ولّى زمنٌ كانت الأنظمة العربية فيه تستخدم قضية فلسطين والصراع مع إسرائيل، ذريعة لرفض التغيير، وأداةً لقمع المطالبين به من الشعوب العربية. فبعدما أعلنت الأنظمة العربية كلّها إنهاء الصراع في مدريد ـــــ وقبل ذلك وبعده ـــــ لم يعد الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي قادراً على تسويق تلك القضية كحجة تواجه مطلب الديموقراطية الملّح شعبياً. وبدا أنّ الأنظمة في ورطة، فلا هي انتصرت في المعركة على العدو، لتضفي شرعية ما على وجودها، ولا تفاهمت مع شعوبها وأصلحت الأوضاع في بلدانها. وكان لا بد من إنقاذ ذاك الخطاب المترنح ببعض «الفزّاعات» التي تشتري بها الأنظمة المزيد من الوقت، لإبقاء الأمور على ما هي عليه.

عمدت الأنظمة العربية إلى شق الصف الشعبي، بتقسيم الشعوب إلى فئات يجري تخويف بعضها من بعض. ولعبت على وتر التناقضات الفئوية، لتتمكن من إمساك جميع الخيوط بيدها، وتسيطر على الوضع من خلال اعتبارها مرجعاً يحمي الأطراف المتصارعة بعضها من بعض. ونشرت مع هذا الأمر وَهْمَ كونها حامية البلاد والعباد من الوقوع في فخ الفتنة والحروب الأهلية، في الوقت الذي تقوم فيه بضخ المزيد من مشاعر الكراهية بين الفئات المختلفة، دون أدنى اعتبار لخطر هذه اللعبة الذي لا يستثني أحداً.
روّج الخطاب الإعلامي الرسمي لوهم التناحر الأيديولوجي والصراعات الحزبية بين الإسلاميين والعلمانيين. ورغم الاختلاف الفكري الواضح بين الطرفين، يمكن ضبط أي اختلاف في إطار الصراع السياسي والفكري المشروع والحيوي.
لكنّ السلطة أرادت احتواء الجميع، عبر عملية تخويف منظمة جعلت من المشروع الديني فزّاعة للعلمانيين والليبراليين، تدفعهم إلى الارتماء في حضنها خوفاً منه، ومن المشروع الليبرالي والعلماني فزّاعة للمتدينين، تجعلهم يتحالفون مع السلطة سراً وعلانية، في سبيل درء خطره. كل ذلك فيما تبقى السلطة المستفيد الوحيد من عدم وجود رؤية واضحة لدى القوى الفكرية والسياسية المختلفة بشأن كيفية التعاطي مع الاستبداد القائم، فتؤدي دور المرجح بين الأطراف، لتنصر هذا مرة وتنصر ذاك مرة، وتبقى ممسكة بمفاتيح اللعبة كلّها.
وبقي الإرهاب فزّاعة أساسية تُستخدم لإسكات الخارج قبل الداخل، فالحكومات الغربية تستخدم هي الأخرى الفزاعة نفسها مع شعوبها لتبرير تشدد أمني أو حروب خارجية أو لتحقيق مكاسب سياسية حزبية. وبالتالي، يصبح استخدام تلك الفزاعة عربياً، واستخدام عنوان «الإرهاب» بديلاً عن «الطوارئ» لتشريع القمع وسحق المعارضين، مقبولاً غربياً لكونه لا يحرج حكومات الغرب أمام الرأي العام، باعتبار أنّ تلك الأفعال جزء أصيل من الحرب الكونية على الإرهاب.
ولا يختلف النهج في الداخل كثيراً، فحماية المواطنين من خطر الإرهاب تستدعي المزيد من سطوة الأمن وتوغّله في الحياة السياسية، وتعطيل كل مطلب تغيير وإصلاح بحجة محاربة الإرهاب. هكذا، بقيت قوانين الطوارئ المعلنة والخفية في البلدان العربية تحكم وتتحكم في القرار السياسي، وبقي مثقفو السلطة والخطاب الإعلامي الرسمي يهوّلون من خطر الإرهاب، ويطالبون بالمزيد من القمع الأمني، والسلطة تسعد بالاستجابة «لمطلبها»، فتخنق كلّ صوت معارض، وتشمل الجميع في دائرة الإرهاب، الذي أصبح يعني خروجاً على مزاج السلطة ورأيها.
لكن «فزاعة المرحلة» بامتياز هي الطائفية بتفرعاتها، فورقة الطائفية تستخدم بقوّة في مواجهة الثورات الشعبية، وبعض الأنظمة ينصب نفسه حامياً للأقلية من جور الأكثرية، فيما أنظمة أخرى تقدم نفسها حامية للأكثرية من الأقلية المدفوعة بأطماع الخارج.
