عندما دخلت ميدان التحرير ظهر السبت 12 فبراير/ شباط، غداة تنحّي مبارك، وجدته تحوّل إلى مزار سياحي: عائلات تجول وتتصوّر أمام الدبابات وسط خيام لا تزال قائمة؛ شابّات يحاصرن معتصمين سيناويين ويسألنهم عن تجارة المخدّرات في سيناء ـــــ إحدى الكليشيهات الرائجة في مجتمع الحضر عن البدو. كم كانت دهشتي كبيرة من عدد الشباب الذين كانوا يحملون مكانس وأكياس زبالة لتنظيف الميدان والشوارع الجانبية، ليس فقط من بقايا القمامة ـــــ أقول «بقايا» لأنّ المعتصمين كانوا ينظّفون «التحرير» بانتظام طوال الاعتصام ـــــ بل من أكوام الحجارة التي كانت سلاح المتظاهرين بدءاً من يوم الأربعاء 2 فبراير/ شباط المشؤوم في مواجهة البلطجية والأمنجية المأجورين. الشباب ـــــ الذين بدا عليهم عدم اعتياد الأعمال اليدوية ـــــ يرفعون الأحجار واحداً واحداً بعناية تثير التعاطف أحياناً والسخرية أحياناً أخرى، وكأنّ المعركة انتهت، بعد أقل من 24 ساعة على رحيل الرئيس؛ وكأنّ الجدل بشأن فض الاعتصام حُسم. تزداد دهشتي أمام مجموعة تغسل الجدران بـ«سلك» ـــــ من النوع الذي يستخدم لتنظيف حوض المطبخ ـــــ منهمكة في إزالة «الغرافيتي» منها. لماذا يمحون جملة «يسقط مبارك» وغيرها من العبارات الساخرة والغاضبة التي انتشرت أخيراً على جدران مدينتهم؟ «علشان المنظر العام» يرد شاب، فيما يقول آخر: «الذاكرة هنا»، ويشير إلى رأسه وقلبه.

في هذا الجو الذي قد يوتّر أعصاب من عرف الميدان في أصعب أوقاته وأجملها، أسمع فجأةً صراخاً ودعوات إلى ضبط النفس والإمساك بأيدي الأطفال، وأرى ناساً يجرون: الجيش أزاح خيمة من الخيام التي بقيت صامدة لكنّ صاحبها أعاد بناءها بعد مغادرة الجنود. إلى جانب الخيمة البيضاء تجمّع الناس ـــــ البعض يحمل مكنسة والبعض الآخر لا يحمل إلّا كلاماً حاداً استغرب أن يصدر من متظاهر: «أخذنا مطلبنا خلاص، والريس مشي، هانقعد هنا نعمل إيه؟ الجيش يبقى يعتقله بالليل». من الواضح أنّ بعضهم جاء للمرة الأولى إلى التحرير وقد يكون بعضهم الآخر من «المشبوهين»، الذين لم يتبخروا بطبيعة الحال فور مغادرة حسني مبارك سماء القاهرة. أشعر بحسرة، أعود أدراجي إلى نقابة الصحافيين وعند تقاطع شارعي شمبليون ومحمود بسيوني تصادفني تظاهرة من مئات لا يحملون إلا بضع لافتات ويهتفون «الصحاااافة فيييين.......». يمرون بسرعة شديدة جداً: عاملون في سلسلة متاجر «التوحيد والنور» المملوكة لرجل الأعمال السويركي يطالبون بتعيينهم ورفع المرتبات.
