في الأحوال العادية، تُخَصَّص مساحات واسعة للقرع على طبلة التملق والنفاق في الإعلام السعودي. أما في الفترة الأخيرة، فتُخَصَّص مساحات أكبر وتزداد حدّة القرع المزعج، لتحاول أن تغطي على أصواتٍ تتحدث بكل صدق وشفافية عن تغييرٍ يحقق مصلحة المواطنين وطموحاتهم في مختلف المجالات.

يُسَمُّون قارعي الطبول أحياناً «مثقفين»، وأحياناً أخرى يسمونهم «ليبراليين»، وعند التدقيق لا تجد أثراً للثقافة في ضحالة الفكر وانعدام المبدأ وضعف اللغة وتدني الأسلوب وغياب المضمون. كما لا أثر لليبرالية في إقصاء المختلفين والتحريض عليهم والحديث عن «فسطاطي» حق وباطل، وفق معايير الوطنية الزائفة. لذلك، لا مناص من تسميتهم «منافقين»، لأنّ في ذلك توصيفاً دقيقاً لمضمون خطابهم، والعقيدة التي يتبناها.
الثقافة في هذا الخطاب المنافق مجموعة من الشعارات الاستهلاكية عن التحديث، ترتبط بالقشور والسفاسف والقضايا الصغيرة. وقد ترتبط بالقضايا الكبرى، حين يكون الحديث عن سوريا أو إيران! أما الوطن، فهو مجموعة من المصالح الشخصية والعطايا والهبات التي تتطلب الإصرار على لغة الاستجداء وعبارات التزلف، بينما تكمن الحرية في استخدام تلك اللغة وترديد عباراتها بسلاسة ودون مشاكل.
يرتكز هذا الخطاب على احتكار تعريف الوطنية، ثم احتكار شرفها. ويقابل ذلك تشكيك في المختلف مع التعريف المختار، وهجوم شرس عليه، باعتبار ذلك درجةً رفيعة في إظهار الولاء الوطني. وبجانب امتلاك حق التصنيف الوطني، يظهر الاستعلاء على الشعب بترديد العبارة المستهلكة عن عدم جهوزيته لأيّ تغيير. وما يظهر للوهلة الأولى أنّه حرقة على تَسَيُّد التخلف والرجعية اجتماعياً، يتضح لاحقاً من مضامين ذلك الخطاب أنّه رفضٌ صريح لأيّ تغيير قد يهدد الطموحات والمصالح الشخصية لأصحاب هذا الخطاب. فالعبارة نفسها ترددت قبل عشر سنين، وتُرَدد الآن، وسيتواصل ترديدها، إلى أبد الآبدين.
لا يتورع المنافقون عن استخدام «الفزاعة الإيرانية» في تعزيز خطابهم الرافض لأي تحول ديموقراطي، من خلال الحديث عن «المؤامرة» التي طالما انتقدوا مروجي نظريتها واتهموهم بالغوغائية وغياب العقلانية والهروب من استحقاقات الواقع. وهم هنا، يربطون كل مطلب تغييري وكلّ شخص لا يشاركهم جموحهم الثوري ضد «المد الصفوي»، بانعدام الوطنية والعمل لأجندات خارجية، تماماً كما يردد أمثالهم على امتداد الخريطة العربية.
يتمادى هؤلاء باستخدامهم لغة طائفية مقيتة في خطابهم، بعد أن كانوا دعاة الوحدة الوطنية ومروجي ثقافة التسامح في فترات ماضية. ولا يجدون حرجاً في التحذير من «خطر صفوي شيعي على أهل السنة»، ولا حتى في التشكيك في ولاء أبناء وطنهم من الشيعة، والحديث عن ارتباطهم العضوي بإيران. غير أنّهم يحاولون التمايز عن الخطاب الوهابي المتطرف تجاه الشيعة، بدعوتهم إلى فك الارتباط مع الشيطان الإيراني ومنحهم لقب «الإخوة» تكرماً وتعطفاً.
