ثمّة ما يستعصي على القراءة السطحية لآلية اشتغال النظام في سوريا. من وضع، مثلاً، تاريخاً محدداً لانتصار المعارضة على النظام كان يعتمد على هذه القراءة تحديداً. هؤلاء لا يحبّذون عادة مقاربة الواقع في ديناميته الصراعية وفي تعقيده، ويتعاملون مع فكرة سقوط النظام من عدمه كمن يتعامل مع معطى جاهز وتحت الطلب. حبّذا لو تفضل أحد ماركسيي المعارضة بتنوير أولئك المتحمّسين عن الأسباب التي حالت حتى الآن بينهم وبين ذاك السقوط الموعود. سيكون من المفيد أن يشرح لهم عن تعارض تصوّراتهم المسبقة عن بنية النظام مع واقعه الفعلي المغاير لتوقّعاتهم. ربّما قرّب الهجوم على حلب من المسافة بين الأمرين. وهذا معطى جديد لا يبدو أنّ أحداً قد أولاه الاهتمام الكافي إلا قلّة قليلة داخل النظام وداخل المعارضة. طبعاً لا أنصح رفاقنا اليساريين في المعارضة بالتعاطي مع هذه القلّة، أو بمحاولة «تنويرها» فهي تعي تماماً ما تفعله، وتوظّف هذا الوعي جيداً في سوق الفقراء (من طرفي الصراع) إلى حربها القذرة. فليوفّر أصدقاؤنا جهودهم لمن يحتاج إليها حقاً. وهؤلاء موجودون في كلّ مكان من سوريا تقريباً، ووجودهم هناك مرتبط بفعل نضالي حقيقي، لكن ما ينقص هذا الفعل هو معاودة ربطه بالحقائق الملموسة عن الخصم. فمن دون ذاك الربط لا يعود هنالك من معنى لأيّ نضال مهما كانت شرعيته. لنقل انّه نضال من دون أفق أو استراتيجيات تذكر. ولأنّ تعيين الأفق الممكن «للثورة» (أقرأ: الحرب الأهلية) هو من جملة ما طرحه اليسار منذ البداية، فلابد له إذاً من أن يكمل مشوار الانسجام مع الذات، وبالتالي أن ينتقل إلى الخطوة الثانية: توضيح الأسباب الفعلية التي حالت دون انهيار النظام حتى الآن. واليسار مؤهّل لهذا الأمر أكثر من غيره، لأنّه يعرف أنّ هذه الأسباب هي اقتصادية بالدرجة الأولى، وأنّها ترتبط ارتباطاً مباشراً بتجارب سابقة خاضتها شعوب بعينها أثناء مرورها بأطوار الحرب الأهلية.

يحضرني اليوم كلام لأبو داوود، قائد عملية أيلول الأسود في ميونيخ والمسؤول العسكري السابق في حركة فتح، في معرض حديثه عن دور منظمة التحرير الفلسطينية في الحرب الأهلية اللبنانية. ولكلام الرجل علاقة مباشرة بما ذكرته عن اقتصاد الحروب، كما يفهمه ويحلّله اليسار من موقعه المنحاز اجتماعياً. في تلك المقابلة، لام أبو داوود اللبنانيين (ربما قصد الكتائب والقوات بذلك وهذه مشكلة يتعين حلّها سريعاً قبل أن يصبح التنميط عنواناً وحيداً للتعاطي مع هذا الكيان المعطوب) على إخراجهم الفلسطينيين منه بالتعاون مع إسرائيل، قائلاً إنّهم لا بد من أن يكونوا نادمين على ما فعلوه. ثم عاد الرجل ليوضح السبب الذي جعله يقول ذلك. سأحاول العودة إلى الأرشيف للتأكّد تماماً مما قاله حينها. وفي الأثناء أنقل ما أعتقد أنّها وجهة نظره التي هي بالمناسبة متطابقة جزئياً أو كلياً مع وجهة نظر كثير من اليساريين حيال اقتصاد الحرب في سوريا اليوم. وهي تقول بأنّ الاقتصاد