ثمة خطّان متوازيان تتحرك عليهما الحراكات الثورية العربية نحو «قيمة ثورية» تؤسس لإدراك ثوري للواقع المرفوض ثورياً والواقع المأمول ثورياً. وهما خطان لا يلتقيان إلا فقدا تميزهما وتكاملهما ببعضهما البعض. واختلاف الزخم بين مسيرهما هو ما يثير القلق أحياناً والهواجس أحياناً أخرى ــ وإن احتكم ذلك إلى أولويات البيئة الثورية وواقعها وتمايزهما من بلد إلى آخر. إلا أنّه يكشف، وهو الأهم، مواطن القوة والضعف في تلك الحراكات من ناحية الخطاب والإنتاجية الثورية و«الزمنية» الجامعة للثوار، لا باعتبار تلك الحراكات الثورية مجرد حراكات سياسية إجرائية ــ كما يصورها الإعلام ــ إنما بما هي انعكاس لنبضات قيمية في الوعي الجمعي العربي هوياتياً وحضارياً. وسرعان ما تتحول عوامل الضعف تلك إلى مقتل في تلك الحراكات، إذ تعاكس اتجاه المسير على هذين الخطين المتوازيين:

1.الصراع العربي ــ الإسرائيلي، كبنية لها تداخلاتها الاقتصادية والسياسية والثقافية والمعرفية والاجتماعية في الإدراك والوعي العربي.
2.القمع والديكتاتورية والطغيان النظامي العربي، باعتبارها الهدف الأولي والرئيسي للحراكات الثورية العربية، وأيضاً هي البنية الحامية والمنتجة للجماعات الوظيفية العربية (سياسياً واقتصادياً وثقافياً) التي تضمن استمرار إلغاء فلسطين من الهم العربي والإدراك العربي.
إن دعوة «الناشط» المصري مايكل نبيل ــ وما أسخانا في توزيع ومنح المسميات الثورية إعلامياً، المنفصلة عن أي قيمة ثورية ــ إلى إلقاء محاضرة في الجامعة العبرية، عن «إسرائيل والثورة المصرية»، تمثل دعوة ضرورية إلى النظر في تعاكس هذين الخطين الثوريين باسم الحرية. فمايكل يمثل تطوراً طبيعياً ومنتجاً أساسياً في بنية المجتمع المصري والعربي ــ لا يمكن التعامي عنه ــ للنموذج الفكري والسياسي الذي بدأت زراعته في العقل العربي وواقعه مع خطاب «كامب ديفيد» المنفصل عن كل قيمة هوياتية حضارية، لمصلحة المنفعة والأجر والربح، توظيفاً للممكن الوطني والمتاح والممكن (كالنصر العسكري في حالة السادات، والثورة في حالة مايكل) لقاء مقابل «منفعي» ما، مهما يكن، منفصلاً عن القيمة. ولنا في نموذج سيناء أكبر دلالة، إذ كانت من الأثمان المدفوعة لقاء «اللي مش هيغتني في عصري مش هيغتني خالص» (السادات)، وما أسس له ذلك من انهيار فكرة القيمة لمصلحة فكرة الغاية، متمظهراً في قطرية انتشرت فيما بعد تحت اسم «القطر ــ مصر ــ أولاً». تلك النخاسة التي حماها نظام حسني مبارك وأسس «كنزاً استراتيجياً» إسرائيلياً بامتياز، موظفاً لتلك الغاية كل مقدرات الوطن، وهو ما لا يختلف كثيراً عن أدبيات الفريق المابعد ثوري في مصر السياسية اتجاه الاتفاقيات الدولية السياسية والاقتصادية مع «الصديق العزيز» ودولته.
مايكل يأتي متحدثاً عن ثورة لم تشهد غياباً للعلم الفلسطيني عن ميادينها في كامل مسيرتها (العلم الفلسطيني المنفصل في الذهنية العربية عن دولة محمود عباس «العضو»). ثورة رفض ثوارها لقاء وزيرة الخارجية الأميركية كلينتون حينما أتت بعنجهية الإرث الأبيض لتبارك ميدان التحرير الثوري بظلها القاتم. الثورة المصرية التي لم تر دعوات طرد السفير الصهيوني من القاهرة مساساً بأولويات الثورة ــ بل طردته هي فعلياً ففر هارباً ــ كما ادعت نخب ليبرالية مصرية، وصلت بها الوقاحة أن تصف الرافضين لوجود السفير بأنّهم «غوغاء، لا يعلمون ما يورطون به بلادهم»، وذلك حديث تفوح منه رائحة الإرث الساداتي المليء بالهزيمة والتصنيفات الدونية للمصري التي عانى منها أهل سيناء ولا يزالون.
