في تقديمه للكتاب الذي حرّره نوبار هوفسبيان، «الحرب على لبنان 2008»، يصف رشيد الخالدي حرب تموز بـ«الحرب الصغيرة، ذات التبعات الكبيرة». فمقارنةً بالحروب السابقة مع الكيان الصهيوني منذ عام 1948، التي اشتركت فيها في كلّ مرة دول عربية عدّة، واجهت المقاومة إسرائيل هذه المرة وحدها، وكانت، بالتالي، أرض المعركة صغيرة نسبياً. وبعكس التجارب السابقة، أيضاً، انتصرت المقاومة على الكيان الصهيوني. وصفُ الخالدي للحرب بهذه الطريقة هو استنتاج دقيق، مبنيّ أساساً على قراءة معنى الحرب في السياق العالمي والإقليمي الجديد الذي تكوّن في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وسيادة قوة وحيدة على العالم. وهو المنطق ذاته الذي يجب اليوم أن يكون الأساس لفهم معاني الثورات العربية المتعاقبة، وقراءة تبعاتها. قاد سياق ما بعد الحرب الباردة، بعكس المرحلة السابقة، لارتباط كلّ الصراعات الإقليمية المختلفة بعضها ببعض بفعل السياسة والرؤية الأميركية التي عملت سابقاً على فصل المسارات، لعزل تأثير الصراعات بعضها عن بعض.

بهذا المعنى لم تكن حرب تموز حرباً بين الكيان الصهيوني وحزب الله فقط، كما لم تكن الحرب قضية لبنانية بحتة، بل قضية عربية وإقليمية بسبب تبعاتها الكبيرة، وبسبب خضوع المنطقة شبه المطلق للهيمنة الأميركية ـــــ الإسرائيلية، وبسبب تمرد حزب الله عليها. وفق المنطق نفسه، لا يمكن أن تكون الثورة المصرية أو التونسية قضية مصرية أو تونسية فقط إلا لمن فاته تعاقب الأحداث منذ نهاية الحرب الباردة، ولمن فاتته قراءة الشعارات ورؤية الصور التي رفعها الثوار. كذلك، لمن فاتته ملاحظة معنى تعاقب الثورات في العالم العربي وتأثرها بعضها ببعض، ولمن فاتته مشاهدة ردات الفعل العربية الشعبية والرسمية (المتباينة) على حرب تموز، كما على ثورات العرب المختلفة. الجديد في المعادلة أنّه حتى حرب تموز كانت الحالة العربية مختلفة. فباستثناء «حالة حزب الله»، يقول رشيد الخالدي في المقدمة ذاتها، «لا تبدو الشعوب العربية لاعباً مهماً، أو حتى موضوعاً لتاريخها... المنطقة العربية تحوّلت إلى موضوع لفعل الآخرين، وإلى منطقة تخضع لفاعلين آخرين (سواء قوى خارجية، أو دول شرق أوسطية قوية أخرى مثل إسرائيل، تركيا، وإيران)».
استهداف حزب الله وسلاح المقاومة كان في حينها، إذن، أيضاً استهدافاً لكلّ عربي يرفض أن يخرجه قادته ودوله (التي تزعم الاستقلال) والقوى الفاعلة في المنطقة من التاريخ والسياسة، وأن يحوَّل المستقبل العربي إلى موضوع فعل الآخرين. وهو استهداف للصوت العربي الوحيد الذي شارك في صناعة تاريخ المنطقة، نيابةً عن العرب. أما في هذه الأيام، فاستهداف حزب الله وسلاح المقاومة هو جزء من الثورات الأميركية ـــــ الإسرائيلية المضادة. ثورات تستهدف حراك الشعوب العربية الثوري وعودتهم إلى التاريخ كفاعل ولاعب أساسي في تحديد شكل المنطقة المستقبلي، سواء وعى ذلك من يستهدف السلاح (على طريقة حسني مبارك أو الفهمان بن علي) أم لم يعِ.
