خاص بالموقع | عندما سقطت دمشق من يد الدولة العثمانية، كان ذلك إيذاناً بانتهاء عهد إسطنبول، وهو أمر لم يتأخر أكثر من أربعة أسابيع، عندما جرى توقيع استسلام القوات العثمانية في جزيرة مودروس في 30 تشرين أول 1918، وما أعقب هذا من احتلال الحلفاء لبلاد الأناضول وحتى لإسطنبول. تماماً كما كان سقوط بلاد الشام بيد السلطان سليم الأول بعد معركة مرج دابق في 1516، بداية لتحوّل الدولة العثمانية إلى امبراطورية مشرقية، ممتدة من بغداد إلى الجزائر، ومن حلب إلى عدن. ينطبق ذلك على إمبراطورية الاسكندر المقدوني (331 قبل الميلاد)، والرومان (64 قبل الميلاد)، والدولة الاسلامية، إثر معركة اليرموك (636 ميلادية). وعملياً، حتى بعد توجه مصطفى كمال إلى طي صفحة الماضي العثماني، منذ قيادته حرب التحرير التركية (1919 ــ 1923) ضد احتلال الحلفاء، فإنّ ذلك لم يثنه عن محاولات قضم المنطقة الممتدة على خط اسكندرونة ــ حلب ــ الجزيرة ــ الموصل. في البداية، وقبل عقد اتفاقية أنقرة بين الفرنسيين والأتراك (20تشرين أول 1921)، استولى على كل ما كان تابعاً لولاية حلب (أورفة ــ عنتاب ــ كلس) وكانت قد وضعته معاهدة سيفر (10آب 1920) ضمن أراضي الانتداب الفرنسي. وهي معاهدة مرفوضة، وغير موقعة من قبل الأتراك. لذلك كان ما تنازل عنه الفرنسيون من أراضٍ سورية، في تلك الاتفاقية ذات الطابع الأقرب إلى الهدنة العسكرية، ثم سياسياً عبر معاهدة لوزان (24 تموز 1923)، مخالفاً للمادة 22من ميثاق عصبة الأمم، الذي ينص على أنّ «سلطة الانتداب تتنازل عن حق السلخ أو الضم بالنسبة إلى الأراضي المنتدبة».

في لوزان تنازل أتاتورك (الذي أعلن تركيا جمهورية يوم 29 تشرين أول 1923، وعاصمتها أنقرة) عن كل «حق أو صيغة مهما كانت طبيعتها، في ما يتعلق بالأراضي الواقعة خارج الحدود التي أقرتها المعاهدة الحالية». وهو ما كان الولادة الفعلية لجمهوريته، التي ولدت عملياً في معاهدته تلك بلوزان مع الحلفاء. رغم ذلك، وعندما بدأت الثورة السورية الكبرى، استغل الأتراك الوضع لمطالبة الفرنسيين في أيلول 1925بالتنازل عن مناطق جنوب خط حدود 1921. وحدود معاهدة لوزان تشمل بلدة «باياس»، عقدة الخط الحديدي عند أقصى شمال غرب لواء الإسكندرون، الذي اعترف الأتراك بوضعه الخاص المستقل إدارياً ضمن الأراضي السورية في اتفاقية أنقرة. هذا الأمر عاد وتكرر في أثناء الاضطراب السوري ــ الفرنسي الذي أعقب معاهدة 1936الفرنسية ــ السورية التي قالت حرفياً: «تأخذ سوريا على عاتقها جميع الالتزامات التي كانت زمن الانتداب، بما فيها مناطق الاستقلال الإداري». إذ أثار أتاتورك أمام البرلمان التركي في 1 تشرين الثاني 1936قضية لواء الاسكندرون، وبالذات بعد ما جرى قبول سوريا، طبقاً لمعاهدة 1936، عضواً في عصبة الأمم، وفقاً لحدود معاهدة لوزان. هنا، كان السلخ الفرنسي للواء عن الأراضي السورية، وإعطائه لتركيا، عبر اتفاقيتي 29تشرين الثاني 1937 و23 حزيران 1939، خرقاً لالتزامات فرنسا كدولة منتدبة من عصبة الأمم، وكدولة موقعة على المعاهدة الفرنسية ــ السورية في 1936.