وأنا أتسكّع، يومي السبت والأحد، وسط نقاشات عارمة بشأن قرار فض الاعتصام من عدمه، في شوارع كنست وغسلت جدرانها وأعيد تبييض أرصفتها، مستفَزّة مما أصبحت أسميه في قرارة نفسي «هوس محو الآثار»، أشعر فجأة بأنّ ثمة طريقتين للتعامل مع الحدث. الأولى طريقة المهووسين، أولئك الذين يحاولون إعادة الميدان إلى ما كان عليه ـــــ على منوال إعادة ترتيب المنزل بعد فترة «فوضى» ـــــ كأنّ شيئا لم يكن، لـ«فتح صفحة جديدة»، على حد قولهم. الثانية هي طريقة من لم تُتَح لهم الفرصة لالتقاط أنفاسهم، فكيف لأهالي المفقودين منذ 28 يناير أو أسر الـ10000 معتقل، الذين يقبعون في السجون منذ سنوات (حسب أرقام وزير الداخلية الجديد) أن يفكّروا في محو «آثار» أحداث الأسابيع الماضية؟ كيف للملايين الذين يعيشون تحت خط الفقر، أو فوقه قليلاً ـــــ على غرار عمال متاجر التوحيد والنور ـــــ أن يبدأوا محوها ولم يتخلَّ المجلس الأعلى للقوات المسلّحة، بعد أكثر من أسبوع عن تنحّي الرئيس، عن لهجته التهديدية تجاه من يقومون بـ«تفضيل» مطالبهم «الفئوية» على المصلحة الوطنية العليا؟
لا أحد يمكنه أن يستاء من حملات التنظيف، وخصوصاً أنّها تخطّت ميدان التحرير لتشمل أحياءً أخرى ـــــ من حلوان إلى مصر الجديدة مروراً بالمعادي ـــــ وأنّ كثيراً من الناس يشارك فيها حتى من لم نكن نتخيّل أن نراه يوماً حاملاً مكنسة في الشارع. المشاركة في القضاء على أحد مظاهر عدم كفاءة الإدارة تعبّر عن رغبة في فعل إيجابي وفي التغيير نحو الأفضل، لكنّ التركيز على ميدان التحرير وتوقيت شن الحملة ـــــ لم يكن قد مر على تنحّي الرئيس 24 ساعة ـــــ وكذلك مواكبتها لضغوط الجيش لفرض «العودة إلى حياة طبيعة»، غير موفّقة. كأنّ المراد قوله هو أنّ الثورة قد انتهت وأنّ الأوان قد آن لبناء بلد جديد، في ذات لحظة انفجار مئات الاحتجاجات، من اعتصام العاملين في دار الأوبرا بالقاهرة، إلى إضراب غزل المحلة، مروراً بتحركات ممرّضات العديد من المستشفيات، المطالبة بتحسين أوضاعهم واسترداد حقوقهم المسلوبة.
هناك بعض السذاجة في الشروع في حملات تنظيف مكثفّة فيما لم تنته المعركة، بل لا تزال في أوجها. لماذا هذا الإصرار على محو آثار الاعتصام فيما لا يزال «النظام البائد» قائماً وآثار جرائمه بادية للعيان؟ لماذا ودم جروح المعتقلين الذين تعرّضوا لتعذيب وحشي في معسكرات الجيش لم يجفّ بعدُ (http://kashfun.blogspot.com/2011/02/jan25-egypt_4573.html) والمسؤولون عن التعذيب لا يزالون في مناصبهم؟ لا يمكن فتح صفحة جديدة مع إبقاء نفس الوجوه والاكتفاء بمسرحة التغيير عن طريق التضحية ببعض رموز عهد مبارك دون غيرهم، وتحديداً حبيب العادلي ومجموعة رجال أعمال الحزب الوطني. لا يمكن فتح صفحة جديدة إلا بعد عزل الرؤوس المتسبّبة في هذه الكوارث كلها، ومحاكمة المسؤولين عن مآسي ملايين المصريين ممن لا يشغلهم كنس وسط القاهرة قدر ما يشغلهم النضال من أجل الكرامة والعدالة الاجتماعية، مدفوعين بقوة أحلام لم تعد مجنونة، ازدهرت في ليل التحرير الكالح وعلى أرصفة كل مدن مصر.

* صحافية مصرية