مع غروب الإيديولوجيات التي تلت سقوط المعسكر الاشتراكي وإفلاس الأنظمة «التقدميّة» التي ورثناها عن حركات التحرّر الوطني وصعود أطياف متنوّعة من الإسلام السياسي، برزت المسألة الثقافية ـــــ الدينية كمحور أساسي في تشكّل الاصطفافات السياسية. على صعيد السياسات الدوليّة، بعد هجمات الحادي عشر من أيلول ٢٠٠١، لعبت الأنظمة العربية الاستبداديّة على وتر الفزّاعة الإسلاميّة مقدّمة إحدى أوراق اعتمادها للغرب على أنّها ضمانة ضد تسلّم الإسلاميين الحكم وكشريك أمني أحيانًا (مصر ما قبل الثورة مثلاً) في «الحرب على الإرهاب». في المقابل، غََضّت الدول الغربية الطرف عن امتهان كرامات المواطنين وانعدام قيم المساواة والحرية والعدالة في تلك الأنظمة، مسبغة عليها المساعدات والشرعية ضمن شرف الانضمام إلى نادي الأسرة الدولية.

أماّ داخلياً، فالتفّ عدد من المثقّفين الحداثويّين والأحزاب والجمعيّات حول الأنظمة القمعيّة بحجّة أنّها خط الدفاع العلماني الأخير ضد غزوات «مجانين الله» على ما يسمّي بعض الإعلام الفرنسي «المتنوّر» الحركات الإسلامية الراديكالية. فإذا كان الخيار كما كان يُطرح ما بين ديموقراطية «الدهماء السلفية» وطغيان الأوليغارشيات العسكرية والعائلية وملحقاتها المالية، فعلى المرء أن ينطوي تحت الخيار الثاني: فالأنظمة متقدمة حكماً على مجتمعاتها. أمّا عنف الأنظمة «العلماني»، فمختلف نوعاً عن قروسطية الرجم والبتر. فهو ليس وليد «حركة ظلامية رجعية ثأرية انتقامية» (جان عزيز، «الأخبار» ٢٦/٤/٢01١)، ولا ينشد ماضياً ذهبيّاً ولّى إلى غير رجعة، بل يرسي على وقع الحديد والنار أسساً صلبة للتقدّم وولوج القرن الحادي والعشرين من باب الإصلاح...
وقد انضمّ مثقّفو العونيّة السياسيّة أخيراً إلى جوقة الملوّحين بفزّاعة الإسلام السياسي (السنّي طبعاً، فهم متفاهمون مع «أهالي» النبطية الخالية من الكحول) عند تناولهم الانتفاضات الشعبية السورية.
كتبت مي عقل (السكرتيرة الإعلاميّة للعماد عون) تحليلاً بعنوان «الأمل الخائب بثورة سوريا» (فورين بوليسي، ١٦/4/٢011) يعدّد أسباب الاستثناء السوري الذي يجعل الاحتجاجات السوريّة مختلفة عن ثورات الشباب العربي. الوضع في سوريا، من منظار عقل، مختلف من حيث نمط الاحتجاجات، فتعرُّض الجيش السوري لكمين مسلّح يخرج المعارضة السورية عن النسق الديموقراطي السلمي. كما أن عدد المتظاهرين أقلّ من التجمّعات التونسيّة؛ أمّا «الإخوان المسلمون في سوريا، فتحت غطاء المطالبة بإصلاحات، يطمحون إلى إطاحة النظام» على سبيل المِثال لا الحصر. لكنّ عصب المقال، أو قطبته المخفيّة التي تصيب القارئ الأميركي في مقتله، فلا يكمن أوّلاً في الحجج المسوقة عن عنف المتظاهرين أو أعدادهم أو الوطنية السورية واعتزاز الشعب برئيسه والخوف من «مرحلة ما بعد الأسد» لتبرير الاستثناء السوري، بل في مكان آخر. تلمّح مي عقل في منتصف نصّها إلى الشيخ القرضاوي ـــــ الذي تصفه بـ«مؤيّد اللاساميّة النازيّة» الذي صرّح بأن هتلر كان «عقاب الله لليهود» ـــــ الذي حرّض سنّة سوريا للثورة على النظام، كما تشير إلى وصف القرضاوي المتظاهرين بالجهاديّين.
أمّا في الختام، فتتمنّى عقل على الدبلوماسيّة الأميركيّة الإقرار «بأن الديموقراطيّة والسلطة الشعبيّة قد تستعملان كغطاء للمجموعات المتطرّفة كي تصل إلى السلطة. في الحقيقة إن الإسلام المتطرّف لا يأتي دائماً معمّماً، في بعض الأحيان يأتي بربطة عنق... إنّه لأمر شائن ـــــ في الحدّ الأدنى ـــــ أن يفكَّر بأنّه في ما يخصّ سوريا سيصطفّ الموقف الأميركي إلى جانب موقف الشيخ يوسف القرضاوي؛ إلّا إذا رأت الواقعيّة السياسيّة (ريالبوليتيك) الأميركيّة في القرضاوي «مصلحاً» و«مقاتلاً من أجل الحريّة» بوجه «ديكتاتوريّة بشّار الأسد».
هكذا، وببساطة، يختزل الفكر العوني أطياف المتظاهرين السوريين إلى إسلامىين متطرّفين، ثمّ يتمّ اختزال هؤلاء في شخص القرضاوي. فتلخّص «الشاهدة المحلّية» تعقيدات عقود من التراجيديا السورية لمهندسي السياسة الخارجيّة الأميركيّة، بصراع شخصيّتين أسطوريّتين: الشيخ النازيّ الهوى من جهة، والرئيس السوري من جهة أخرى. والآن، ما على الإدارة الأميركيّة إلّا أن تختار سياستها بعدما رسمت لها سكرتيرة العماد عون الإعلاميّة صورة بملامح نافرة لا لبس فيها ولا تحتمل الظلال.
فبتكثيف صُوريّ واختزال تام، يتمّ إيكال اللاساميّة، النازيّة، والجهاديّة على ضفّة المنتفضين، وهي نعوت ليست كفيلة فقط بإخراج المرء من دائرة النقاش العام في الولايات المتحدّة، بل من الدائرة الإنسانيّة الأوسع. وعلى الأميركي الطيّب، كما يوجب ضمناً التحليل العوني، أن لا يُلدغ من الجحر نفسه مرّتين. فلقد دعمت سياساته الواقعيّة ملالي «مقاتلين من أجل الحريّة» ذات يوم في أفغانستان ضد إمبراطورية شّر اندثرت منذ عقدين، ولم تندمل جروحه الأيلوليّة بعد.
* كاتب لبناني