وقفنا جميعنا، كعرب، ضد الغزو الأطلسي للعراق، بالشدّة نفسها التي عارضنا فيها نظام صدام حسين الجائر. وقفنا إلى جانب تحرر الشعب العراقي، لكنّنا أدنّا الحركات والتجمعات السياسية التي كانت تطالب بغزو أطلسي، أوصل ذلك البلد العربي الأبيّ وشعبه المعطاء إلى ما هو عليه من تحلل طائفي مذهبي وتفكك سياسي. فقط السجّان تغيّر، لكن السجن بقي كما هو، بل ازداد قبحاً، لأنّ النظام الصدامي كان «عادلاً» في ظلمه وجوره وبغيه، لا يفرّق بين المذاهب والأديان والقوميات.


وبناءً على ذلك، من المنطقي إدانة كلّ حركة سياسية معارضة لأيّ نظام ديكتاتوري، في مختلف بلاد العرب، تستبدل بالبرنامج الوطني أجندة سياسية واقتصادية خارجية، مرتبطة بالغرب الأطلسي الاستعماري. هذا لا يعني عدم التمسك بمبدأ الانحياز غير المشروط لقضايا الحرية الحقيقية، السياسية والاجتماعية والفكرية وغيرها، التي تناضل من أجلها شعوب العالم المضطهَد على نحو عام، وشعوب أمتنا العربية على نحو خاص. لكنّ الانحياز لحركات الشعوب المضطهَدة، هو فقط عندما تكون موجّهة من أجل التحرر الحقيقي، صاحبة البرامج الوطنية، المتحررة على نحو كامل وواضح لا لبس فيه من إملاءات الغرب الاستعماري، وليس تلك المتبنّية أجندات خارجية. فعندما ترتهن الحركات السياسية المعارضة لأجندات القوى الاستعمارية، فإنّها تربط مصيرها بها، ولا تختلف طموحاتها عن رديفها لدى أسيادها.
يقودنا ذلك إلى الحديث عن الوضع الليبي منذ بدء الانتفاضة الجماهيرية إلى المأساة التي يعيشها ذلك البلد في هذه الأيام. وهو حديث يحتاج إلى الكثير من التأمل والمراجعة الصادقة.
من غير الواضح الآن أسباب تطوّر الصراع في ليبيا ليصبح صداماً عسكرياً داخلياً. هل بدأت تظاهرات مدينة بنغازي سلمية، فتصدى لها النظام من اللحظة الأولى بالرصاص، ما دفع بالمتظاهرين إلى الهجوم على ثكن قوى الأمن والجيش الليبي في المدينة للاستيلاء على السلاح كي يدافعوا عن أنفسهم؟ أم أنّ النظام أرسل «قوات الأمن» المتخصصة لقمع جموع الشعب المنتفضة على حكمه الظالم؟ جموع انتقلت بعد ذلك، منقادة من قوى مجهولة الهوية، إلى مهاجمة ثكن الجيش الليبي في المدينة. وذلك بعد انشقاق بعض قطاعات الجيش في بقية «المناطق الشرقية»، ما جعل النظام يعدُّ ذلك تمرداً مسلحاً، ويدفعه إلى إرسال قواته النظامية المدججة بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة في محاولة لإخماد الانتفاضة الشعبية ضد حكمه بالوحشية الديكتاتورية المعهودة.
هذه المسألة مهمة لمعرفة خلفية الأحداث والقوى الفاعلة حالياً في الصراع، عندما يكتب تاريخ هذه المرحلة. كما أنّ ذلك مفيد للغاية لمعرفة الأخطاء التي أحاطت بالانتفاضة العفوية وتجنبها مستقبلاً، إن كان ثمة أيّ مستقبل لهذا البلد العربي.
ومعرفة تلك الحقائق مهمة أيضاً لأنّها تحوي دروساً عميقة الدلالات للانتفاضات والثورات العربية الحالية، في اليمن والبحرين والمغرب والأردن، وضد بقية الطغاة الخاضعين للإملاءات الأميركية ـــــ الصهيونية، كي تتجنب فخ الصدام المسلح مع الأنظمة، الذي تريده هذه الأخيرة.
فالطبيعة السلمية للانتفاضتين التونسية والمصرية هي ما منحهما تعاطفاً جماهيرياً صادقاً وعمقاً واحتياطاً شعبياً، مكنهما من الاستمرار حتى تحقيق هدفهما الأول والرئيسي، ألا وهو «إسقاط النظام» ممثّلاً بإبعاد رموزه عن مواقعهم، بل والزج بكثير منهم في السجون نفسها التي قضوا أعمارهم يبنونها للشعب.
