في الكواليس السياسية رجال يحركون المسرح السياسي يؤثرون في العامة. هنا يبرز حميد الأحمر، وعبد الملك الحوثي، كطرفي صراع. كلاهما شيخ قبلي، إسلامي، له مناصرون. كل منهما يمتلك قوة قبلية وسياسية ودعماً إقليمياً. هما أبناء المنطقة الجغرافية ذاتها: الأحمر ابن عمران المتاخمة لصعدة معقل الحوثي. حميد هو ابن الشيخ عبد الله الأحمر شيخ مشايخ قبيلة حاشد، وعبد الملك هو ابن بدر بن حسين الحوثي، الشيخ الديني زعيم جماعة الحوثي. كل منهما زعيم يحكم منطقته، ويجسد طريقة الحكم التقليدي، ولا يتزعم اي منهما حركة اجتماعية تغييرية، لذا فصعدة لا تقل تخلفاً عن عمران، فكلاهما شيخ اسلامي وإن اختلفت توجهاتهما الدينية، لكن كل منهما يمثل نقيضاً للآخر، وإن بدا هذا التشابه بينهما.

يمكن القول إنّهما اصغر شخصيتين في الدائرة السياسية من حيث العمر: حميد في الاربعينيات وعبد الملك في منتصف الثلاثينيات، وهذان الشابان مقارنة بأعمار السياسيين اليمنيين، يبدوان الاكثر تأثيراً في العامة. احدهما يمثل الطرف الموالي للسعودية، والآخر الموالي لإيران. لكن في العمق لا تستطيع ان تجزم بتبعيتهما العمياء لكلا المشروعين، علهما بذكائهما يسخران الصراع الايراني ــ السعودي لدعم صراعهما الشخصي، لدرجة لا تظهر فيها أنّ المنافسة بين الرجلين هي ذاتها الانعكاس للصراع الإقليمي بين ايران والسعودية.
ولا يبدو أنّ العقلية القبلية اليمنية تقبل تبعية عمياء. هذا ذاته ما يحرك حميد، فالسعودية لن يهمها أن تصنع رجلاً قوياً في اليمن، ولعل حرب الحصبة الأخيرة التي شنها الرئيس السابق على حميد شخصياً أظهرت له انه ليس الرجل المفضل لديها، فهو لم يتلقّ دعماً سعودياً، مقارنة بالدعم السعودي لعلي عبد الله صالح. الشيخ القبلي حميد الأحمر بالتأكيد مقرب من السعودية، لكنّه يتكئ في قوته على نفوذ قبلي. هو ليس شيخ القبيلة الا انّه ظهر انه اقوى من فيها، واكثر اخوته نفوذاً، لدرجة تثير غيرة بعضهم. وهو ليس الزعيم السياسي للحزب الاسلامي «حزب الاصلاح»، لكنه الاقوى على الاقل ظاهرياً، والداعم الرئيسي لتيار المعارضة عموماً. وهو امر قد يثير حفيظة الحزب والقبيلة، فيبدو الخصوم الداخليون اكثر شدة من الاعداء في الخارج.
يستند الشيخ حميد الاحمر إلى شخصية قوية، وعلى امبراطوريته التي حددت مصالحه السياسية، فكان اول المنشقين من آل الاحمر عن حكم الرئيس صالح لأسباب سياسية واقتصادية، قبل الثورة الشعبية بسنوات. ولعل دعمه لمرشح المعارضة في انتخابات 2006 جعل هذه الانتخابات اول انتخابات رئاسية حقيقية حتى الآن. فقد كان هو الممول الرئيسي لنشاط احزاب المعارضة كرهاً في الرئيس صالح. لذا كان ايضاً من الممولين الرئيسين للثورة الشعبية في عام 2011، ما اثار حفيظة التيارات السياسية الاخرى. هذه الأخيرة وجدت انّ تبعية الثورة لاموال الشيخ القبلي لا تخرجها الى التغيير، لكن الثورة التي تنفض كل شيء، غيّرت ميزان القوى. صحيح هي لم تحدث ثورة اجتماعية، لكنها خلعت صالح، وأوجدت لحميد خصماً جديداً. إذ عادت بزعيم صعدة الى صنعاء، فالحوثيون ظهر نشاطهم الثقافي والسياسي من المدينة القديمة في صنعاء احد مراكز الزيدية، وهنا بلغ القلق اشده من التيار السلفي ــ الاخواني. وكذلك ارتفع مؤشر القلق السياسي، لأن هناك من يطالب بحكم السلالة الهاشمية، فكانت حروب صعدة الست الشهيرة، التي وجدتها الاطراف السياسية والحقوقية حرباً ظالمة، نتج منها ما بات يعرف بقضية او مظلمة صعدة، التي لا يخفى على احد الدور السعودي فيها. دور نمّى التيار السلفي في مواجهة التيار الزيدي، ودعم بالسلاح والمال لقتل الحوثيين، واخيراً تدخل بنفسه، ولكنّه لم ينجح في اقتلاع الحوثيين او اضعافهم، إذ هؤلاء اليوم اقوى من قبل.
