور، فنقرأ أنّه ينص في المادة المادة الثانية عشرة (2) علی أنّ دين الإسلام والمذهب الجعفري الاثني عشري هو الأساس الدائم للدستور. ورغم أنّه لا نلاحظ مثل ذلك التأكيد علی جمهورية النظام السياسي، في الدستور، لكن نجده يؤكد علی النظام الجمهوري عبر الاقتراع، والمشاركة الشعبية في إدارة شؤون البلاد التي تضم انتخاب رئيس الجمهورية، وأعضاء البرلمان... وأيضاً في المادة السابعة والسبعين بعد المئة إذ ينص على أنّ: «مضامين المواد المتعلقة بكون النظام إسلامياً وقيام كلّ القوانين والمقررات على أساس الموازين الإسلامية والأسس الإيمانية، وأهداف جمهورية إيران الإسلامية، وكون الحكم جمهورياً، ‌وولاية الأمر،‌ وإمامة الأمة،‌ وكذلك إدارة أمور البلاد بالاعتماد على الآراء العامة،‌ والدين والمذهب الرسمي لإيران،‌ هي من الأمور التي لا تقبل التغيير».
بناءً علی ذلك، وكما ينص الدستور، تعتبر الجمهورية من مبادئ الدستور الثابتة التي لا تقبل التغيير، إلا أنّ مجلس صيانة الدستور يرى أنّ المقصود من «الجمهورية» ليس النظام الرئاسي فحسب، بل الديموقراطية، وما يتعلق بها، أي النظام البرلماني، بمعزل عن رئيس الجمهورية. ثمّ تبدأ عملية الاستفتاء العام لتغيير الدستور كما أشار «عباس علي كدخدايي»، المتحدث باسم «مجلس صيانة الدستور»، إلى ضرورة الاستفتاء شعبي لأي تغيير في مبادئ الدستور. فالبرلمان وحده لا يستطيع القيام بهذا العمل من خلال التشريع العادي، لأن القرار الأخير يعود إلی الشعب.
من جانب آخر، يستبعد بعض الخبراء (ومنهم بعض الإصلاحيين) أن يؤدي تغيير هيكلية النظام السياسية إلى حلّ المشاكل والتناقضات الراهنة في فصل السلطات، ويؤكدون أنّ النظام البرلماني لن ينجح من دون مشارکة الأحزاب السياسية الحقيقية، ومن دون أسس ديموقراطية تعتمد علی مشاركة شعبية ومدنية في إطار الأحزاب، لكي لا يغيّر النواب والتيارات السياسية اتجاهاتهم، من يوم إلی يوم.
على الرغم من أنّ هذا الجدل يتمحور حول هيكلية النظام، يعبّر عن هاجس أعمق إزاء ظهور الديكتاتورية الجديدة أو شبه الديكتاتورية في المشهد السياسي الإيراني. فكلما برزت بوادر هذه الظاهرة، نشاهد ظهور محاولات قانونية لمواجهتها. وإذا ألقينا نظرةً على باحثي «مجلس خبراء الدستور» في بداية الثورة الإسلامية، الذين دوّنوا الدستور في إيران، نراهم قد وزّعوا السلطات بحيث لا يستطيع أحد أن ينفرد بالسلطة ويمارس الاستبداد، ونلاحظ أنّ هذا الهاجس کان يشغل بال مؤسّسي الجمهورية الإسلامية منذ البداية.
فإذا اتجهت إيران نحو نظام برلماني جديد، علينا أن ننتظر لنری: هل ستعيد إيران التجربة الترکية أم الباکستانية؟

(1) نسبة إلی مقر الحکومة الإيرانية الواقع في شارع باستور
(2) المادة الثانية عشرة: الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثني عشري. وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير. وأما المذاهب الإسلامية الأخرى، التي تضم المذهب الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي والزيدي، فإنّها تتمتع باحترام كامل، وأتباع هذه المذاهب أحرار في أداء مراسمهم المذهبية حسب فقههم

* كاتب إيراني