لم نتخيّل، عندما حلمنا بانتشار ثورة الشعب التونسي عبر العالم العربي، أن يبدأ تحقّق الحلم بهذه السرعة. فالثورة التونسية التي انطلقت واقتلعت الدكتاتور «بسرعة الضوء» كما وصفها عزمي بشارة، انتقلت عدواها في طول الوطن العربي وعرضه بسرعة الضوء أيضاً. ولم تمض أسابيع حتى رأينا دكتاتور مصر يلحق «بزميله» التونسي، وإن لم يكن إلى جدّة، بل الى شرم الشيخ بفعل ضمانات بعدم ملاحقته، يبدو أنّه حصل عليها من الجيش المصري أثناء التفاوض على رحيله. وكما حدث في تونس، بدأت في القاهرة ملاحقة السماسرة والأفّاقين والنصّابين الذين تحلّقوا حول مبارك وعائلته. سماسرة لم يستعملهم نظام هذه العائلة فقط أداةً للنهب المنهجي لمصر، بل أيضاً لمحاولة تكوين «طبقة» ممّن يرتبط مصيرهم ببقاء السلطة في أيدي آل مبارك، ضمانةً لتوريث الرئاسة من الأب إلى ابنه.

وممّا لا شك فيه أنّ السرعة الفائقة لانتقال الثورة من تونس الى مصر، وانتشارها من هناك الى بلدان عربية عدّة، عائدة الى اهتراء الوضع العربي الذي وصل منذ بداية التسعينيات الى حضيض لا يمكن مقارنته إلّا بذلك الذي وصل إليه أيام نكبة فلسطين، في أواخر الأربعينيات. ففي الفترة الحالية، التي ابتدأت مع الحرب الأميركية لإخراج الجيش العراقي من الكويت في 1990، عاد الاستعمار المباشر الى المنطقة، واحتُلَّ العراق بالتواطؤ مع الأنظمة العربية الفاسدة، تماماً كما أُنشئت دولة اسرائيل بالتواطؤ مع الانظمة العربية الفاسدة التي كانت قائمة في 1948.
واذا كان انفجار الوضع العربي بعد النكبة قد جاء على شكل الانقلابات العسكرية التي اتّبعت النموذج «التحرري» السائد أيامها، أي النموذج الستاليني، فإنّ فشل هذا النموذج عاد بالعالم العربي الى نقطة الصفر خلال أقلّ من خمسين عاماً، بدل أن يؤدّي الى التحرر الحقيقي والديموقراطية. حدث ذلك بسبب الدكتاتوريات العسكرية التي أعماها الفساد عن مشاريعها الأصلية، فتحوّلت إلى أنظمة عائلات حاكمة تنهب بلدانها، وتستمدّ القدرة على البقاء من الاستسلام للقوة الامبراطورية المسيطرة على المنطقة. حتى الثورة الناصرية التي قادت الوطن العربي في مشروع تحرر وطني شامل وفي مواجهة إسرائيل والهيمنة الأميركية على المنطقة، لم تسلم من انقضاض الثورة الساداتية المضادة عليها فور رحيل عبد الناصر. ثورة وضعت نظام الحكم المصري على منحدر أوصله في النهاية الى ما وصل إليه.
وانحصرت مشاريع جميع الأنظمة العربية، خلال فترة الانحطاط هذه، في العمل على توريث الحكم الى جيل الأبناء، خاصة بعد نجاح حافظ الأسد في توريث الحكم في سوريا لابنه. وقد استُخدمت، في سبيل التوريث، ما رأتها هذه الأنظمة «خلطة سحرية» لضمان نجاح العملية. وتألّفت عناصر هذه الخلطة، في الداخل، من تغذية الأنظمة للانقسامات العمودية، من طائفية وعشائرية داخل مجتمعاتها من جهة، والاستعداد الدائم للتعامل مع شعوبها كأيّ عدو خارجي، ما إن ترفض هذه الشعوب الخضوع، من جهة أخرى. أمّا في الخارج، فقد تلخّصت عناصر هذه الخلطة بالحصول على البرَكة الأميركية بواسطة إلغاء العداء مع اسرائيل، بل والتحالف معها في مواجهة «عدو» جديد اختُرع للمنطقة هو «العدو» الإيراني. وقد جرى كلّ ذلك جهاراً، نهاراً، وأمام أعين الشعوب العربية التي تفرّجت على بلدانها تُنهب وتهان، وتفرّجت، في الوقت عينه، على النماذج الديموقراطية تتوالد من حولها وتبشّر بالنجاح. وقد راقبت الشعوب العربية، بحسرة وحسد، دولاً مثل البرازيل وتركيا تنتقل، بواسطة الديموقراطية، من الفشل الاقتصادي الى النجاح المصحوب بالعدالة الاجتماعية، ومن الهامشية السياسية الى أخذ أدوار فائقة الأهمية (نسبة الى احجام هذه الدول) على الصعد الإقليمية والدولية، أكسبتها، وأكسبت زعاماتها احتراماً كبيراً.