ليست المقاومة في لبنان فقط جزءاً أساسياً من الحراك الشعبي العربي الثوري، بل هي من أوائل مظاهر هذا الحراك. ولا مبالغة إن قلنا إنّها جزء أساسي من ملهمي هذا الحراك (كنت في مكان آخر قد وصفت محمد البوعزيزي بالاستشهادي الجديد، لأنّه رغم وجود هذا النموذج الاحتجاجي في التاريخ الإنساني، من قبل، كان صعباً تجاهل إغراء المقارنة والإلهام في نموذج الشهيد أحمد قصير. فنحن، كما بدا واضحاً اليوم، أمام حالة عربية مترابطة موضوعياً شئنا أم أبينا، على الأقل بفعل السياسة الأميركية، لمن لا يريد أن يكون جزءاً من هذه الأمة). لذلك، ربما يمكن القول اليوم، وفي سياق الحراك الشعبي الثوري العربي، إنّ السيد حسن نصر الله تواضع كثيراً في كلمته في افتتاح المجالس العاشورائية في21 كانون ثاني 2007، حين رأى أنّ «أهم ما في حرب تموز أنّ الروح هنا، هزمت الروح هناك»، برغم دقة الوصف لنتائج الحرب المباشرة. فتجربة حزب الله ونموذجه يفيدان اليوم بما هو أبعد بكثير من هزيمة إسرائيل وهزيمة روحها، وكسر إرادتها. وهما أبعد من مجرد التبعات المباشرة على الصراع العربي ـــــ الصهيوني.
كان لافتاً جداً، مثلاً، إدراك الشعوب والأنظمة العربية لهذا الترابط، في أيام حرب تموز، رغم التباين في المواقف، كلّ حسب ولائه ومصالحه. الموقف الرسمي المصري (هل تذكرون حسني مبارك) والسعودي (الذي يصافح أمراؤه أكثر الصهاينة فاشية كما فعل تركي الفيصل، وهم ذاتهم الذين يريدون ويؤيدون من يريد نزع سلاح المقاومة) المعادي لحزب الله في أثناء حرب تموز، كان الصوت الأميركي ـــــ الإسرائيلي في الحرب. في المقابل، وفيما بدا كأنّه ردّ للشعوب على انحطاط أنظمتها، قام ثلاثة من أعظم شعراء مصر المعاصرين (عبد الرحمن الأبنودي، أحمد فواد نجم، وسيد حجاب) والمعبرين عن روح الشعب المصري والعربي وموقفه الحقيقي، بالردّ عبر إعلان التقدير الكبير لدور حزب الله والسيد نصر الله. فتقدموا بما يشبه الاعتذار والخجل، مما قام به نظام مبارك. كتب عبد الرحمن الأبنودي في «أنا المصري كريم العنصرين»:
«فيا لبنان أنا مِ اللِّي خانوك، يا حزب الله حكامنا باعوك
يا صاحبي... ما عُدنا نملك غير هتافنا، هتافنا مُرّ... مالي رقابنا شوك
وعَلَنِي... بنفعل الفعل المشين!!
يا نصر الله ده زمن البياعين، وإنت طلعْت للأمة... منين؟
تفكّرنا بكلّ اللي نسيناه، أظنه صعب يصحوا الميتين
وخليتنا ــــ الجميع ـــــ متفرجين».
كذلك فعل أحمد فؤاد نجم، الذي عاد للكتابة بعد انقطاع، كأنّه فعل ذلك فقط ليرد على الموقف الرسمي في «ميجانا ويا ميجانا»، التي غناها لاحقاً المطرب أحمد إسماعيل. كتب نجم عن السيد العربي الإنسان «حفيد سيدنا ومولانا اللي ما يفرط أبداً بأمانة»، فقال:
«يابو هادي يا شمس الدين، يا مطمن قلب الخايفين
كان جدك سند المساكين، واختارك مسكين ويانا».
