«أكره اللامبالين. إنّهم الثقل الميت للتاريخ». الكلمات التي كتبها أنطونيو غرامشي، الشيوعي الإيطالي، تعود أهميتها إلينا اليوم عند النظر إلى المشهد السياسي والإعلامي اللبناني، ومقاربته للأحداث التي تجري في سوريا. وكما كلّ شيء تقريباً في هذه الأيام، فقد أصبحت لامبالاة الجمهور اللبناني بما يحدث للشعب السوري علاقة مؤدلجة تماماً لدى اجهزة الفريقين اللبنانيين الأوحدين، 8 و14 آذار.


بالنسبة إلى فريق «لأ للسلاح»، فإنّ سوريا هي بلد الخوف والتهديد الخارجي المستمر، البعبع الراعي «للسلاح الشيعي». فما كان في السابق تعاطفاً ظاهرياً مع الشعب السوري ضد «الجهاز الأمني اللبناني السوري المشترك»، في تبنٍّ وقح للنظرة الأمبريالية البوشية من أجل تصدير «الديموقراطية الأميركية» بالقوة كما في العراق المحتلّ اليوم (كان يعادل عملياً قلب النظام السوري من الخارج) استُبدل، بعد الفشل السياسي المدوّي الذي مني به هذا الفريق، بهجاء طائفي سافر للسلاح «الشيعي» المزعوم. استبدلت سوريا، إذاً، وأصبحت، مع المملكة العربية السعودية، وسيطاً يمكن فيه برجوازية 14 آذار التفاوض مع برجوازية 8 آذار، حول تأليف الحكومة والتفاوض في البازار السياسي اليومي. سوريا لم تمثّل بالنسبة إلى هذا الفريق حصراً النظام السوري السابق مع غازي كنعان وعبد الحليم خدام والحالي. وقد يصل العداء للنظام في سوريا والمقاومة الى حد العمالة مع اسرائيل، كما يتضح من نشر فضائح ويكيليكس أخيراً.
أمّا برجوازية 8 آذار، فتتمحور علاقتها الأيديولوجية «بالآخر» السوري، عبر تحليلات طائفية أقلّوية، تتعلق معظم الوقت بالشعور الرُّهابي الماروني الأصل، المهجوس بخوف لا يتزحزح من العدد الكبير للأكثرية الاسلامية في لبنان والمنطقة. وتجسّد مقالة الزميل جان عزيز («الأخبار»، عدد السبت 19 آذار 2011) هذه التحليلات الطائفية الطابع، بنحو ممتاز. هناك طبقاً لتلك السردية، أقلّيات «متنوّرة» في هذا «الشرق» تتحالف مع بعضها دوماً وأبداً ضد «الاستبداد» الأكثري العددي الإسلامي. لكن سياسات وتعريفات الطوائف تتغيّر دائماً وأبداً. فالأكثرية الإسلامية اليوم، ولأسباب سياسية آنية، «سنّية» حصراً. أمّا أبناء الطائفة «الشيعية» فيوضعون بمصاف الحلفاء الأبديين لميشال عون، شفيع «الموارنة» الجديد في بلدة براد، على خلاف موقف المارونية السياسية أيّام الحرب الأهلية. حسب تلك الرواية الأقلّوية، يضع خيار عون السياسي «الشيعة» الخيّرين في دائرة التحالف ضد السنّة «المستقبليين» الأشرار. تستوي سوريا في هذه السردية الخيالية، بأسطورة حكم أقلّوي يسيطر على أكثرية. هنا يكمن التماثل الكامل بين الذات والآخر في النظرة الى سوريا. تتناسى تلك الرواية أنّ هناك برجوازيات من الطوائف، في جميع مدن سوريا، هي من أركان الدولة نفسها، وأنّ الوضع الطبقي الفقير جداً لمن تفترضهم السردية الأقلية الحاكمة، ليس أفضل حالاً من فقراء «الأكثرية» الطائفية هناك حتماً. يختفي «المواطن» السوري في هذا النوع من الكتابات، ويصبح كلّ سوري ابن طائفة أو عرق حصراً، كما هو حاصل مع نظيره اللبناني. فالأخير، وبسبب «فرادته» الدائمة، لا يمكن أن يقبل بوجود من لا ينتظم في طائفة أو قبيلة أو عشيرة. وما تشبيه جان عزيز لمدينة درعا السورية على أنّها زائدة دودية، إلّا النتيجة الحتمية للتحليل الأقلّوي العنصري النزعة، والاستئصالي بامتياز. أما الجزء الآخر من كتابات 8 آذار، فيتّسم بالمنفعية السياسية القصوى الآنية. فسوريا هنا هي النظام المتوجّه دائماً ضد إسرائيل حصراً. إنّها الظهير الدفاعي للمقاومة وبلد «الممانعة» الوحيد، أو ما يطلق عليه في خطابياتنا السياسية «سوريا الأسد». يبدأ هنا الكلام عن سوريا باختزال الشعب السوري على أنّه المواطن المثالي، المستعد أن يموت فقراً من جراء فساد المحيطين بالنظام، إذا كان ذلك بحجة «الممانعة» و«حماية المقاومة». أما التمييز الصحيح ما بين المعارضة السورية الخارجية الملتحقة بالأميركيين وإسرائيل، والمعارضة السورية الداخلية التي كانت دائماً تبحث عن حلول عقلانية لكيفية عبور النظام الى أفق أكثر رحابةً من حرية وكرامة وخبز، فلا يحجب واقع أنّ الأكثرية الصامتة من الشعب في سوريا لم يؤخذ رأيها في أي من التوجهات الاقتصادية والسياسية الداخلية. وليس ذلك إلّا أحد أسباب التذرّر الذي يسبّبه ذلك للمجتمع السوري على المدى الطويل، بسبب الإيمان الأعمى بأنّ سوريا هي دوماً خارج مجرى التاريخ، عندما نتكلّم على الديموقراطية والدولة المدنية.
