لا أزمةَ في الجزائر على رأي وزيرها الأول، أحمد أويحيى، الذي اعتاد الخلطَ بين الصلف والصراحة، بين التبجُّح والثقة بالنفس. لا ضرورةَ للتغيير، قال، فـ«التغيير عشناه، نحن الجزائريين، في 1989 (أي بعد انتفاضة أكتوبر 1988 وإنهاءِ حكم الحزب الواحد) ولدينا اليوم 30 حزباً و100 صحيفة وليس عندنا سجناءُ رأي، كما أن كلّ المناطق تستفيد من التنمية الاقتصادية». هل من حاجة لنا بمجلس تأسيسي؟ لا، أجاب لأن «انتخابَ هيئة كهذه يعني نفيَ كلِّ ما أُنجز منذ الاستقلال» و«إعادةَ كلّ شيء إلى نقطة الصفر. فهل سنتّفق على أي نظام سنختار، الإسلامي أم العلماني أم الجمهوري؟».

في الجزائر 30 حزباً لا ريبَ، لكن لا ديموقراطيةَ فيها لأن الأحزاب، إذا عارضت النظامَ، لا حقَّ لها في تنظيم مسيرات أو تجمعات، ولأنّ الانتخابات تُدلَّس بما يسمح لحفنة من المستنفعين بالهيمنة على كل المجالس، الوطنية منها والمحلية. الجزائر ديموقراطية، لكن وزارة الداخلية ترفض تسليم الأحزاب الجديدة ما يثبت مجرّد تسلّمها لملفاتها، علماً بأنّ هذه الوثائق، وبقوة القانون الجزائري، دليلُ شرعية هذه التنظيمات وأنْ لا حقَّ للإدارة في رفض «اعتمادها» بغير أمر قضائي. في الجزائر 30 حزباً لا يتغيّر رؤساؤها إلا بوفاتهم، ولا يُنافسون على مناصبهم، وأحدهم الوزير الأول نفسه، الذي اعتلى سدّة أمانة التجمع الوطني الديموقراطي في 1999 ولم يبرحها منذ ذلك قطّ.
في الجزائر 100 صحيفة خاصة، لكن هل من حريّة للتعبير فيها؟ لا، فلو وُجدت لسُمح للمعارضة باستعمال وسائل الإعلام العمومية في غير أوقات «السيرك الانتخابي» ولما عوقبت بعضُ جنح الصحافة بالسجن بفضل اجتهاد «وزير العدل أحمد أويحيى»، الذي «أثرى» قانون العقوبات في 2001 أيَّما إثراء. وبالمناسبة نسأله: لماذا لا يرى اليوم مانعاً من التراجع عن تعديله هذا؟ أين «النقد الذاتي» الذي يطالب به غيره على الدوام؟
لا سجناءَ رأي في الجزائر، قال أحمد أويحيى، وكلامُه صحيح، فالجزائر، في التسعينيات، استهلكت كلّ «رصيدها» من السجناء السياسيين (لا نتحدث هنا عن المسلحين من الإسلاميين، بل عن عشرات الآلاف من كوادر جبهة الإنقاذ الإسلامية ممّن زُجّ بهم في المحتشدات الصحراوية «من باب الحيطة»، أو تمّت تصفيتهم بعد اعتقالهم، من باب الترهيب). ثم ماذا عن مئات الشباب الذين يحكم عليهم بأحكام قضائية قاسية لا لشيء سوى أنهم يطالبون بأدنى شروط العيش الكريم، بعدما ضاقت بهم سبل «الاحتجاج المتحضر السلمي» (بلغ عدد المعتقلين بتهمة «الإخلال بالأمن العام» في سنة 2010 وحدها 1376 شخصاً، حسب حصيلة لقيادة الأمن الوطني أعلن عنها في كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي)؟
هل انتخابُ مجلس تأسيسيّ «نفي لكل ما أنجز منذ الاستقلال»؟ لا يمكن أن يُوصف هذا الكلام بشيء سوى أنه ملقى على عواهنه (هل انتخاب مجلس تأسيسي فرنسي في 1945 كان رمياً بتاريخ فرنسا منذ ثورة 1789 في سلّة المهملات؟) المجلسُ التأسيسي طريقةٌ لإيلاء الشعب مباشرَةً مهمّة اختيار نظامه في مناخ ديموقراطي يضمن لكل التيارات، أيّا كانت، حقّ إسماع أصواتها للناخبين. ثم منذ متى «النظام الجمهوري» نقيض «النظام العلماني» كما يزعم أحمد أويحيى؟ ألا توجد في العالم دول جمهورية وعلمانية في آن واحد؟ أم أن «الجمهورية الحقيقيّة» هي الجمهورية الجزائرية شبه العلمانية التي لا تعطي «الجمهور» غير وهم التصويت في انتخابات حزب أحمد أويحيى (التجمع الوطني الديموقراطي)، منذ ميلاده في 1997، أحد مختصِّي تزويرها؟
كلّ المناطق تستفيد من التنمية الاقتصادية، قال أحمد أويحيى. إذا كانت التنمية موزّعة بالتساوي على كل الأقاليم، فلماذا، في بحر سنة واحدة 2010 بلغت تدخلات الشرطة (لـ«وضع حد لأعمال شغب» أسبابُها في أغلب الحالات اجتماعيةٌ من بطالة، وسكن غير صِحّي، الخ) 112878 تدخُّلاً، أي 309 في اليوم، حسب حصيلة للقيادة العامة للأمن الوطني نُشرت آخر العام الماضي؟ ما سببُ الاحتجاجات التي تعرفها دوريّاً مدن الجنوب المحرومة من نِعَم الغاز والبترول، رغم أنها تنتج الغاز والبترول؟ وإذا كانت الجزائر جنّةَ الله في الأرض، فلماذا مرتبتُها في الترتيب العالمي للتنمية الاجتماعية (لسنة 2009) هي الـ84، أي وراء تونس (81) والأردن (82) وهما دولتان لا تملكان مواردهما من العملة الصعبة (56،66 مليار دولار في 2010) ولا احتياطات صرفها (155 مليار دولار آخر 2010) ولا فوائض ميزانيتها (4848 مليار دينار في آخر 2010، أي ما يعادل 65 مليار دولار)؟
«الأزمة التي تعيشُها الجزائر متعددة الأعراض» كما يحلو لمحبّي لغة الخشب الرسمية أن يقولوا، لكنّ أكثرَ هذه الأعراض وضوحاً (بالإضافة إلى تشبّث عبد العزيز بوتفليقة بالرئاسة، على اشتداد مرضه) هو بلا شك رضى أحمد أويحيى عن الوضع السائد والاعتصامات تُفرَّق بالقوة تحت نافذة مكتبه. صدق من قال إنّ أسوأ أصناف العمى هو رفضُ الإبصار.
* كاتب جزائري