اللبناني كان سينهار لولا الأموال الهائلة التي كان تضخّها المنظمات الفلسطينية يومياً في عروقه. الفكرة هنا بسيطة ولا تحتاج إلى شروحات كثيرة. فالدولة في لبنان حينها كانت تتآكل تدريجياً وتفقد سيطرتها على أجزاء متزايدة من الأرض لمصلحة تنظيمات مسلحة غير نظامية، تماماً كما يحدث الآن في سوريا. ورغم كون بنية الاقتصاد اللبناني كومبرادورية وتابعة للمركز الرأسمالي إلا أنّ أجهزة الدولة فيه كانت تتدخّل بين الحين والآخر «لتنظيم العملية الاقتصادية» بما يخدم مصالح المصرفيين والمتموّلين الكبار. وهؤلاء بدورهم كانوا يتبادلون الخدمات مع أجهزة الدولة العميلة للمركز فيوظّفون في مؤسّساتهم وشركاتهم فائض القوة المنتجة الذي لم تعد مؤسسات الدولة تستوعبه. هكذا يحصلون على أرباحهم الطائلة، ويساعدون النظام على الظهور بمظهر من لا يدير الظهر تماماً لمصالح «الطبقات الشعبية» التي تمنحه الشرعية عبر صندوق الانتخاب الصوري. والفتات التي تحصل عليه هذه الطبقات-الطوائف سواء من مؤسسات النظام أو من مؤسسات اللصوص الكبار (اقرأ: المصرفيين) هي نتاج التدخّل النيوليبرالي الذي عطّلته تماماً دينامية الحرب وجيّرته بالكامل تقريبا لمصلحة الميليشيات المحتربة. ما عاد النظام بعد الحرب يسيطر على الموانئ والمطارات والمداخل الحدودية والمراكز الجمركية، كما كان يفعل بالأمس. انتقلت السيطرة على هذه النقاط الاستراتيجية المدرّة للأرباح (عبر العمولات وتسهيل عمليات التهريب) إلى الميليشيات المختلفة، وصار تدفّق الأموال إليها من الخارج (وهو مصدر آخر للربح) مرهوناً بمدى خدمتها لمصالح من يموّل عملها في الداخل. نعلم اليوم كم كانت تدفع مستعمرة آل سعود للميليشيات المتعاملة معها (الكتائب والقوات اللبنانية و... الخ)، ونعلم أيضاً كم كان يدفع القذافي وصدام حسين (وحده الأسد الأب كان يدير الصراع دموياً ويوظف العملاء من دون أن يدفع قرشاً واحداً!) للمنظمات الفلسطينية واللبنانية التي تورّطت في الحرب. ملايين الدولارات كانت تصرف يومياً ليس على السلاح فحسب، بل على الدينامية التي كانت تسمح بتسعير الحرب وإبقائها مشتعلة أيضاً. فالإبقاء على الحرب وقتها كان يعني استمرار الاقتصاد الموازي القائم على التسوّل وتمويل عمليات القتل، بما يقطع الطريق على أيّ إمكانية لعودة أشكال جنينية ومحمودة من الكومبرادور. وهي الأشكال التي ستسمح للبدائل بأن تنمو من داخلها وتتطوّر تدريجياً إلى أن تصبح قادرة على طرح ذاتها كبديل مقاوم للسلطة الطبقية الطائفية العميلة. هذا الشكل من التطوّر الاقتصادي كان الوحيد الممنوع حينها، في حين سمح لكلّ من يزاول الأنماط الأخرى (وهي مافياوية بالضرورة وتصبّ غالباً في مصلحة المركز الامبريالي) بأن يفعل ومن دون رقابة أحياناً. عندما تحدث أبو داوود على وجوب أن يندم اليمين اللبناني على ما فعله بالفلسطينيين، كان يقصد هذه الناحية تحديداً، حتى من دون أن يدري. كأنّه يعاتبهم على عدم سماحهم لاقتصاد الحرب بأن ينمو ويتطوّر أكثر. لكن من قال إنّ اليمين كان سعيداً بما فعله في 1982 حين ساهم في إخراج منظّمة التحرير من بيروت؟ لا يحتاج هؤلاء إلى «من يفتي لهم بمزيد من خدمة الامبراطورية» (التعبير هنا مجازي ولا ينطبق تماماً على ما قصده أبو داوود بقوله ذاك). كلّ ما في الأمر أن الظروف الدولية تغيّرت، والصراع (بين الرأسماليتين الأميركية والسوفياتية) الذي كان يسمح لاقتصاد الحرب بأن يزدهر قد «انتهى» أو تجمّد جزئياً. في ذلك العام تحديداً (1989) قرّر لصّ ما في «وول ستريت» أن يقفل الحنفية وأن يعيد عملية النّهب التي كانت قائمة في لبنان إلى ما كانت عليه قبل العام 1975. لكن الأوان حينها كان قد فات. فوظيفة لبنان قد تغيّرت والأطوار التي مرّ بها ومرّت بها المنطقة لم تعد تسمح له بأن يكون أكثر من «سمسار» وكيل للأصيل الذي يستطيع في هذه المرحلة تحديدا أن يخدم الامبريالية أكثر. من هنا المدخل إلى الأزمة السورية. طبعاً من يبحث عن تطابق فعلي بين التجربتين سيعود غالباً بخفّي حنين. فسوريا لا تشبه لبنان اقتصادياً أو جغرافياً. و«لبنان» بدوره لا يشبه مستعمرتي قطر والسعودية إلا في خدمة الاستعمار. وهذا هو المضمون الفعلي للسياستين السعودية والقطرية تجاه سوريا اليوم. كلّ ما تفعله هاتان المستعمرتان بمعيّة الامبرياليات الغربية وإشرافها المباشر والدؤوب هو تشجيع القنوات التي حلّت محلّ الدولة التسلّطية ومافياتها الاقتصادية. في كثير من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة بقيت العلاقة مع الدولة بشكلها القديم قائمة ولو رمزياً. لا تدفع قطر والسعودية كلّ هذه الأموال لتدمير الدولة وبناها التحتية مباشرة كما يرطن بذلك الموالون السذّج، بل لتخلق أرضية فعليّة لنمو الاقتصاد المافياوي الموازي وتمكينه من وراثة إمبراطورية رامي مخلوف وشركاه. إذ بخلاف كلّ ما يشاع في الإعلام بقيت العلاقة بين الحالة المسلحة والسلطة المافياوية قائمة رغم ضراوة الصراع بينهما ودمويته. فمن مصلحة الطرفين أن تبقى عملية احتكار الثروة وتوزيعها محصورة بهما. صحيح أنّ دورة الإنتاج كما نعرفها قد توقّفت جزئياً، إلا أنّها لم تؤثّر إلا قليلاً على آلية اشتغال النظام وتمويله لوظائفه. والسبب أيضاً في بقاء هذه الوظائف هو أنّها لم تعد مستقلّة كما كانت بالأمس أو لم تعد داخلية بما يكفي، فمثلما تفعل كلّ من قطر والسعودية مع أتباعهما في المعارضة يفعل الروس والإيرانيون مع النظام الذي يتبعهما ويتبع سياساتهما. أصلاً لم يعد خافياً على أحد فقدان سوريا لسيادتها ولاستقلالية قرارها. فعندما تصبح الأدوار المطلوبة من النظام ومعارضاته وظيفية وموجودة لمجرّد أنها تخدم استمرار الحرب، لا يعود ممكناً الحديث عن صراع يخاض بالأصالة عن الطرفين. كلاهما يفعلان ذلك اليوم بالوكالة، وكلاهما أيضاً يتورّطان أكثر فأكثر في إدامة نموذج اقتصادي معوق لأيّ إمكانية للتغيير الجذري من الداخل.