في المقابل، كان الرائع سيد حجاب، الذي تنبأ بثورة مصر، مباشراً وواضحاً كعادته. وربما عبّر عن الترابط بين ما حصل في حرب تموز وتأثيراتها على المنطقة أكثر من غيره في «حاول ما تبكيش»:
«دلوقت نصر الله في لبنان بدأ، ووعد يرد لنا حقوقنا وصَدَق
وشعوبنا طالعة كلنا إيد في أيد، مع كل شعب كان قريب أو بعيد
ح نصحي في الدنيا الضمير البليد، وتقيم شعوبنا شرق أوسط سعيد
نتساوي فيه ومفيهش سادة وعبيد، ولكلّ أمة فيه مكانة ومكان
لا للصهاينة والطغاه الأمريكان، لا للصهاينة والطغاه الأمريكان».
كلّ هذا، والكثير غيره الذي لا يسمح المجال هنا لذكره، يعبّر عن موقف الشعوب العربية قاطبة. فمن كتب ما في الأعلى، وبالعامية، من مواقف هم أهم شعراء العرب المعاصرين، والأكثر تعبيراً عن روحهم، ولم يدفع لهم أحد ثمن موقفهم بل عوقبوا عليه بمنع قصائدهم. تدرك الشعوب العربية الثائرة اليوم، كلّها، ترابط الصراعات هذا، وتدرك أنّ الصيغة النهائية لشكل المنطقة، وأيضاً ما يحدث في أي جزء منها، سيؤثران في مصيرها. فمن يتحدث عن سلاح المقاومة في هذا الوقت بالذات، لا يتحدث عن خلاف لبناني على تعبيد طريق أو تنمية منطقة ما، كأنّ الخلاف فعلاً على موضوع محلي، بل يدلي بدلوه في شكل المنطقة ويعبّر عن موقفه الحقيقي من الثورات العربية والمصير العربي من عمان في الشرق الى موريتانيا في الغرب. ليس السلاح قضية لبنانية داخلية بل قضية تمس كلّ المصير العربي ويحق للجميع، بل يجب على الجميع رفع الصوت في وجه من يهدد السلاح. كان معين رباني محقاً حين كتب عن الأنظمة العربية التي جرى إقصاؤها، وبدأ بإسقاط الحكومة اللبنانية أولاً (للحقيقة ولأمانة النقل، ميّز رباني في الوصف بين من سماهم المستبدين الفاسدين في قرطاج والقاهرة ورئيس الحكومة المستقيلة في بيروت). وكان محقاً أيضاً بالقول إنّ المناورة الذكية التي قادت لإسقاط الحكومة اللبنانية، لو حدثت في مكان آخر لكانت محط حسد المعارضات في كلّ العالم. فلا يمكن فعلاً فهم إسقاط الحكومة اللبنانية بمعزل عمّا يحصل في العالم العربي، وبمعزل عن سقوط الأنظمة المقيتة. أثبتت الثورات العربية أنّ الشعب فعلاً يعرف ماذا يريد. والشعب العربي الذي يريد حماية السلاح يعرف أيضاً ماذا تريد إسرائيل: إسرائيل لا تريد انتصار الثورة المصرية، ولا تريد انتصار الثورة التونسية، ولا انتصار أي ثورة في أي بلد عربي. وإسرائيل تريد نزع سلاح المقاومة في لبنان. ولو جرى ترديد عكس هذه العبارة مئة مرة، فلا يمكن الخلط بين ما يريده الشعب وما تريده إسرائيل. فالشعب يعرف حقاً ما يريد، والشعب أيضاً يعرف حقاً ما تريد إسرائيل: إسرائيل تريد نزع سلاح المقاومة.
على مدونة نوارة نجم (جبهة التهييس الشعبية)، التي سمعها وأحبها كلّ العرب لأنّها كانت تتكلم باسمنا جميعاً، توجد صور لرؤساء عرب وشعبهم يضرب صورهم بالأحذية. وثمة أيضاً صورة للسيد حسن نصر الله مع التعليق «نعلك على راسي من فوق»، وأيضا «وآدي صورة حسن نصر الله... حد له شوق في حاجة». هكذا تكلّم ثوّار مصر.
* أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدوليّة في جامعة ويسكونسن ـــــ بارك سايد