كان الهدف الفرنسي (مع تجمع غيوم الحرب المقبلة مع هتلر) من إعطاء اللواء لتركيا، هو منع تكرار تجربة الحرب العالمية الأولى، حين انضم الأتراك إلى الألمان. مع ذلك، فقد كان من سخرية الأقدار، وبعد تولي الحكومة التابعة للألمان في فرنسا المحتلة، بقيادة الماريشال بيتان، أمور الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، أن يطالب الأتراك باقتطاعات جديدة من الأراضي السورية، مستغلين الهجوم البريطاني من العراق وفلسطين على سوريا ولبنان (8 حزيران 1941). وبسبب الحصار البحري البريطاني للسواحل، حاولت سلطات بيتان إرسال قطارات إمدادات لقواتها عبر الأراضي التركية، وبعثت بنوا ميشان إلى أنقرة، حيث «أوحى الوزير الأول التركي السيد سراج أوغلو للوفد الفرنسي بأنّ اتفاقاً مناسباً لفرنسا يمكن في حالة واحدة فقط:أن توافق الحكومة الفرنسية على ضم منطقة الجزيرة ومنطقة حلب إلى تركيا» (ميشيل كرستيان دافيه، «المسألة السورية المزدوجة: سورية في ظل الحرب العالمية الثانية»، دار طلاس، دمشق 1984، ص247).
كان أول ما فعلته حكومة دمشق ما بعد جلاء الفرنسيين (17 نيسان 1946)، على صعيد العلاقات الدولية، هو طرح قضية لواء الاسكندرون على هيئة الأمم المتحدة. عرقلت واشنطن الموضوع، وأفشلته في آذار 1947، بسبب حسابات تتعلق بجذب أنقرة إلى الصف الغربي في الحرب الباردة مع السوفيات. وهو ما استتبع بتوصية مجلس حلف الناتو في 20 أيلول 1951 بضم تركيا إلى الحلف، قبيل ثلاثة أسابيع من طرح واشنطن ولندن مشروع «قيادة الشرق الأوسط MEC»، الذي رفضه رئيس الوزراء المصري مصطفى النحاس باشا، وكان السبب لانقلاب العقيد أديب الشيشكلي في دمشق (29 تشرين الثاني1951) ضد حكومة الدكتور معروف الدواليبي المعادي للمشروع (وفقاً للمحفوظات الحكومية الأميركية، بعد انقضاء مدة السرية عنها، راجع دراسة دوغلاس ليتل: «الحرب الباردة والعمليات السرية: الولايات المتحدة وسوريا 1945 ــ 1958»، مجلة «ميدل ايست جورنال»، المجلد 44، شتاء 1990، ص 51 ــ 75).
في 27 أيار 1953، بعث السفير الأميركي بأنقرة (ماك جي) برقية تضمنت التالي: «رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس يريد إنشاء تحالف أمني تحت قيادة تركية، وهو يعتقد بأنّ تلك البلدان التي كانت تحت الاستعمار الأوروبي لم تعد تثق بالغربيين بعد الآن» (من أطروحة للدكتوراة مقدمة في 2007 لجامعة تكساس للتكنولوجيا متوافرة على الإنترنت، محمد خالكان، «العلاقات التركية خلال فترة مندريس وما بعد انقلاب 1960»). في تلك الفترة، كان الهم الرئيسي لوزير خارجية إدارة أيزنهاور، جون فوستر دالاس، إنشاء جدار شمالي ضد السوفيات، يمتد من الحدود الهندية ــ الباكستانية إلى الحدود التركية ــ البلغارية، يضم جنوبه بغداد ودمشق وعمان والقاهرة في نظام أمني شرق ــ أوسطي، يرتبط بالناتو عبر تركيا. هذه الأخيرة دخلت في 2 نيسان 1954 في معاهدة ثنائية مع باكستان، قبل أن توقع أنقرة مع العراق على «حلف بغداد»، في 24 شباط 1955، الذي انضمت إليه لاحقاً لندن وطهران واسلام آباد، ثم واشنطن في 1957، كعضو مراقب.
من دون «حلف بغداد»، لا يمكن تفسير اتجاه عبد الناصر المضاد إلى «مؤتمر باندونغ» في نيسان، وصفقة الأسلحة التشيكية في أيلول 1955 التي عنت تحولاً استراتيجياً للقاهرة باتجاه موسكو. وهو ما قاد عملياً إلى تأميم عبد الناصر لقناة السويس في 26 تموز 1956، الذي قادت تداعياته بعد ثلاثة أشهر إلى حرب 1956. منذ التوازنات السورية الجديدة التي أعقبت اغتيال العقيد عدنان المالكي في 22نيسان 1955، مالت دمشق نحو القاهرة وموسكو، مما عنى اصطداماً مع محور بغداد ـــ أنقرة ــ لندن ــ واشنطن، مع حياد الرياض التي لم تحسم أمرها ضد القاهرة، سوى في نيسان 1957، بعدما كانتا متحالفتين ضد هاشميي بغداد وعمان.