لذا مع سقوط صنعاء من يد صالح الموالي للسعودية، عاد الحوثيون اليها، وبنوا جسراً بينها وبين صعدة. هذا الأمر اثار غضب حميد الاحمر الذي ورث عداوة الحوثيين، بعد خروج صالح من حلبة الصراع السياسي معهم. فالحوثيون اظهروا انهم اهل قتال، وهنا لا يمكن الحديث عن هزيمتهم في حلبة الصراع، كما ان عبد الملك الحوثي يمثل لهم شخصية قيادية ملهمة، وهذا ما يجعلهم اكثر تماسكاً.
مع الثورة كان الحوثيون أول من انضم إليها. جاء الشباب ونصبوا خيامهم، وبقيت حروبهم ضد التيار السلفي من مناطقهم القروية على حالها. المذهب السلفي عُدّ دخيلاً على اليمن الذي له مذهبان رئيسيان: الشافعي والزيدي، وانتشار السلفية في مناطق الزيدية ادى الى صراع عنيف يتواصل باستمرار، يمكن الفرضيات ان ترجح دعم حميد الاحمر للتيار السلفي في مواجهة تيار الحوثي. فعبد الملك الحوثي يظهر كشخصية كارزمية، متفهم يقبل بالنقاش ولديه انفتاح سياسي على بقية القوى. ساعده ذلك على الظهور بمظهر سياسي جيد خلال الفترة الأخيرة. لذا ظهر منافساً شخصياً لحميد. حميد هو الآخر يملك الشخصية القيادية ذاتها، ويبدو شخصية مستقلة وهو من كبار رجال الإخوان المسلمين في اليمن، ولا يخفي قلقه وعداؤه للتيار الحوثي. لكن حميد الاحمر وعبد الملك الحوثي كلاهما من المذهب الزيدي. لكن الإخوان المسلمين لا يعدون الآن من ابناء المذهب الزيدي، فهم اقرب إلى السلفيين، وهذا التغيير في الحركة الاسلامية في اليمن، حصل منذ اربعينيات القرن الماضي مع انعقاد مؤتمر خِمر شمال صنعاء. هنا يبرز السؤال: ما هو اصل العداء بين حميد الاحمر وعبد الملك الحوثي؟ وهذا النزاع في عدد من المناطق يأخذ شكلاً دموياً، وصراعاً سياسياً يفجر نفسه في قلب صنعاء او في تعز وليس فقط في عمران وحجة وصعدة، هل هو سبب سياسي، أم قبلي ام مذهبي؟ ان اضفنا إلى القائمة الصراع السياسي والصراع المذهبي، وهو صراع جديد على الخريطة اليمنية، يمكن ان نضيف ايضاً الصراع الطبقي. في اليمن تركيبة اجتماعية معقدة لم تستطع البلاد تجاوزها لاعتبارات كثيرة أولها قلة انتشار التعليم، وهي متعلقة بالتراتب الطبقي على اساس افقي لا على اساس عمودي. فالمجتمع يصنف ابناءه الى شيخ قبيلة/ قبلي/ هاشمي... الخ. هذا تراتب اجتماعي افقي لا يمكن تجاوزه، ويجعل اليمني القبلي يعيش ويموت قبلياً، في الطبقة الاجتماعية نفسها، مهما بلغ ماله ودرجته العلمية. ويكون التصرف معه في المجتمع على اساس هذا التراتب التقليدي، الذي ورثه اليمن عن حكم الائمة في القرن الماضي. لذا حاول ابناء القبائل ومنهم قبيلة آل الاحمر الانتفاض على حكم الائمة، لكن هذا لا يعني انهم كانوا مع الحكم الجمهوري المساوي للطبقات الاجتماعية بين المواطنين، بل ارادوا الجمهورية لإنهاء حكم الطبقة الهاشمية التي ينتمي إليها الحوثي، لأنّها كانت تترفع عليهم. الثورات اليمنية المتعاقبة لم تكن ثورات اجتماعية، لم توجد تراتباً طبقياً آخر يسمح لأبناء طبقة ما بالانتقال بسهولة الى الطبقة الاخرى، لمجرد الترقية في الدرجة العلمية او تغيير الوظيفة.
