لم يكن أحد يتصوّر أن يهتف حزب الإصلاح، ذو التوجه الإسلامي السنّي، بالشعارات نفسها التي يهتف بها أتباع حركة الحوثيين الزيدية في صعدة شمال اليمن. والعكس صحيح أيضاً، فحتى الشهادتان تختلف كلماتهما الأخيرة عند الحوثيين والإصلاح، المختلفين أيدلوجياً وفكرياً. ولم يكن بالإمكان تخيل أن يهتف شباب الفايسبوك والإنترنت بالكلمات نفسها التي يهتف بها شيوخ القبائل في اليمن. فلطالما نظر الشباب إلى رجال القبائل على أنهم إحدى الركائز الأساسية التي أسهمت في تخلّف البلاد، بنفوذها القبلي على أفراد الشعب العاديين، وقمعها لكلّ ما هو جديد ومتنوّر.

وفي المقابل، ثمّة نظرة تقليدية لدى رجال القبائل اليمنية تجاه الجيل الشاب بوصفه جيلاً كسولاً وممسوخاً بمفاهيم وقيم خارجة عن الثقافة القبلية والعادات اليمنية. ولطالما نظر الجيل الشاب إلى كيان القبيلة بعدائية مُتفهمة، وهو يحمّلها مسؤولية مسخ ثورة الأجداد التي تمخض عنها النظام الجمهوري. ويرى البعض أنّ تحالفات مشبوهة وصفقات «بيع وشراء» عقدها شيوخ القبائل مع النظام الحاكم، أفرغت الثورة من أهدافها التي قامت من أجلها، المتمثلة في إقامة دولة يمنية مدنيّة حديثة.
عموماً، كانت الهوية اليمنية الواحدة غائبة تماماً في أوساط المجتمع اليمني، وكان من الصعب إيجاد خطاب موحّد أو مطلب واحد للشعب اليمني بكل مكوّناته القبلية والمدنية والزيدية والشافعية واليسارية والإسلامية والتقليدية. كانت مطالب المواطن في الجنوب تختلف عن مطالب المواطن في الشمال، بل إنّ التعدّد يصل إلى دائرة المناطق نفسها والمديريات والقرى والحارات.
إلا أنّ الصورة خلال العشرين يوماً الماضية تغيرت تماماً. لم يعد المُستحيل ممكناً فقط، بل أصبح واقعاً ملموساً. خرج الملايين من اليمنيين إلى الشوارع باسم واحد وهوية واحدة ومطلب واحد هو «رحيل صالح». هلّت على اليمنيين هوية جديدة، أنقذتهم جميعاً من اختلافٍ تحوّل، في العديد من المرات، إلى خلاف وحوّله النظام دائماً إلى صراعات ونزاعات مسلّحة.
صالح، الذي حكم اليمن لثلاثة وثلاثين عاماً بثقة وغرور جعلاه في العقد الأخير يعيش كأنّه محرك البحث العملاق «غوغل»، يدّعي أنه يملك الإجابة عن كل سؤال والحل لكل مشكلة. ليس واضحاً الآن ماذا سيكون مصيره، لكن الواضح تماماً أنّ شعبه على خطوات قليلة من إرساله لأداء العمرة في الجارة المُجيرة للعديد من حكّام اليمن السابقين وسياسييه. فاليمنيون، الذين استوردوا النظام الملكي من مصر في بداية القرن الماضي والنظام العسكري في ستينياته ، في طريقهم أيضاً إلى استيراد النظام الثوري من مصر، هذه الأيام. وفي الأعوام الماضية، ارتسم على وجوههم البؤس والحزن وهم يرون اليمن يُعرَّف في الإعلام العالمي بـ«أفغانستان الجديدة» و«العراق الجديدة»، لكنهم يبتسمون ويتحمسون اليوم وهم يتحدثون عن اليمن كـ«تونس القادمة» / «مصر القادمة». واللافت في الأمر، أنّ النظام اليمني لم ينكر بوضوح خلال الأعوام الماضية إمكانية تحوّل اليمن إلى «أفغانستان جديدة»، بل إنّ صالح صوّر للعالم أنّ اليمن أصبح أفغانستان بالفعل. وبموجب ذلك، أغدقت الدول المانحة الدولارات على نظامه، قلقاً على أمن بلدانها ومصالحها من تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. وتلوذ القاعدة في اليمن هذه الأيام بصمت غريب، يعزّز الشكوك التي كانت تثار عن كون التنظيم مشكلة حقيقية في البلاد. والأهم من ذلك أنّ النظام اليمني حذّر شعبه مرات عدّة من أنّ اليمن سيتحوّل إلى صومال أو عراق جديد إذا ما رحل النظام الحالي، لكنّه كغيره من الأنظمة العربية هذه الأيام، يرفض أن يقبل فكرة تحوّل بلاده الى تونس جديدة أو مصر جديدة، إلا أنّ الفرق هو أنّ اليمنيين، هذه المرة، يؤمنون بحماسة وفرح بـ«تونسة» اليمن و«مصرنته».