بسبب كل ذلك، كانت حتمية الانفجار. ولم يكن ممكناً أن يأتي الانفجار، في عصرنا هذا، إلّا على شكل ثورة شعبية تطالب أولاً وقبل كل شيء بديموقراطية حقيقية تتكفل بمحاسبة الأنظمة وبوضع بلداننا على سكّة التطور الطبيعي. فالشعوب العربية رأت، بأمّ العين، أنّ ما أوصل إلى نجاح النموذج التركي، على سبيل المثال، هو أنّ استمداد الشرعية من أكثرية الشعب والرأي العام يحتّم على النظام الحاكم أن يؤدي الحساب على سياساته لدى صندوق الاقتراع بدلاً من تأديته لدى السيّد الإمبراطوري. وهذا هو الضمان الأكيد والوحيد لاستقلالية هذه السياسات، ولرسمها وتطويرها بناءً على المصلحة العليا للبلد وشعبه فقط.
وقد تحوّل دور الجيش، في تونس وفي مصر على حدّ سواء، إلى مُواكب ومسهّل للتغيير الديموقراطي. فمهما كثرت التساؤلات المشروعة حول مدى استعداد الجيش المصري لتسليم السلطة إلى نظام مدني منتخب، فإنّ روح العصر الحالي، وميزان القوى الذي انتصب مع نزول الملايين الى ميدان التحرير، ومع سماع زئير هذه الملايين حول العالم غضباً من عناد الطاغية في الليلة الأولى، وفرحاً لاقتلاعه في الليلة التالية، لا يمكن أن يسمحا ببقاء هذا الجيش في السلطة.
هذا على الصعيد الداخلي في مصر. أما على الصعيد الإقليمي، فإنّ أول ما سيؤدي اليه التحوّل الديموقراطي هناك هو الاستعادة التدريجية لدور مصر القيادي «الطبيعي» في المنطقة. فأيّ نظام ديموقراطي يعبّر عن اكثرية الرأي العام المصري لا بد من أن يبني سياساته الإقليمية باستقلالية تامة، على أساس المصالح الاستراتيجية الحقيقية لمصر، سواء تجاه العلاقة مع المحيط العربي، أو تجاه العلاقة مع تركيا وإيران، أو تجاه الصراع العربي ـــــ الاسرائيلي. وسوف يقود هذا الأمر الى عودة القاهرة الى احتلال موقع نقطة الارتكاز لمشروع عربي ديموقراطي توحيدي، وبالتالي إلى قيادة عملية الخروج من عصر الانحطاط الحالي. ويمكن ساعتئذ الحديث عن بناء علاقات عربية ـــــ تركية وعربية ـــــ ايرانية على أساس المصالح المشتركة، الى جانب التاريخ والجغرافيا والثقافة الإسلامية الجامعة، بعد التخلص من ترّهات «العداء» العربي ـــــ الإيراني المُستحدث.
أما بالنسبة إلى الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي، فإنّه، بكل بساطة، سيعود صراعاً عربياً ـــــ اسرائيلياً، أي سيعود الى طبيعته الأصلية. ولنا أن نتخيّل مدى تأثر ميزان القوى بين العرب وإسرائيل «بعودة مصر»، خاصة أنّ هذه العودة تحصل في ظل توازن الرعب النسبي الذي نشأ، بعد حرب تموز، بين حزب الله وإسرائيل. ذلك أنّ جمع مقدرات مصر وثقلها، مع ما تجمّع من مقدرات لدى حزب الله ـــــ بالرغم من المحاولات الحثيثة لاصطناع عداء سني / شيعي داخل الوطن العربي، لا يمكن أن يصمد دقيقة واحدة أمام حقيقة العداء الشعبي العربي لإسرائيل ـــــ لن يحتاج الى كثير من الوقت للبدء بالتأثير الحقيقي على ميزان القوى المذكور، وبتغيير منحى الصراع العربي ـــــ الاسرائيلي من أساسه. بقي أن نقول لمثقفي «الليبرالية الجديدة» في لبنان والعالم العربي، الذين شنّفوا آذاننا منذ سنوات بألحان نفي وجود أيّ روابط عربية وأيّ شعور عربي وأيّ إمكانية لمشروع عربي ديموقراطي، ووصلوا إلى نفي وجود العروبة من أساسها، إنّ المنطق البسيط بعد الزلزال الحالي يوجب عليهم مراجعة الذات لاستنتاج الأخطاء وتصحيح المواقف وتقبّل أفول العصر السعودي في المنطقة. ومن الواجب القول لهؤلاء أيضاً إنّ الصدق مع الادّعاءات الديموقراطية يوجب عليهم تقبل حقيقة أنّ أكثرية الرأي العام العربي، في مصر وخارج مصر، لا تزال ترفض الخضوع لسيطرة اميركا على المنطقة وترفض الاستسلام لإسرائيل ونسيان فلسطين. ونرجو ألّا ينزلق هؤلاء نحو العداء لشعوبهم تحت ستار «النضال» لانتشال هذه الشعوب من «تخلّفها».وتبقى الكلمة الأخيرة للتعليق على قول أحمد أبو الغيط، وزير خارجية مصر السابق، إنّ الكلام حول انتقال الثورة من تونس الى مصر هو «كلام فارغ»، في تصريحه أثناء مؤتمر شرم الشيخ الذي انعقد قبل أيام قليلة من اندلاع ثورة الشعب المصري في 25 يناير/ كانون الثاني. نعتقد بأنّ أحداً ما يجب أن يلفت نظر معاليه إلى أنّ «الكلام الفارغ» هو جلّ ما امتلأت به تصريحاته المتعجرفة التي شوّه بها سمعة مصر وتاريخها منذ أن نُصّب وزيراً لخارجية الفرعون.

* كاتب لبناني