دخلت الأزمة في سوريا شهرها الرابع، وألقى الرئيس السوري خطابه الثالث الاثنين في 20 حزيران 2011. هذه الأزمة هي امتداد لما يُعرف بـ«الربيع العربي». هذا الربيع ليس مؤامرة، بل فصل من فصول التاريخ، تاريخ البشرية. له جذور اجتماعية واقتصادية عميقة، ويمكن تشبيهه بـ«تسونامي» زاحف للشباب العربي الذي يصطدم بالأنظمة السياسية العربية المتحجّرة، التي جعلت من نفسها سلطة فوق مؤسسات الدولة. هذا الربيع هو «نهضة» عربية جديدة.

إنّ المنطقة العربية تنفرد بهاتين الظاهرتين (التسونامي الشبابي ونظام سلطة ما فوق الدولة) دون سواها من مناطق العالم الأخرى. فمن جهة، تواجه البلدان العربية اليوم تحدياً خطيراً؛ إذ نشهد وصول أعداد غفيرة من الشباب إلى سن العمل. إنّهم أبناء وبنات الطفرة السكانية التي حدثت في العقود السابقة. يمثّل ذلك بحدّ ذاته تحدياً ضخماً لأيّ حكومة. ففي سوريا مثلاً، يبلغ عدد الوافدين الجدد إلى سوق العمل بين 250 و300 ألف سنوياً، فيما لم يكن هناك سنوياً سوى ما معدله 65 ألف فرصة عمل جديدة فقط، وغالبية فرص العمل الجديدة تلك كانت في القطاع غير النظامي. والعاطلون من العمل، وأولئك الذين يمارسون أعمالاً غير لائقة، فضلاً عن الذين يشعرون بالإحباط نتيجة عجزهم عن تأسيس أسرة، جميعهم يطالبون اليوم بصوت عالٍ و بجرأة بـ«الحريّة والكرامة». المسألة ليست فقط ذات بعد ديموغرافي (سكاني)، بل الأهم من ذلك وجود معدّل بطالة يتجاوز نسبة 10% على نحو مستمرّ وبنيوي. وهناك المشاركة الضعيفة للنساء في النشاط الاقتصادي، والهجرة المتسارعة من الريف إلى مدن تنمو أيضاً نمواً غير نظامي، وسياسات جعلت الشغل الهش غير النظامي، من دون عقود وحماية اجتماعية، هو القاعدة. إنّ تموضع خريطة الاحتجاجات في سوريا هو انعكاس لكل هذه المشكلات مجتمعة.
يمثّل الشباب غالبية السكان، ولن يكتفوا بالمطالبة بالإصلاح فحسب، بل بالتغيير. وحجّتهم في ذلك أنّ أنظمتهم، التي اتصفت بالجمود والتحجر لعقود مضت، لم تكن في الماضي، وكذلك لن تكون في المستقبل، قادرة على مواجهة التحدّيات، واستغلال طاقة التسونامي الشبابي عبر تحويلها من عبء إلى عنصر منتج. ولم تعد الدعوة هي لتحقيق مطالب اجتماعية، بل لاستعادة الكرامة والقدرة على بناء المستقبل. إنّه بزوغ وانبعاث جديد للقيم الإنسانية العليا لكلّ شخص قُتل، ولكل شخص جُرح، ولكل شخص عُذّب، ولكل شخص أُهين.
وتمثّل الأنظمة السياسية في البلدان العربية الاستثناء الآخر. شهدت هذه البلدان، ممالك وجمهوريات على حد سواء، استقراراً استثنائياً، خلال العقود الأربعة الماضية، نتيجة تأسيسها أجهزة سلطة تربعت فوق مؤسسات الدولة، وأضحت عصيّة على المساءلة والمحاسبة. اعتمدت هذه السلطة على علاقات القربى، وفرضت هيمنتها عبر استخدامها أجهزة الأمن والولاءات العشائرية والزبائنية لما قبل الدولة، كي تتلاعب بالانتخابات والحكومات والمؤسسات العامة والجيش، وتستعملها أدوات لها.
