ماذا يمكن أن يكتب المرء وهو يرى أمام عينيه أن ما يحدث في سوريا هو أسوأ ما يمكن أن يحدث على الإطلاق، أي حرباً أهليّة يبدو أنها ستكون مديدة بسبب التوازن الذي بدأ بالظّهور على الأرض بين فريقي هذه الحرب والنّاتج من الدّعم الذي يتلقاه كلٌ من هذين الفريقين من الجهات الدولية المختلفة الداعمة له. فقد تأكد، مع عدم تمكن النظام من استعادة حلب بعد أشهر عدة على بدء معركتها، أن «الحرب السورية» على طريق التحول إلى حرب «حدودٍ ومحاور» ثابتة مع بعض الكرّ والفرّ بين مناطق تابعة للنظام وأخرى تابعة لمعارضيه، تماماً على طريقة الحرب اللبنانية التي امتدّت على مدى خمسة عشر عاماً.


ويترافق هذا الأمر مع تطهير معظم المناطق السورية مذهبياً، ومع الكلام على البدء برسم بعض الدّويلات التي يمكن أن تنشأ على الخريطة السورية، تماماً على الطريقة اللبنانية السيئة الذكر أيضاً. وتمتدّ العدوى اللبنانية حتى إلى النّشوة التي يلاحظها المتابع على شاشات التلفزيون على وجوه مقاتلي الطرفين، والفوضى في صفوف هؤلاء المقاتلين، وأخبار السّرقات والخطف والقتل الجارية في طول سوريا وعرضها.
فالمواجهة التي بدأت منذ حوالى السنتين بالتظاهر على طريقة تظاهرات الربيع العربي في تونس ومصر، وبهتاف «حريّة حريّة» المجبول بالخوف، سرعان ما انزلقت إلى العسكرة وتحوّلت إلى حرب أهليّة مذهبيّة. ومن الواضح أن هذا الانزلاق لم يحدث بسبب «مؤامرة كونيّة» كما يدّعي النظام، ولا بشكل طبيعي و«دفاعاً عن النفس» أو عن المتظاهرين كما تحاول المعارضة إقناع نفسها وإقناع الرأي العام معها. بل إن السبب الأساسي لهذا الانزلاق نحو الحرب الأهليّة المفتوحة والتدمير المنهجي لسوريا هو توق فريقي الصراع ـــ النظام والمعارضة ـــ على حدّ سواء لعسكرة المواجهة.
فالنّظام أراد من خلال العسكرة أن يضرب عصفورين بحجر واحد، واعتبر من الناحية الأولى أنه يمكنه من خلال التذاكي والشطارة إثبات ما يدّعيه من أن المواجهة الجارية هي مواجهة حصرية مع الجماعات الأصوليّة المرتبطة بالقاعدة. ومن الناحية الثانية، يبدو أن بعض العقول العبقريّة في النظام حلمت بأنّ عسكرة المواجهة سوف تتيح لها جرّ أخصامها بكلّ بساطة إلى شكل المواجهة الأسهل للنظام، لأنه سيكون بمقدوره أن يعزل قوى المعارضة العسكرية الحديثة التشكيل ويقضي عليها، بدل أن يبقى متسربلاً بمواجهة تظاهراتٍ سلميّة يصعب عليه ضربها بالقوّة اللازمة لإسكاتها سريعاً وبشكلٍ نهائي.
أما المعارضة (وجماعة الإخوان المسلمين على وجه الخصوص) فقد استسلمت لإغواء الدّعم العسكري الملوّح به من قِبل دول الخليج التي سنّت سكاكينها وتهيّأت لتسوية الحساب الطويل بينها وبين النظام السوري. وقد زُيِّن للمعارضة أن الدّعم الغربي آتٍ بعد الدّعم الخليجي مباشرةً، وأن الحلف الأطلسي بات قاب قوسين أو أدنى من الهجوم على سوريا لاقتلاع الأسد مثلما اقتلع القذّافي من قبل وتسليم سوريا للإخوان المسلمين على طبقٍ من فضّة.
والمصيبة أن كلاً من الطرفين اعتبر أن الاستغلال الإقليمي والدولي للأزمة السورية هو في مصلحته تماماً. فإذا كانت المعارضة، أو بعضها، قد صدّقت أن حلف النّاتو سيهرول للانقضاض على سوريا على الطريقة الليبيّة، متناسيةً العامل النفطي في الموضوع، فإن النظام قد أشبعنا تبجّحاً بأن سوريا هي اليوم «ساحة الصّراع الأولى» في عملية استعادة التوازن الدولي بين روسيا وأميركا. وكأنّه قد كُتِب علينا نحن العرب أن يُعلَن الانتصار الأميركي في الحرب الباردة والقضاء على التوازن الدولي بواسطة تدمير العراق في حرب الخليج الأولى، وأن يُعلَن عزم الروس على استعادة ما يمكن من هذا التوازن بواسطة تدمير سوريا في الحرب الجارية هناك حاليّاً.
والغريب أن النظام يعرف تماماً، من خلال «خبرته الطويلة» في الحرب اللبنانية، أن تحويل البلد إلى ساحةٍ للصراع الدولي يحوّل جميع اللاعبين المحليين (بمن فيهم النظام نفسه) إلى أدواتٍ صغيرة في أيدي المتصارعين الدوليين الكبار. لكنّ القائمين على النظام السوري فضّلوا التمسّك به وبشكله الحالي من دون أيّ استعدادٍ للتغيير ولو بقيد أُنملة، متعامين عن حقيقة أن قرار الخروج من الحرب الأهلية التي أدخلوا بلادهم فيها لن يكون بيدهم على الإطلاق، بل إن القرار هذا لن يكون إلا نتيجة تسوية دوليّة بين مختلف اللاعبين الكبار على الساحة السورية. ويعلم الله متى تنضج ظروف هكذا تسوية ويحين موعدها، وما إذا كانت ستبقي سوريا موحّدةً أم تقسّمها إرباً بين طوائفها. وبانتظار موعد التسوية هذه، يحترق القلب والبصر معاً من مشاهدة التدمير المنهجي لسوريا بأبنائها ومدنها وقراها وآثارها وحضارتها.
لقد ورث بشّار الأسد سوريا عن أبيه كما تُورّث الأملاك الخاصة، بعدما تحوّل عمّه إلى «مطالب بالعرش» من المنفى. وكان حريٌّ بالأسد أن يفهم أنّ ما كان ممكناً قبل هروب بن علي بطائرته إلى جدّة لم يعد ممكناً بعد هذا الهروب. وكان حريٌّ به أن يتصرّف على هذا الأساس ويتّخذ قراراً ـــ كان يمكن أن يكون تاريخيّاً ـــ بالتحوّل الديموقراطي الحقيقي. لكنه للأسف الشديد لم يفهم.
* كاتب لبناني