اليوم، عندما ننظر إلى الوضع الليبي المأسوي، فإنّنا نشاهد ثلاث قوى متصارعة على البلد وثرواته في المقام الأول، وتشارك، وإن بصيغ مختلفة الأشكال والأنماط ودرجة العنف، في العدوان على مستقبل الشعب الليبي وحقّه في التطور الحر المستقل في مختلف الميادين.
العدوان الأول، قاده النظام، عندما تحكّم بمقدرات الشعب الذي قاوم الاستعمار الإيطالي الهمجي عشرات السنين، ولم يستكن، وفي الوقت نفسه شارك، مشاركة أكبر من رمزية، في معارك العرب الكبرى ضد الاستعمار، وفي مقدمها معركة منع اغتصاب فلسطين. فقد كان عدد سكان ليبيا عندما احتلها الاستعمار الإيطالي، في مطلع القرن الماضي يعدّ بالملايين، وعندما طُرد منها في منتصف القرن الماضي لم يتجاوز المليون نسمة.
هذا الشعب الليبي، العنيد في وجه الاستعمار، لم يكفِ «رأس النظام». فهو، كغيره من الطغاة، يعتبر قبوله بحكم ليبيا وشعبه تنازلاً منه، وعلى الجماهير شكره صبح مساء على ذلك «التواضع» (في إحدى خطبه الأخيرة، خاطب القذافي شعبه، من تابعين ومعارضين، بالقول: لو كان لي منصب رسمي لرميته في وجوهكم!).
لقد كتب الكثير عن انتهاكات النظام التي لا نهاية لها، ولسنا في حاجة إلى تكرارها وتأكيد كونها عدواناً سافراً عليه، لكن من الضروري لفت الانتباه إلى عبارة قيلت أخيراً، ومرّت من دون ما تستحقه من تعليق: إنّ سقوط النظام الحالي سيلحق الضرر بأوروبا، وإسرائيل أيضاً. لقد كشف النظام، وإن عن غير قصد كما يبدو، عن جانب من تفاصيل صفقة المساومة التاريخية التي عقدها مع أعداء الأمس، مقابل دعم حكمه الجائر (بانتظار وثائق ويكيليكس القادمة).
للتذكير، شهدت ليبيا نشوء حركات سياسية معارضة للنظام، انتهى معظمها في حضن حلف الأطلسي، إذ اعتمدت كلياً على دعمه لها، ما دفعها الى صياغة تحركها وسياساتها بما يلائم من ترقد في حضنه، فأصبحت امتداداً لذراع الغرب الاستعماري، تمثّل مصالحه، لا غير.
ولذلك، كان من البديهي أنّه عندما عقد النظام الليبي المساومة التاريخية مع العدو السابق، بعدما فقد الأمل في تمكّنه من التحرر من الحصار الذي فرضه الأخير عليه (ولا بد من الاعتراف هنا بأنّ سبب ذلك كان دعمه لقضايا التحرر في العالم)، أن تقبل المعارضة الليبية، في لندن وواشنطن على نحو رئيسي، بالسكوت عن سياسات عواصم حلف الأطلسي الجديدة تجاه النظام الليبي، والقبول بإملاءاتها عليها، من دون نقاش. بكلمات أخرى، رمت بها في سلة المهملات.
تلك التجربة المهولة للمعارضة الليبية، بمختلف ألوانها، كان يجب أن تمنحها حكمة افتقدتها في مرحلتها السابقة، وأن تحصّنها ضد أي ثقة بالنيات الأطلسية، أو حتى بتوافر حد أدنى من حسن نية لدى تلك القوى الاستعمارية.
لكن، بدلاً من التعلم من دروسها القاسية غير البعيدة زمنياً، وأخذ العبر من تجارب قوى مرتبطة غيرها رمت بها الإمبريالية في حاويات النفايات (ماركوس في الفيليبين، ونورييغا في بنما، وشاه إيران، وعملاؤها الصغار في العراق، وغيرهم)، نراها أصيبت بفقدان ذاكرة مريع ومهول. فراحت تستنجد بحلف الأطلسي وتطالبه بالتدخل العسكري المباشر، لهزيمة قوات النظام المتفوّقة عليها عدةً وعدداً وتنظيماً، متجاهلة حقيقة أنّ قوى الاستعمار الغربية ليست منظمات خيرية قامت لخدمة البشرية، لا لاستعباد الشعوب ونهب ثرواتها، كما يدل على ذلك تاريخها الدموي الحافل بالظلم والجور والاضطهاد عبر قرون طويلة.