كل ذلك لا ينفك يأتي ضمن سياق دال على أسبقية «الزمنية الثورية» المصرية على «الزمنية النخبوية» في الثورة، مؤكدة على تهافت وسقوط الخطاب النخبوي وهيراركيته الرأسية ــ المتعددة الأنواع والأيديولوجيات والمواقف ــ وأضوائه الجاذبة، أمام الخطاب الشعبي الأفقي، الذي لم تمس ثوابته الوطنية وإدراكه لموقع «فلسطين» بمسٍّ من سياسة وثقافة توضع عن طريق علاقات القوى، لتحول فلسطين إلى شأن داخلي فلسطيني، وتقصرها على «ضفة» و«قطاع»، وتقسم أهلها إلى «عرب» نمنحهم لإسرائيل «باعوا أرضهم» واشترى آخرون منهم «وطناً» في المنفى، أو «سيناء مشروع وطن بديل للغزيين»(!!!) (كأنّهم يقاومون ويكسرون أنوف الإسرائيلي لأنه يمنعهم من مغادرة غزة!!!) أو كأن «اتفاقية تصدير الغاز المصري» شأن إسرائيلي خالص، وغير تلك الأمراض التي «سالت» في الوعي المصري والعربي، إذ تعد امتداداً لخطاب سياسي يعمد إلى توصيف الاحتلال إلى «مفاوضات» والمقاومة إلى «إرهاب» والنكبة إلى «عيد قيام إسرائيل». وبالتالي فالعلاقة بين الثورة وإسرائيل ليست فكرة وجودية، بل مشروع منهج سياسي خاضع للرؤية المختلفة، ولعل هذا ما استبطنه حديث توماس فريدمان، إذ يقول في الثورات العربية «إنّه لا علاقة لإسرائيل بها» و«يكفيهم أن نوزع عليهم ــ الشعوب الثائرة ــ آي باد». وهو عين الإسقاط الإمبريالي الاستعماري على الحراك الثوري العربي من نواحٍ ثلاث: الهيمنة/المكان/اللغة، وهو ما يتمثل في مفهوم الثورة في نظر مايكل نبيل. بعد نكبة قيام الكيان الصهيوني، لجأ الاحتلال إلى فرض حصار فكري ولغوي وثقافي ــ وليس فقط مادياً وسياسياً ــ على الأراضي المحتلة، مطارداً ومانعاً كل عنصر هوياتي يمكنه أن يؤسس لربط الفلسطيني بذاته المحتلة من ناحية، وإرثه العربي والإسلامي من ناحية أخرى، وما يمكن أن يؤدي به ذلك إلى خلق جبهة داخلية تقاوم الاحتلال والهيمنة الإسرائيلية على المكان الفلسطيني سرداً ومكاناً ولغة، ترتبط بزمنية ثقافية وهوياتية من باقي المكون العربي والإسلامي. فلجأ حينها الفلسطيني إلى حماية لغته وموروثه الشعبي والفولكلور والتراث والشعر وغيره باعتبارها عناصر أساسية في تكوين السرد للمكان الفلسطيني، الذي يعمد الصهيوني إلى اجتثاثه من الوعي، خالقاً فراغاً هوياتياً وسردياً يمكن تشكيله وأسرلته. وبالتالي كان ذلك من أهم أشكال المقاومة الهوياتية الملقاة على عاتق الفرد الفلسطيني في غياب مؤسسة يجب أن تقوم بتلك الوظيفة (وهنا نرد الكثير من الشكر ونرفع الضيم الذي أصاب الغجر والنوَّر الذين ساهموا في الاحتفاظ بالسرد والموروث التاريخي الفلسطيني).
وهو بالتمام ما يمكن مرادفته مع الجهود الشبابية العربية في الداخل الفلسطيني المحتل، إذ تعتزم حراكات شبابية طلابية وسياسية ومجتمعية من مختلف التيارات والانتماءات إعلان رفضها الزيارة والمحاضرة، وهو ما يعيد التأكيد على أن بوصلة أي ثورة عربية إن لم تشر إلى فلسطين فستضل طريقها، وتفتح باباً للذئاب لتلتف عليها كالحكماء، وليظل فصل الفلسطيني عن فضائه العربي الثائر قائماً بـ«الدبلجة»، باسم الحرية.
* كاتب وطبيب فلسطيني مقيم في القاهرة