ليس في شارع الجامعة الأميركية ما هو مريب. الوقت صباحي، الطقس معتدل، وعدد المارة كثيف. لكن قد يلفتك منظر إحدى المكتبات القديمة، التي كاد صنفها ينقرض بين زحام المكتبات العصرية المنمقة. تستوقفك منصة الصحف في الخارج، وتلفحك رائحة الصفحات الصفراء المعتقة في الداخل. رائحة تدير رؤوس عشاق الكتب، ذواقة نبيذ الكلمات.

الكمية شحيحة نسبة إلى المساحة، والكتب يعلوها الغبار. الرفوف الحديدية صدئة، والأرض تغطيها البقع.
«أف، إحسان عبد القدوس؟ يا ريت»، يجيب الرجل مبتسماً. «كان عندي الكثير، لكن تعرفين، لم يعد أحد يقرأ. ولم يعد أحد يعرفهم»، مشيراً بيده إلى أصحابه القدامى.
تضيء الذاكرة عينيه فجأة، «لحظة، بينما أبحث في المستودع». ينزل السلالم بثقل، بينما تجول عيناك على ما حولك. متفرقات تتصدرها أسماء رنانة. «مؤلفات نجيب محفوظ»، «الأيام»، «السائح والترجمان»، موسوعات دينية ودراسات تاريخية. وفي أقصى الزاوية، آخر ما سطّر الراحل جوزيف سماحة.
يظهر صاحب المكتبة مجدداً، لاوياً شفتيه بابتسامة اعتذار صغيرة، «آسف». تبتاع إحدى النسختين الباقيتين من «خط أحمر»، وتتابع طريقك إلى نهاية الشارع، حيث يطالعك مشهد آخر، ينتمي إلى العصرية الانسيابية التي أصبحت أكثر ارتياحاً لوضعها في الشارع.
في الداخل، الأرض «باركيه» وتمتزج رائحة المعطرات الهوائية والجلود الحديثة الطباعة بعطر الموظفات. ومن الخارج واجهة مضيئة، مثقلة، تعرض آخر ما ورد لها من غلافات ملونة لمّاعة، أكثرها مستورد.
كتب مدرسية، قصص للأطفال، دلائل سياحية، وما قصد به أن يبدو كالفزّاعة في وسط الحقل، منصة عرض عن «حزب الله»، بقلم الكتّاب الأجانب. «الشيعة وتاريخ المنطقة»، يعلوه صورة للأمين العام الشاب بالأسود والأبيض؛ «حزب الله، العقيدة والمجتمع»؛ «إنّه لشرف لنا أن نموت» (حزب الله)؛ «جولة في الشرق الأوسط، الجلوس على طاولة العدو»، (حزب الله مجدداً)...
المنظر لافت إلى درجة أنّه يسترعي انتباه تلاميذ الأميركية، فتقف إحدى الفتيات ضاحكة ومشيرة بإصبعها «Look at that!» (انظر إلى ذلك!). تفتح الباب، وتدخل، لتعود وتخرج بعد دقيقة، خائبة الأمل. تقول لزميل لها: «It's too expensive» (إنّه غالٍ جداً)، في إشارة إلى الكتاب الذي سألت عنه.
يتوقف شاب آخر أشعث الشعر إلى جانب صديقه، ويخفت صوتهما الصاخب في كلّ أوقات النهار، بينما يحدقان بفضول إلى الواجهة.
لم تنجح نظراتهما الثاقبة في اختراق شيفرة عالم غريب عنهما، لا يمت إلى ما يجول في رأسيهما بصلة، فيصيب أحدهما الملل ويجر الآخر باتجاه أحد المطاعم، بينما يلقي صديقه نظرة أخيرة إلى الخلف، مقطباًً حاجبيه باستغراب.
تتابع المسير، وكلمات صاحب المكتبة القديمة ترن في أذنيك: «لن نبقى طويلاً، فقد اشتروا المبنى»، قال بنبرة تشوبها الحسرة.
أضاف: «لن تصدقي المبلغ. لقد بيع بمليوني دولار. مبنى في شارع كهذا، يباع بذلك المبلغ. لقد تمكنا من إيجاد مشترٍ مستعد لدفع 33 مليوناً نقداً، لكن صاحب المبنى رفض. والأنكى أنّه يماطل في دفع التعويضات».
يبدو أنّ الرجل عقد صفقة ما. لكن مع من؟ لا أحد يدري، ولا أحد يهتم... ربما هي الجهة ذاتها التي تقيم منصة التعبئة «الثقافية» في آخر الشارع.

* كاتبة لبنانية