هكذا بسطت السلطة سطوتها على مؤسسات الدولة في كل البلدان العربية، وأضعفتها على غرار نموذج دول الخليج. وبالطبع، تمثلت وسيلة الهيمنة الرئيسة للمال، وخاصّة عبر السيطرة على مصادر الريع. في سوريا، أتى هذا الريع من النفط في البداية، كما في دول الخليج، ثم من العمليات والمضاربات العقارية، كما في دبي، وكذلك من إيرادات الهاتف الخلوي. ووراء تلك الريوع كانت هناك أسماء: آل الطرابلسي أو الماطري في تونس، آل مبارك أو عزّ في مصر، آل سعود في السعودية، وآل مخلوف وشاليش في سوريا. هذه هي رأسمالية الأقرباء والخلان، ورأسمالية كهذه لا يمكن أن تعير اهتماماً لكرامة العمل، أو أن تقبل بحريّة التعبير والمساءلة.
يطالب التسونامي الشبابي العربي بإزالة هذه السلطة القابعة فوق مؤسسات الدولة. وهذا ما حصل في تونس أولاً، ثم في مصر. أمّا سوريا، التي كانت الدعامة الثالثة للنهضة العربية التي شهدها القرن التاسع عشر، فلم يكن بإمكانها أن تدير ظهرها لهذه الصحوة العربية الجديدة.
اندلعت الشرارة الأولى في دمشق. لكن أحد الوزراء أطفأ النار بفطنة وذكاء. أما الشرارة الثانية، فقد أتت من درعا، حيث بإلهامٍ من الصور التي تناقلتها قنوات التلفزة العربية، كتب بعض الأولاد على جدار: «الشعب يريد إسقاط النظام». سُجن هؤلاء الأولاد، وتعرّضوا للتعذيب بإشراف أحد أقرباء الرئيس، يُدعى عاطف نجيب. وحين احتجّ أهاليهم مطالبين بإطلاق سراحهم، ردّت عليهم أجهزة الأمن بإطلاق الرصاص. وأُشعلت نيران التسونامي. وكان من الممكن الحيلولة دون انتشارها، بمبادرة الرئيس إلى التغيير، فقط لو صُوِّر السيد نجيب مقيّد اليدين، على غرار دومينيك شتراوس كان. إلا أنّ ذلك لم يحصل، وبدلاً منه، ألقى الرئيس خطاباً شهيراً تحدث فيه عن مؤامرة. وفي الحقيقة، تكشف هذه الحادثة بطبيعتها عن جوهر الأزمة: بين شبابٍ من جهة، وعائلة الرئيس وتحجّر النظام من جهة أخرى.
منذ ذلك الحين، تتفاقم الأزمة. فمن ناحية، انضّمت مناطق مختلفة من سوريا إلى حركة الاحتجاج تأييداً لدرعا وحوران، حتى إنّها نسيت مطالبها الخاصة، كما برهن أكراد سوريا على ذلك ببلاغة. وكلّما تعرضت حركة الاحتجاج للقمع، سارعت مناطق أخرى كثيرة إلى الالتحاق بركبها، وتجذّرت الشعارات. لكن كما هي الحال في كل من مصر وتونس، ليس للانتفاضة السورية أيّة قيادة، بل تخطّت المعارضة بكل أشكالها، منظّمة أو غير منظمة، داخل سوريا وخارجها. أسّست الحركة شبكات تنسيق داخل سوريا، ولها بعض الشخصيات التي تحترمها، إلا أنّ فجوة كبيرة لا تزال قائمة بين حركة الاحتجاج داخل سوريا، وكثير من عناصر ما يسمّى المعارضة السورية في الخارج.