وتبدع بعض الأنظمة حين تدمج النموذجين معاً، في سبيل الحفاظ على صراع طائفي مستمر، تتحكم هي في سخونته، فيما الطائفة التي تربح فيه هي الطغمة الحاكمة، ولا أحد سواها.
يجري تخويف المسلمين من المسيحيين والعكس، بحجج عدّة، لكن الأخطر اليوم هو تخويف السنّة في بعض البلدان من ولاية الفقيه التي قد تأتي بها أكثرية شيعية، تصل عبر صناديق الاقتراع إلى السلطة، وتخويف الشيعة في بلدان أخرى من سلفية وهابية قد تصل أيضاً عبر الصناديق. وبالتالي، تخويف الجميع من العملية الديموقراطية ونتائجها، ودفعهم إلى التسليم بالواقع الحالي كخيار استراتيجي، خوفاً من مستقبل مظلم، في عملية تهدف إلى شيطنة المسألة الديموقراطية وتشويهها، عبر إغفال ضمانها لحقوق الأقليات وخيارات الأفراد. وهو أمر لا تضمنه الأنظمة الاستبدادية التي لا تخضع لقوانين أو دساتير حقيقية تنظم العلاقة بينها وبين الشعوب.
كل تلك الفزّاعات المستخدمة رسمياً، يمكن نسفها عبر التذكير فقط بدور الأنظمة في خلقها، ثم تضخيم خطرها، واستخدامها في تثبيت أركان الفساد والقمع، إذ إنّ الإرهاب مثلاً، نموذج واضح لمسألة خلقها النظام الرسمي العربي، إما من خلال رعاية فكر التطرف وتقريبه، وتشجيع وتمويل جماعات مسلحة خارج الحدود، سرعان ما عادت لتعيث فساداً في الداخل، أو عبر ممارسة العنف السياسي والأمني، وإقفال الباب أمام المشاركة السياسية. دفع ذلك بعض الجماعات دفعاً، بسبب انسداد آفاق التغيير، إلى اللجوء إلى العنف كوسيلة للردّ على عنف السلطة.
وفي الحالتين يظهر دور الأنظمة في التأسيس لهذه الحالة، واستثمارها، ورفضها، لإيجاد حلول جذرية لها، رغبةً في المزيد من الإفادة منها.
كذلك تعدّ الطائفية صنيعة الأنظمة في الأساس، لأنّ الأنظمة فشلت في إقامة مشروع الدولة الوطنية، وأخفقت في استيعاب مواطنيها ضمن هوية جامعة، بل وأسقطت مشروع الدولة تماماً، عبر تحويلها البلدان العربية إلى إقطاعيات خاصة بأهل السلطة، كما أنّ التركيبة الطائفية لبعض الأنظمة، وتعمدها التمييز ضد طوائف بعينها، أسهما في تأجيج الشعور الطائفي، دون أن يعني ذلك غياب التمييز ضد الطوائف الأخرى، على اعتبار أنّ التمييز يطاول كلّ المواطنين من خارج السلطة، وإن تفاوتت درجاته.
إنّ ما يمكن استنتاجه من هذه الفزّاعات المتشابهة في البلدان العربية هو أنّ أصل كلّ المشاكل المضخمة إعلامياً لغايات سلطوية هو الاستبداد، وأنّ الإرهاب والطائفية وغيرهما هي إفرازات هذا الاستبداد وامتداداته الطبيعية، وأنّ مواجهة هذه المشاكل الفرعية تكون بمواجهة المشكلة الأصلية وإنهائها.
وهذا ما يجب أن يفهمه من تنطلي عليهم حيل السلطة وألاعيبها، فيندمجون في صراعات وهمية، ليصبحوا دمى تحركهم الأنظمة القمعية كيفما شاءت، ومتى ما أرادت خدمةً لمصالحها.
لن يتمكن خطاب التخويف من الصمود طويلاً أمام إرادة التغيير الشعبية المتنامية في البلدان العربية، كما أنّ اللعب بأوراق الطائفية والإرهاب لن يظل آمناً طوال الوقت، وستدفع بعض الأنظمة ثمناً كبيراً بسبب لعبة «حافة الهاوية» التي تظن أنّها تجيدها، لأنّها لن تكون بمنأى عن أي ضرر تحدثه ألعابها، حين ينقلب السحر على الساحر... كما كان يفعل دوماً.

* كاتب سعودي