لم تتكون هذه الأيام هوية جديدة شاملة لكل اليمنيين فحسب، بل تبدو كأنّها حلّ لكلّ مشاكل اليمن وتهديداته. فها هو الحراك الجنوبي، الذي كان يعدّ أخطر مشكلة حقيقية تواجه اليمن، يعلن توحيد مطالبه حول «إسقاط النظام»، ولم يعد يطالب بالانفصال الذي سيقسم اليمن الى دوائر وحارات. وها هم الحوثيون تركوا شعارهم المطاطي «الموت لأميركا، الموت لإسرائيل»، ورفعوا شعار «إسقاط النظام». وها هو الزعيم الديني المتشدد والمناقض للجناح السلفي داخل حزب الإصلاح الإسلامي ـــــ أقوى الأحزاب السياسية في اليمن ـــــ الشيخ عبد المجيد الزنداني يخطب في الشباب قائلاً إنّهم يستحقّون براءة اختراع لخروجهم إلى الشارع. ذلك بعدما كان «الإسلام هو الحل» هو شعار السلفيين الوحيد الذي عاشوا عليه وبرزوا عبره، من دون أيّ رؤية حقيقية واستراتيجية واضحة. بل وتحالف هؤلاء ظلماً مع النظام أحياناً تحت هذا الشعار. وها هي القاعدة تصمت، وها هي أحزاب اللقاء المشترك، التي يتّهمها الشباب بزرعها الانهزامية داخلهم خلال السنين الماضية من خلال عملها السياسي الخجول، ها هي تتخلّى عن مطالبها الأنانية لتعديل قانون الانتخابات وتنضمّ إلى المحتجّين مردّدة «الشعب يريد إسقاط النظام». ذلك، بعدما أُخذ عليها موقفها السلبي في السابق بمطالبتها بالإصلاح وحسب.
ويعبّر الشاعر اليمني إبراهيم السراجي عن هذه الهوية والوحدة الجديدة بالقول «حين أدخل ساحة التغيير أشعر بضرورة التخلّي عن ميولي الفكرية والمذهبية والمناطقية، أشعر بأنني فقط أبحث عن قاعدة مشتركة للحياة الكريمة».
خروج اليمنيين بهذا الزخم إلى الشارع، وانفجار هذه الحالة في أوساطهم ـــــ التي ربما لم يكن يتوقعها أحد بما في ذلك كاتب هذه السطور ــــــ ولّدا هوية جديدة لطالما افتقدها اليمنيون، بل وأوجدا رؤية لحل معضلات اليمن. وما يزيد انتفاضة الشارع جمالاً أيضاً، هو أنّها أعادت لليمنيين اعتبارهم أمام أنفسهم. ففي السابق، كانت أغاني الفضائية اليمنية تصدح للشعب مغنية «أمي اليمن»، إلا أنّ تصرفات السلطة وسياساتها المستبدّة والفاسدة كانت تخبر اليمنيين عكس ذلك تماماً، وجعلت كلمة اليمن بالنسبة إلى الشعب تعني زوجة أب قاسية ظالمة لأيتام رحلت والدتهم الحنون ووالدهم لا يهمه البيت أبداً. ولم يكن الفساد، الذي يبدو كأنّه الشيء الوحيد المنظّم داخل اليمن، إلا دليلاً صغيراً على ذلك. فبحسب تقارير منظمة النزاهة الدولية في الأعوام الماضية، يحتلّ اليمن مراتب القمّة ضمن الدول الفاسدة في العالم. وعلى حدّ تعبير مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، في اكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فقد «وصل الفساد في اليمن إلى درجة تجعل وجه الرئيس الأفغاني حامد كرزاي يحمرّ خجلاً».