فعندما نسمع تصريحات صادرة عن أعضاء «المجلس الوطني الانتقالي» تنقل ثقتهم بحتميّة الانتصار على النظام، لأنّ «العالم الحر» معهم، لا بد من أن نضرب كفاً بكف ونردّد، مع الشعب الليبي الصابر: «أما آخرة». وهذا هو الطرف الثاني في العدوان على ليبيا. لكن هذا لا يهز ثقتنا بعروبة الشعب الليبي البطل وبقوى الخير فيه، الوطنية والقومية، وخياراتها ضد الغزو والاحتلال والاستعمار.
وهنا نسمح لأنفسنا بتذكير أولئك المؤمنين بـ«العالم الحر» بأنّه هو من باعهم ورمى بهم جانباً، بعدما عقد صفقة المساومة الكبرى مع النظام الليبي، من أجل النفط، وسيكرر ذلك مستقبلاً إن كتب له تسيّد البلاد في نهاية المعركة المندلعة. ونذكر أولئك المؤمنين بـ«العالم الحر» بأنّ الناطق باسم رئيسه احتج أخيراً لدى جماعة أوسلو القابعة في مبنى المقاطعة في رام الله المحتلة، بسبب إطلاقها على أحد شوارع المدينة اسم الشهيدة دلال المغربي، بل ونعتها بالمجرمة والقاتلة. هؤلاء المرابضون في مبنى المقاطعة في رام الله لم يجرؤوا على الرد بأيّ كلمة على إهانة إحدى شهيدات فلسطين.
وقد يسأل سائل عن الطرق التي كانت متوافرة لدى قيادة الانتفاضة الشعبية لوقف الهجمات المسلحة الهمجية لقوات النظام الليبي وقمعه الوحشي، بل والدموي للجماهير المنتفضة على حكمه. كان بإمكان تلك القيادة البحث عن أساليب إبداعية تمنحها عمقاً جماهيرياً، ولا تمنح المترددين أعذاراً. على سبيل المثال، طلب العون والمشورة من شقيقاتها المنتصرة حديثاً في تونس ومصر، والثائرة في البلاد العربية الأخرى. وقد أثبتت هذه التجربة الأليمة عدم وجود صلاحية عامة لمقولة «أهل مكة أدرى بشعابها».
الطرف الثالث في العدوان على ليبيا، هو التحالف الأطلسي العدواني بامتياز. نذكر كيف احمرّت وجنتَي الرئيس الأميركي باراك أوباما خجلاً وتواضعاً عندما مُنح جائزة نوبل للسلام، وقال وقتها إنّه لا يستحقّها، لكنّه قبلها. لكن بعد هذا العدوان الأطلسي السافر على ليبيا، الذي سيليه الاحتلال المباشر، فبإمكان رئيس الولايات المتحدة تأكيد أحقيّته بالجائزة، لأنّه بعدوانه تساوى بأصدقائه الصغار من المجرمين، أمثال بيغن ورابين وكيسنجر، وغيرهم.
أخيراً، من غير الممكن السكوت عمّا نعدّه تقصيراً مهولاً ومروعاً من جانب قوى أو شخصيات عربية شعبية، موثوق بها وبحكمتها واستقلاليتها ووطنيتها. فقد مرت فترة زمنية غير قصيرة، بين اندلاع الانتفاضة الجماهيرية في ليبيا وتحوّلها إلى صراع مسلح غير متكافئ بين النظام والشعب. لقد كان على الشخصيات السياسية والفكرية والاجتماعية وغيرها، المستقلة حقاً، مادياً وتنظيمياً عن أيّ سلطة حاكمة المبادرة إلى التدخل الإيجابي في الصراع، لدرء ما أمكن من الأخطار عن ليبيا، على أساس حق شعبها في اختيار نظام الحكم الذي يريده، وإحباط التدخل الأطلسي المتربّص أبداً ببلادنا وخيراتنا. بدلاً من ذلك، رأينا أنّ بعضها فضل الصمت والجلوس على كفيها، تتفرج على تطور المأساة الليبية، وأخرى استبدلت بالتحرك الإيجابي البنّاء، كلمة هنا، وبيان هناك، وتظاهرة أمام سفارة، أو خلفها.
مع ذلك، إنّنا على ثقة من أنّ الوقت لم يفت بعد لمثل هذه المبادرة، لمنع أطراف العدوان الثلاثة من القضاء على ذلك البلد وشعبه الذي لم يقصّر إطلاقاً في خدمة قضايا أمّتنا، وتمكينه من استعادة حريّته وكرامته وصياغة مستقبله، من دون وصاية من أحد.
* كاتب فلسطيني مقيم في بيروت