مهما كانت نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية المصرية يوم السبت الماضي، فستحصل مصر على دستور جديد.

«نعم» تعني دستوراً جديداً، وفق آليات واضحة ومنهجية محددة، عن طريق جمعية تأسيسية من مائة عضو ينتخبهم أعضاء البرلمان المنتخبون بغرفتيه. برلمان سيُنتخب بشفافية ونزاهة، وفي مدّة محددة لا تزيد على سنة ونصف السنة.
«لا» كانت ستعني أنّنا سنحصل أيضاً على دستور جديد، لكن من دون وضوح الطريقة والمنهجية والوقت المحدد، ومع احتمال بقاء الجيش فى إدارة البلاد إلى أجل غير مسمى.
إذن، وبعد الـ«نعم»، ستواجه مصر والمصريون تحديات كثيرة، أهمها إنجاز استقلال للوطن ليس زائفاً. كيف تدير مصر، في ظل هذا الاستقلال الحقيقي، علاقاتها الدولية؟
تواجه مصر تحدياً مهماً يتعلق بدورها الإقليمي والدولي في وطن عربي يحتاج إلى قوة قائدة بعد فراغ مقعد القيادة لسنوات عقب «كامب دايفيد». والوضع مماثل في شرق أوسط أوسع، تتصارع أو تتحالف فيه قوى إقليمية على حيازة دور ما في صوغ السياسة الأمنية والعلاقات الاقتصادية، ونظم سياسية وطنية تتأثر بموجة الثورات المتتالية، وكذلك النظام السياسي الإقليمي الذي يهتزّ بقوة تحت ضغط الشعوب.
تواجه مصر والمصريون تحدياً لا يقلّ أهمية، وهو التحدي الاقتصادي الذي هو أساس الاستقلال الحقيقي والمؤهل للقيام بأي دور دولي أو إقليمي أو عربي. وهو التحدي الذي إذا نجح فيه المصريون، يحققون فعلاً الاستقلال الوطني والقرار المستقل، ويقودون قاطرة الاستثمار والتنمية في المنطقة كلّها. ولا ننسى هنا التمايز الواضح بين الدور التركي المتنامي (اقتصاد تركيا رقم 17 في العالم)، وبين الدور الإيراني الذي يعتمد على الملف النووي والقوة الصلبة، بينما يعاني اقتصادياً بسبب الحصار المفروض منذ سنوات طويلة، والدور السعودي الذي يعتمد أساساً على الفائض المالي الضخم الذي يأتي من ريع البترول.
يحتاج هذا التحدّي إلى جذب الاستثمارات الخارجية، خصوصاً رؤوس الأموال العربية. كذلك يحتاج إلى تدريب قطاعات واسعة من المصريين لرفع كفاءاتهم المهنية والعملية. ويحتاج أيضاً إلى توزيع عادل لعوائد التنمية بدلاً من نزوحها إلى البنوك الخارجية. ويحتاج إلى تشجيع المصريين على الادخار، بدلاً من سيادة النمط الاستهلاكي.
لتحقيق كلّ ذلك، يجب إعادة النظر في سياسات التعليم والتدريب والبحث العلمي، وتوفير منظومة صحية من الطفولة حتى الشيخوخة، تعيد للمصريين حيويتهم ونشاطهم.
التحدي الداخلي الأخطر هو أن يتحوّل المصريون إلى نظام ديموقراطي لا يؤدي إلى نزاعات سياسية أو بروز تكتلات طائفية أو يهدّد التماسك المجتمعي.
هذا النظام الديموقراطي هو الذي يسمح بتوافق مجتمعي وسياسي وفكري على دستور ينظّم الحياة السياسية والتداول السلمي للسلطة. ذلك، مع بقاء دستور مستقرّ لا يتغيّر بأغلبية مهما كانت، ولا يُعدّل إلّا لضرورات تفرضها التجربة والخطأ، كما حدث مع التعديلات الـ36 على الدستور الأميركي، خلال مائتي سنة أو يزيد.
هذا النظام الديموقراطي هو الذي يؤدّي في النهاية إلى اقتصاد قوي، ويجذب الاستثمارات التي تبحث عن بلاد آمنة مستقرّة. كذلك يزيد اللحمة الوطنية، إذ يسمح بالاختلاف في وجهات النظر، مع استقرار المقوّمات الأساسية للمجتمع. ويحدد الهوية الحضارية العربية الإسلامية، للمسلمين والمسيحيين واليهود الذين نريد أن نجذبهم إلى حضن العروبة من جديد، بأن يتخلّوا عن الفكرة الصهيونية التي نبتت في الغرب لتخدم مصالح الغرب الاستعماري.