ما يحتاج له اليمنيوون اليوم هو خريطة طريق واضحة للمرحلة المقبلة، والعمل من أجل هوية واحدة بعد رحيل النظام. خريطة طريق تجمع اليمنيين كافة بكلّ أطيافهم وخلفياتهم. خريطة تؤسس دولة حديثة وتعمل على استمرارها واستمرار سطوة عنصر الشعب فيها، على عكس الدولة الحالية. خريطة لدولة مدنية حديثة، يقزّم فيها دور رجال الدين التقليديين والدور السلبي التقليدي للقبيلة. وأيّ حوار سيحصل مع النظام الحالي يجب أن يكون خريطة لرحيل صالح، لا لبقائه، مهما كانت التنازلات التي سيقدمها، ومهما بدت مغرية، لأنّ بقاءه بعد انتفاضة كهذه سيجعل من أيّ تغيير مستقبلي أمراً أبعد من عين الشمس. وإذا قبلت أحزاب اللقاء المشترك بأيّ صفقة، فستكون أكبر الخاسرين، بل ربما تكون خسائرها أكبر من خسائر النظام الحاكم، وستخسر ثقة الشعب. فبقدر ما يُعدّ الوضع الحالي فرصة للنظام ليخرج بكرامة، فهو أيضاً فرصة للمعارضة لكي تثبت فعلاً أنّها مستمرة مع الشارع. كذلك لن يخسر الحاكم كثيراً على المستوى الشعبي، فهو لم يعد يمتلك فيه الكثير أصلاً.
يراهن النظام اليمني حالياً على حرب أهلية يتقاتل فيها الناس وينتج منها موت الآلاف من اليمنيين، إذا رحل صالح. وذلك يقودنا الى نقطتين مهمتين:
أولاً، يحتاج الشباب وجميع المعتصمين في الساحات حالياً، إلى العمل على رسم ملامح المستقبل من خلال إقامة مجلس انتقالي عبر الحوار. يكون هذا المجلس صمّام أمان للبلاد لما بعد صالح، حتى يضمن اليمنيون حقهم في الحكم وبناء الدولة الحديثة، خاصة في ظل غياب أيّ مؤسسة في الدولة الحالية بإمكانها أن تحكم البلاد لفترة انتقالية، فحتى المؤسسة العسكرية ليست حقيقية كما هي في مصر. وهذا هو حديث نخبة التغيير حالياً في الساحات، لكن يجب أن يحصل بأسرع وقت ممكن.
ثانياً، يحتاج النظام إلى أن يعلم أنّ تخويف الناس بالحرب والموت لم يعد أمراً عملياً. فوجود أكثر من 68 مليون قطعة سلاح بأيدي اليمنيين، يمنع في الحقيقة الحرب ويخلق «توازن رعب» مؤقتاً. إضافة إلى ذلك، الموت ليس شيئاً جديداً لدى اليمنيين يمكن تهديدهم وترهيبهم به، فواحد من كل عشرة أطفال في اليمن يموتون بسبب سوء التغذية، وأكثر من 20 ألف يمني يموتون سنوياً جراء حوادث الطرقات، والآلاف يموتون سنوياً بسبب الثأر والنزاعات القبلية، كذلك قضى الآلاف حتفهم في حروب صعدة، وغير ذلك من أنواع الموت والقتل اليومي داخل اليمن. الموت والقتل ليسا ولن يكونا أمراً جديداً على حياة اليمنيين، ولا يمكن تخويفهم بهما، فاليمنيون لم يتعوّدوا شيئاً كما تعوّدوا الموت. الفرق هذه المرة هو أنّهم سيموتون وهم يعلمون سبب موتهم، سيموتون وهم يعلمون أنّهم يضحّون من أجل أن يحيا أبناؤهم، وأجيال اليمن القادمة، بحرية وكرامة.

* كاتب يمني مقيم في لبنان