إنّ المطالبة بالديموقراطية في بلد تهدّده اسرائيل موضوعياً كسوريا ليس «مؤامرة» إسرائيلية، بل إنّه مطالبة حقيقية بالترقي الى مواطنة حديثة فعلية تطالب بإنهاء حالة الطوارئ التي دامت أكثر من 40 عاماً. إنّ الآلاف الذين رأيناهم يصرخون «حرّية حرّية» في درعا واللاذقية ومدن أخرى، هم أيضاً «ممانعون» لإسرائيل، ولا يختلفون عن مئات الملايين الذين خرجوا للمطالبة بحرّيتهم في الوطن العربي. إلّا أنّ تصرّف النظام السوري مع المتظاهرين في المسجد ليل الثلاثاء الماضي في درعا، والمجازر التي حدثت هناك تحت مسمّيات «عصابة مسلّحة»، كما المجازر الأخرى التي تلتها في صنمين وغيرها، أتت صادمة لكلّ من توقّع ردّ فعل حكيماً هادئاً من النظام، خصوصاً أنّ الرئيس الأسد، المفترض أنّه يتمتّع موضوعياً بشعبية حقيقية بين أهل بلده بسبب دعمه لحركات المقاومة من حزب الله وحماس، هو الوحيد، إذا ما أراد فعلاً، الذي بإمكانه تجنيب نظامه صدمة الموجة الثورية العربية، عبر عملية انتقالية ديموقراطية سلسة وحقّة.
فعفوية «المحبة» التي يكنّها كثير من فقراء سوريا لرئيسهم، قد تختفي بسرعة فائقة، إذا لم يُعالج الوضع السياسي والاجتماعي في البلاد عبر مبادرة سريعة من النظام، قبل فوات الأوان للإنقاذ، ووضع خطة إصلاح ديموقراطية، بنيّة صادقة. خطة تنقل سوريا من وطن يحدد نفسه حصراً بالممانعة الى شعب حيّ، حرّ، يتنفس من دون فساد وحكم بوليسي وذلّ يومي، لتصبح الممانعة قراراً ديموقراطياً لكلّ سوري والضمانة الحقيقية الدائمة لأيّة مقاومة. في انتظار ذلك، أيّ تغيير ديموقراطي في سوريا يجب أن يكون من دون عنف أو دعوات طائفية، ستصيب الشعب قبل النظام في المقتل. كل ذلك بينما يستمرّ الإعلام الرسمي السوري في ترداد أغنية «البحث عن العصابة المسلّحة»، واختلاق «الغريب المتآمر»، وهو هنا الفلسطيني أو المصري أو الجزائري، في مسلسل بات لا يقنع الكثيرين. يجوز التساؤل كيف يمكن نظاماً عربياً مشهوراً بذراعه الأمنية والاستخبارية إبداء هذا النوع من الضياع، بينما تتلاقى الأنظمة الفاشية العربية، من المحيط الى الخليج، ومنذ سنة 1967 في إحداث الفتن الطائفية واحتكار الحرب الأهلية، بادّعاء أنّها الرادع الوحيد للسلم الأهلي؟ يذكّرنا هذا السيناريو بما حدث في أميركا اللاتينية بعد صعود اليسار الكبير أواخر الستينيات، وتعاون الاستخبارات المركزية عبر فرق الموت والاغتيالات، من أجل ضمان وجود الثورات المضادة وحكم العسكر، من نيكاراغوا والسلفادور الى التشيلي.
وفي لبنان، فإنّ التغييب المقصود، واللامبالاة الواعية واللاواعية للمواطن السوري عن النقاشات حول «السلاح» و«المحكمة»، هو من تملّك الثورات الشائع لدينا، المرتبط بالتصوّرات النفسية للطوائف وحساباتها السياسية. تصورات وحسابات لا ترى في إزاحة القذافي في ليبيا إلا انتقاماً لتغييب الإمام موسى الصدر، وفي إرادة البحرينيين ضد الاستبداد الا تماثلاً في سردية المظلومية الشيعية من السنّة الحاكمة. والكلام يجري حول ما يحدث هناك كما لو أنّ البحرين ليست سوى ضيعة «شيعية» في الجنوب اللبناني، أو أنّ كلّ المعارضين للنظام الإيراني ليسوا إلا أعواناً للإمبريالية. إنّها صنمية الثورات التي لن تصنعها فاشيات الطوائف في هذا البلد، فتتّجه حينها الى تملّك ثورات الغير.
النقاش في لبنان حول أحداث سوريا، البعيد عن الانتهازية الطائفية والسياسية، هو ضرورة قصوى لمستقبل شعبَي سوريا ولبنان، من حيث القدرة على فتح نوافذ في العراك السياسي اليومي. يحدث كلّ ذلك بينما يُفَقَّر ويُهجّر المزيد من اللبنانيين على أيدي برجوازيتي 8 و14 آذار. علينا خلق إمكانات وأفكار من أجل مساعدة أنفسنا والسوريين على الانتقال الى الدولة المدنية الديموقراطية بحق، من دون ان يمثّل ذلك خطراً فعلياً. إنّها أوليغارشية 22 آذار (14 زائد 8)، التي تبرمج جماهيرها بلامبالاة بما يحدث للبلد العربي الوحيد الذي يجاورنا. أوليغارشية لا ترى ما يحدث هناك إلا عبر ثقب طائفتها وزاروبها السياسي. هو الثقل الميت للتاريخ لمن ليس له رأي في ما يحدث من حوله. ويجب أن يتوقّف ذلك.
* باحث لبناني