يتميّز النموذج المصري الديموقراطي بنكهته المصرية المتسامحة. نكهة تستمد جذورها من الحضارات التي توالت عليها وصهرتها في النهاية الحضارة الإسلامية: الحضارات الفرعونية المصرية، والهيللنية اليونانية، والرومانية المسيحية الغربية التي عارضها المسيحيون المصريون الشرقيون.
سيقود هذا النموذج مسيرة التطبيق الديموقراطي في العالم العربي، على الأقل، إن لم يمتدّ تأثيره إلى العالم الإسلامي، بل العالم كله.
سنقدم نموذجاً ديموقراطياً يستلهم حضارة أخرى غير تلك الغربية التي تستمدّ جذورها من تراث يهودي ـــــ مسيحي فقط. فالنموذج المصري يستمدّ جذوره من تراث إسلامي ـــــ مسيحي ـــــ يهودي.
سيقدم نموذج مصر الديموقراطي نموذجاً ثالثاً في البلاد الإسلامية في إقليم الشرق الأوسط. فهناك النموذج الإيراني الذي أثار خوف كثيرين، وهو خاص جداً بالمذهب الشيعي. ولدينا النموذج التركي الذي أثار إعجاب كثيرين بسبب المزج بين العلمانية والتيار المحافظ ذي الجذور الإسلامية. أتى هذان النموذجان بعد نموذج سعودي خاص جداً أيضاً، قدّم تفسيراً مغالياً في المحافظة، بسبب التزاوج بين أسرة حاكمة ومذهب سني ليس معروفاً في باقي أنحاء العالم الإسلامي، وهو يتبع تقاليد شورى عربية تراثية فقط، وتتقدم فيه الإصلاحات ببطء.
كذلك فإنّ طالبان بما هي نموذج، لم تستمر طويلاً، ولن تعود في الأغلب، بعد الثورات المتتالية في العالم العربي والإسلامي، وهي كانت معادية للفكرة الديموقراطية من الأساس.
في المقابل، يجاهد السودان للبقاء دولة موحدة، بعدما جاءت حكومته بانقلاب عسكري، ولم يتحوّل إلى الديموقراطية حتى الآن، فلم يجر أي تداول للسلطة فيه.
أمامنا إذن، ثلاثة نماذج للتطبيق الديموقراطي: الإيراني ذو المذهبية الخاصة جداً، التركي، وهو ذو خلفية تاريخية خاصة جداً، والمصري، الذي يولد الآن، وهو أمل لباقي شعوب العالم الإسلامي السني.
واجهت مصر هذه التحديات، وتفاعل معها المصريون، قبل ستين سنة، عندما قام الجيش المصري بحركته في يوليو/ تموز 1952. حركة تحوّلت إلى انقلاب، ثم أيّدها الشعب، فكانت ثورة.
حققت «يوليو» إنجازات على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، بينما فشلت تماماً في التحدي الديموقراطي واحترام كرامة الإنسان، فكانت المعتقلات والتعذيب والقتل خارج القانون والإقصاء والعزل السياسي.
حاولت «يوليو» تحقيق استقلال القرار الوطني، لكنّها اصطدمت بحروب متتالية مع العدو الصهيوني مع الدعم الأوروبي، ثم الأميركي، فكان الانكسار الكبير في «يونيو/ حزيران 1967»، واحتلال أكثر من ثلث البلاد وانهيار الزعيم القائد المتفرد المتألّه.
اتبعت «يوليو» سياسة عربية تمزيقية، بين ثوريين ورجعيين. فأثار المدّ القومي الغير الديموقراطي المشاكل والانقلابات، وهزّ العروش الملكية. وشهدنا نهاية الحلم القومي الذي وأد الحريات، وكارثة غزو الكويت وإعادة الاحتلال الغربي للوطن العربي، بينما لم تتحرّر فلسطين، واليوم نشهد على كارثة الكوارث، في ليبيا الشقيقة.
أملنا اليوم أن يتوحّد المصريون، رغم اختلافاتهم وخلافاتهم الطبيعية والضرورية، حول أيّ نظام ديموقراطي، من أجل مواجهة تلك التحديات. كذلك، نأمل أن ينخرطوا فوراً في حوار مجتمعي وثقافي وفكري، من دون ضغوط نفسية أو إغراءات خارجية أو تقليد للغرب، من أجل إنجاز دستور مدني ديموقراطي متوازن، يحقّق آمالنا جميعاً نحن العرب وليس المصريين فقط، في أن نتبوّأ مكاننا بين الأمم تحت الشمس.
* قيادي في جماعة الإخوان المسلمين في مصر