خلال 1956، كان الانشغال الأميركي ــ البريطاني ــ التركي ــ العراقي، منصباً على رؤية أنّ مفتاح تحجيم عبد الناصر يبدأ من دمشق: في آذار طار رئيس وكالة الاستخبارات الأميركية آلان دالاس، ومعه كيرميت روزفلت، مهندس الانقلاب الأميركي ضد محمد مصدق في طهران في 1953، إلى لندن لوضع «تفاصيل انقلاب سوري مع نظرائهم في مصلحة الاستخبارات السرية البريطانية» (ليتل، المرجع المذكور سابقاً). وضعت هناك اللبنة الأولى لـ«عملية ستراكل». كان محدداً للعملية الانقلابية أن «يقدح زنادها عبر افتعال تركي لحوادث حدودية وتحريك بريطاني ــ عراقي للبدو، بينما يعمل رجال «سي. آي. إيه» على تعبئة مسلحي الحزب القومي السوري، من أجل أن يسهم ذلك في الحث على انقلاب عسكري سوري من قبل مجموعات معادية للشيوعية». في 26 تموز، جرى تحديد موعد 25 تشرين أول موعداً للانقلاب، الذي شاركت في إعداده قادة سياسيين نافذين مثل منير العجلاني، ميخائيل اليان، حسن الأطرش، فيضي الأتاسي، الشيخ هايل سرور...إلخ، وشخصيات عسكرية (العقيد غسان جديد، العقيد محمد صفا، المقدم محمد معروف...إلخ)، قبل أن يطلب البريطانيون تأجيله ثلاثة أيام من دون أن يعلم الأميركيون بأنّ ذلك يتوافق مع الاتفاق البريطاني ــ الإسرائيلي على بدء هجوم تل أبيب على سيناء، وهو ما أحبطه اكتشاف رئيس الاستخبارات السورية العقيد عبد الحميد السراج العملية في 27تشرين أول. في 12 آب 1957، اكتُشف مخطط انقلابي (أميركي التخطيط) في دمشق، تحت اسم «عملية وابن»، كان إحباطه سبباً لتوتر أميركي ــ سوري، أعقبه تحرك عسكري عراقي على الحدود السورية، ونشوء أزمة بين دمشق وأنقرة، عبر حشود عسكرية تركية ضخمة على الحدود، أدت إلى أزمة عالمية أميركية ــ سوفياتية، لم توازها سوى أزمة الصواريخ الكوبية بين القطبين العالميين في 1962. ازمة حرص فيها الرئيس أيزنهاور على «تفادي التدخل العسكري الأميركي المباشر، وما سيجره الأخير من احتمالات، أسوأها المجابهة العسكرية مع موسكو». في 10 تشرين الأول وجه خروتشوف «إنذاراً بأنّ تركيا إذا بدأت بأعمال عدوانية ضد سوريا فإنّ ذلك سوف يقود إلى نتائج وخيمة جداً، بما فيها تلك التي ستقع على تركيا». كانت هذه الذروة السوفياتية، المنذرة بحرب عالمية من خلال مجابهة لموسكو مع عضو في الناتو، قد أدت إلى ضغوط أميركية على أنقرة، وعبر إغراءات اقتصادية بمساعدات، من أجل إنهاء التوتر في نهاية تشرين الأول 1957.
أدت الأزمة التركية ــ السورية إلى فتح صفحة الوحدة السورية ــ المصرية، بعدما أرسل عبد الناصر جنوداً مصريين لسوريا في تشرين الأول لمجابهة الحشود التركية: كان صعود نجم عبد الناصر إلى الذروة من خلال تحقق تلك الوحدة في 22 شباط 1958، إنذاراً بسقوط نوري السعيد في بغداد عبر انقلاب في 14 تموز 1958، وبسقوط عدنان مندريس (1950 ــ 1960)، صاحب التوجه الاسلامي المعادي للأتاتوركية بالتوازي مع روابطه الوثيقة بالغرب، في انقلاب عسكري في 27 أيار 1960، قاده ضباط علمانيون أتاتوركيون.

* كاتب سوري