التحالف غير المقدس بين مدعي الليبرالية من المنافقين والسلفيين المتشددين، في وجه دعاة الإصلاح والخطر الخارجي، ينتهي عند هذا الحدّ ليبدأ اشتباك مسرحي سمج بين الطرفين، على طريقة صراع الديكة الذي لا غلبة فيه لديك على آخر، ضمن مباريات طويلة تسهم في تسلية الجمهور وإلهائه؛ إذ يتلاسن الطرفان كلامياً، ويدخل رموزهما في جدل شخصي أو تنافس في «النفاق الوطني» أحياناً، أو يخوض الطرفان، في أحيان أخرى، معارك حول قضايا اجتماعية صغيرة، استهلكت ما استهلكته من وقت وحبر طوال السنوات الماضية. ويجري كل ذلك في إطار مرسوم ومحدد، لا يخرج عنه الطرفان المتفقان على استبعاد أي نقاش جاد والاستخفاف بأيّ تحولات زمنية، عبر إعادة إنتاج البضاعة نفسها في كل وقت.
في المحصلة، يسهم المنافقون بتناقضاتهم وتخبطاتهم وغياب المبدأ وتأثير المصلحة على مواقفهم، في رسم صورة كاريكاتورية مضحكة للإعلام السعودي، غائبة تماماً عن تطلعات المواطنين واحتياجاتهم، وفي تضليل القيادة السياسية بالكذب بشأن ما يحتاج إليه الوطن من تغيير يحقق مصلحة الجميع ويقود إلى مستقبل أفضل. ولا يأبه هؤلاء لحجم التهكم والسخرية من خطابهم في مواقع التواصل الاجتماعي والمجالس والتجمعات الشعبية، فهم يعرفون أنّ هذا ثمن «النضال» في سبيل تحقيق مصالحهم الشخصية والتكسب، على حساب مصلحة الوطن وأبنائه.
مساحات اللون الواحد هي العشق الأبدي لجماعات المنافقين، وهي التي توفر لهم حرية الحركة وحرية النفاق، باعتبار أنّه لا صوت إلا صوتهم ولا مكان لصوتٍ مغاير يكشف تناقضاتهم وألاعيبهم. وأسوأ ما يمكن أن يحدث لمنافق، هو الظهور في منبر تعددي للحديث من خلاله. هنا يظهر التلعثم والتخبط في الكلام وصياغة الجُمَل، لأنّ خطاب النفاق غير قادر بطبيعته على مجابهة أسئلة نقدية، هو الذي اعتاد الاطمئنان إلى الأسئلة المعلبة الجوفاء.
إنّ أكبر عقاب يمكن أن يحل بالمنافقين في أي مكان هو فتح المجال لغيرهم ضمن منظومة إعلامية حرة تكسر الزواج بين الممارسة الإعلامية والثقافية وبين النفاق والتزلف، وتهدم الارتباط المزيف بين الوطنية والتملق، وتفتح الباب على مصراعيه، ليواجه خطاب النفاق أسئلة نقدية ورؤى وأفكاراً جدية في القضايا المختلفة.
عند فتح المجال لحريات إعلامية وتعددية فكرية، سينحسر خطاب النفاق والتزلف تلقائياً، لأنّه لا يعيش أصلاً إلا على أحادية الفكر والرأي، وإن تزيّن بشعارات ليبيرالية. وبالتالي، ستنحسر معه معارك هامشية وأخبار مضحكة ودعايات سمجة، تبدو اليوم أساساً في العمل الإعلامي، تنفّر الناس من وسائل الإعلام التقليدية الرسمية وتدفعهم إلى السخرية منها في وسائل الإعلام الجديد التي وفرت لهم مساحاتٍ للتعبير والنقد وتسمية الأشياء بمسمياتها.
النفاق نقيض الوطنية الحقة والحرية الحقيقية. النفاق آفةٌ تتمدد في مجتمعاتٍ تعاني الكبت والتقييد، وتنحسر في المجتمعات الحرة. انظروا إلى مصر وتونس لتعرفوا حال المنافقين والمتزلفين اليوم.

* كاتب سعودي