حميد الاحمر الشيخ الشاب هو ابن القبيلة والفكر الرجعي، وعبد الملك الحوثي الذي لا يقل عنه قوة وفطنة، هو ابن الاسرة الهاشمية، ويكرس ذات الفكرة التقليدية ــ الرجعية. وبحسب التراتب الاجتماعي يكون «عبد الملك» اعلى درجة من «حميد»، فقط لسبب اجتماعي. الصراع بينهم وصل الى صراع دموي في المدن التي ليس لها علاقة بهذا التراتب كتعز ، وصل الى منابر الاعلام، فكلاهما يملك فضائية خاصة به: قناة سهيل تابعة لحميد وقناة المسيرة تابعة للحوثي اي لا توجد قناة اعلامية للاصلاح مثلاً. «الحوثي» يقف امامه «الاحمر» بنفس القوة والتأثير والدعم الاقليمي، والعلاقات، والمناصرين. حتى الآن لا توجد اي قناة لأي حزب سياسي، القنوات حتى اليوم للشيوخ. لكن، في اليمن معادلة اخرى في طور التشكل، على شكل سياسيين يحظون بالاحترام ويمثلون التيار المدني كالدكتور ياسين سعيد نعمان رجل الحزب الاشتراكي الذي ينقل انطباعاً ايجابياً عن الحوثي بأنّه رجل متفهم ومنفتح ويظهر حبه للبلد.
ففيما يبدو الوضع على درجة من التفاهم بين الدكتور ياسين والحوثي، تظهر المنافسة بين ياسين نعمان وحميد الاحمر، وهي احدى حالات النزاع السياسي المعتادة، تترجم حالة اخرى من حالات حميد الاحمر، حالة الرجل السياسي. فإن كان الحوثي هو منافسه الاجتماعي، فالدكتور ياسين هو منافسه السياسي. وبقاء الصراع بين الرجلين على اساس طبقي اجتماعي يبقي اليمن في العصور الوسطى؛ إذ إنّ الصراع السياسي هو خطوة الى الامام، بينما الصراع المذهبي/الاجتماعي بتر للأقدام.
اليمن يحتاج الى ثورة اجتماعية تغيّر مفاهيم الانتقاء الطبقي لإنقاذ النخبة السياسية اولاً، فرجال اليمن الاقوياء المؤثرون اكثر حاجة لتغيير مفهوم الصراع. قد يحتاج اليمن إلى فكر ثوري شيوعي مثلاً، او اشتراكي، يعمل على احياء قيمة العلم ويفسح المجال للمواطن لأن ينتقل من طبقة الى اخرى، لمجرد ان درجته العلمية زادت او وظيفته. هذا يبرر تماماً عدم انتشار التعليم في اليمن. فالمتعلم مهما تعلم يبقَ ابن القبيلة او الطبقة الاجتماعية ذاتها. لذلك يحلم الشباب برجل كياسين نعمان، الأكاديمي المدني الاشتراكي رئيساً لهم، لأنّهم يجدون فيه النموذج المفقود.
حميد الاحمر وعبد الملك الحوثي كلاهما في توزيع اجتماعي وسياق مختلف سيبدوان رجلان مختلفان أيضاً، حتى في صراعهما السياسي، وقد لا يظهران كطرفي صراع اصلاً، وسيكتفي احدهما بمحاضراته الدينية، بينما يهتم الآخر بإدارة مشاريعه التجارية.
* صحافية يمنية