في مواجهة ذلك، جيّشت السلطة كل أنواع الولاءات، ونشرت المخاوف من سلفيين جهاديين ومن حرب طائفية. ومن الواضح أنّها ذهبت أبعد من ذلك، حين شجّعت الفوضى، وأشاعت بالفعل نوعاً من الفوضى، ما دفع بعض الجماعات إلى استغلالها.
بعد ثلاثة أشهر من بداية الأزمة، أخذ تفاقمها في سوريا إلى مأزق. لقد «سقط النظام» من الناحية الفعلية، فلا عودة ممكنة إلى حقبة ما قبل الانتفاضة. لكن ما لم يظهر بعد هو النظام الجديد، والأفق السياسي الجديد.
لا تزال الانتفاضة المدنية تواجه التحديات ببسالة، وهي تمتدّ إلى مزيدٍ من المدن والقرى. وبالرغم من كل مشاعر الغضب على الأقرباء والأصدقاء الذين قُتلوا أو تعرّضوا للتعذيب، بقيت الشعارات سلميّة، غير طائفية، بل فيها روح المرح في غالبية الأحيان.
لكن الحركة لم تنجح حتّى الآن بحشد قوى كافّة أطياف سوريا ـــــ وهي متنوّعة ـــــ وكذلك أكبر مدينتين في سورية: دمشق وحلب؛ فالثمن الإنساني الذي يجب دفعه مرتفع جدّاً. أضف أنّ بعض من يسمّون «معارضة» أتوا بخطابات طائفيّة على وسائل الإعلام، علماً بأنّ الأفق السياسي المنشود هو لكلّ سوريا، لا لجزء منها، ولا حتّى لأغلبية عددية مزعومة.
تعلم السلطة أنّها خسرت المعركة السياسية، لكنّها لا تزال مستمرّة بلعبتها: أنا أو الفوضى، أنا أو الحرب الطائفية، اذهبوا إلى الحوار الوطني فيما أضع مسدّسي على الطاولة، ومن ثم نرى ما إذا كنّا سنوافق على النتائج.
لم يبد الجيش ومؤسّسات الدولة رفضاً كثيفاً لـ«الحلّ الأمني»، بالرغم من الوحشية الشديدة؛ إذ إنّ مثال ليبيا والتدخلات العسكرية الأجنبية تلقي بهواجسها وثقلها، والأولوية تبقى للمحافظة على وحدة الشعب السوري.
أضف إلى ذلك أنّ بعض وسائل الإعلام العربية قد أدت دوراً ملتبساً ذا نتائج عكسيّة، من خلال تضخيمها بعض الوقائع وافتقارها إلى الاحتراف، وانتقالها إلى نوعٍ من حرب الدعاية (البروباغاندا) ضدّ القناة الحكومية السورية ومحطة «الدنيا».
ما كان أيضاً سلبيّاً وذا دور عكسي، هو بعض مجموعات المعارضة في الخارج، التي ادّعت تمثيل الانتفاضة (دون أي مشروعية) وانتقلت بسرعة كبيرة من الدفاع المحقّ عن حقوق الإنسان إلى قيادة الآراء على وسائل الإعلام. بل ذهب البعض منهم حتّى إلى خطابات طائفية عالية النبرة، أو دعوا إلى تدخّلات أجنبية، سواء من منظّمة حلف الأطلسي أو من تركيا، وهو أمر لا يوافق عليه الشعب السوري بكلّ تأكيد. لا معنى إذاً لمقولة «توحيد المعارضة»، إنّها وهم. بالأحرى، يجب عزل جميع الأشخاص الذين يغذّون أفكاراً وممارسات طائفية ولديهم رغبات انتقامية.
في الداخل أيضاً، هناك بعض المجموعات التي حملت السلاح ضدّ الجيش وقوى الأمن. هذا أمر خطير: إذ سيسبّب إطالة المسار السياسي، وتفاقم العذاب، وقد يؤدّي إلى نهايات سيّئة.
هذه المعركة في سوريا هي معركة أساساً سياسية. ولا يمكن الفوز بها إلا على المستوى السياسي، وداخل البلد، مع أخذ خصائصه في الاعتبار. البعض على عجلة من أمره؛ مع العلم بأنّه إذا ما ألقينا نظرة إلى تونس أو مصر اليوم، أو أيّ مكان آخر في العالم العربي، من الواضح أنّ هذه المعركة السياسية، أي ربيع العرب، هي مسار طويل الأمد: هناك حاجة إلى الوقت لاستخلاص العبر، وبناء القدرات، والتعامل الصحيح مع كل المخاوف، وبناء أفق مستقبلي لسوريا الجديدة، يقوم على دولة ذات مؤسّسات قويّة، وهي أساس أي ديموقراطية، لكن من دون وجود سلطة فوق هذه الدولة.
أخيراً، يجب أن تندرج هذه المعركة السياسية وأفق سوريا الجديدة ضمن الموقع الجيواستراتيجي للبلد، بحيث يترسّخ التوازن بين أطياف سوريا على بلد يتمتّع تحديداً بمؤسسات دولة قوية ـــــ الشعب متعلّق بها ـــــ تؤدي دوراً أهمّ من جغرافيتها. وسوريا هي حجر الزاوية لكل التوازنات الإقليمية.
لا ينبغي أن تكون نهاية الربيع العربي هي إعادة هيكلة للعالم العربي ضمن مجموعتين: ممالك غير دستورية من جهة، وجمهوريات ضعيفة بسبب توجّهها نحو الحرية والكرامة من الجهة الأخرى. والاعتقاد بأنّه يمكن الحريّة والديموقراطية أن تكون في بلدٍ أو بلدين عربيين فقط هو ضرب من الخيال. فنحن بصدد نهضة عربية، تحمل رسالة إلى العرب أجمعين، وحتّى الى أبعد من ذلك.
المسألة بالنسبة إلى سوريا ليس الاختيار بين إيران أو تركيا، بين الشيعة والسنّة، بل أن تصبح على نحو خاص قوية ومحورية بين هذين القطبين؛ إذ ليست التفرقة بين الشيعة والسنّة سوى مجرّد مناورة لإخراج المملكة العربية السعودية ودول الخليج من العالم العربي، ولوضع حدّ للنهضة الجديدة في البحرين وفي الجزيرة العربية.
المسألة بالنسبة إلى سوريا ليست اللّحاق بأوروبا أو نسيانها، كما قال السيد المعلّم، أو بروسيا أو الصين، بل متابعة البناء مع مصر الجديدة وتونس والدول العربية الأخرى، مجموعة بلدان جديدة تتحرّك ضمن المجتمع العالمي وتخدم مصالح شعوبها.
أخيراً وليس آخراً، الشعب السوري ممتنٌّ لأوروبا وبريطانيا عندما تدافعان عن حقوقه الإنسانية وحرياته، لكنّ صدقيتهما كانت أقوى بكثير لو أنّهما بذلتا جهوداً أكبر للدفاع عن حقوق الفلسطينيين، وإدانة جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في غزّة، وطبعاً لعودة أرض الجولان المحتلّة.
الشعب السوري لا يقبل أيّ نوعٍ من التدخّل العسكري. هو فقط بحاجة إلى دعم سياسي لنهضته الجديدة.
والشعب السوري يعلم بأنّ الطريق التي تنتظره لا تزال مليئة بالأحزان والكمائن. لكنّه يعلم أنّه الوحيد الذي يجب أن يدفع ثمن حريته وكرامته، وهو مستعدّ لدفعه؛ لأنّه يعلم أيضاً بأنّه سينتصر.
* كاتب سوري، رئيس تحرير لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب. النص هو لكلمة ألقيت في ندوة في مجلس العموم البريطاني في 23 حزيران 2011