منذ اللحظة الأولى التي بدأ بها النظام يفقد سيطرته على مناطق طرفية وحدودية لمصلحة تنظيمات مسلحة محلية توقّعت بأن يكون مآل التغيير الذي بشّرتنا به أطراف معارضة راديكالية مماثلاً لما حصل في لبنان بعد الحرب. والعبرة الأساسية ممّا حصل هي أنّه لا يمكن التعويل على «انتصار» يأتي على ظهر رافعة اقتصادية تقطع مع مبدأ «التراكم الرأسمالي» وان كان كومبرادورياً. هذا ما «أنجزته» الحرب في لبنان، وهذا أيضا ما «ستنجزه» حربنا الأهلية في سوريا. كان ممكناً البناء مثلاً على «التراكم الرأسمالي» الطرفي الذي قام عليه الاقتصاد المافياوي في سوريا منذ 2000 لإنضاج نقيض فعلي له. وكان متاحاً فعلاً مع كسر الناس لحاجز الخوف في بدايات الحراك أن يحتلّ هذا الموضوع متن الحملة ضد النظام ومافياته الاقتصادية. غير أنّ القوى العميلة (تركيا وقطر والسعودية) التي تدخّلت في الحراك لاحقاً لم يكن يناسبها فعل ذلك. ثم أتى التدخّل الروسي والإيراني إلى جانب النظام مالياً ولوجستياً ليجهز تماماً على أيّ إمكانية للقطيعة مع الحقبة الاقتصادية السابقة. حين يتساءل البعض عن سبب عدم سقوط النظام حتى الآن أشعر فعلا بالاستغراب. ولهؤلاء أقول: هنالك في اقتصاد الحروب قاعدة اسمها التخادم المتبادل بين طرفي الصراع. وما يفعله التدخّل الخارجي هو تنظيم هذا التخادم على نحو يجعل منه الأساس لخدمة مشروع الحرب لا العكس. فمثلاً لا تزال مؤسّسات الدولة هنا تدفع رواتب الموظفين المنتمين إلى البيئات الحاضنة للحراك. يستثنى من ذلك طبعاً حملة السلاح الذين فصلوا من وظائفهم، وباتوا يتقاضون بدل أجرهم الجديد من مموّلي وسماسرة الحرب في مستعمرات الخليج (قطر تحديداً). في المقابل يحافظ هؤلاء على بقاء الدورة الاقتصادية في أماكن هيمنتهم ولو في حدّها الأدنى. وهذا يتطلب الإبقاء على شعرة معاوية بينهم وبين النظام الذي يقاتلونه بضراوة. أيضاً هنالك العمولات التي يدفعونها لأطراف استخبارية (رسمية) بعينها لقاء تسهيل عملية تهريب السلاح وأشياء أخرى لا نعرف عنها الكثير اليوم. كلّ هذا الفساد الموازي قائم ويحدّثونك عن فقدان النظام للموارد الأساسية التي تغذّي آلته الحربية الفتاكة! طبعاً ما يتدفّق على المعارضة من أموال طائلة لا تجري الاستفادة منه كما يفعل النظام مع الأموال التي تتدفّق عليه من إيران والعراق وباقي الحلفاء. وهذا أيضا من الأسباب التي تفسّر قدرة ماكينة النظام على المجابهة، رغم الخسائر الفادحة التي لحقت بها في الآونة الأخيرة (خصوصاً في ادلب وريفها). يحقّ للموالين طبعاً أن يغتبطوا بذلك، لكن يحقّ لنا أيضا أن نبدي قرفنا من هذا الاستعراض المبتذل للقوة، ومن قدرة كلّ من النظام والمعارضة على إيقاع هذا القدر من التدمير في البنية الأساسية للبلد. إذ لا معنى يذكر للانتصار أو الهزيمة عندما يكون الشعب أو جزء كبير منه هو من يدفع الثمن. فسيطرة المعارضة على ادلب ودير الزور وريف دمشق الشرقي ليست انتصاراً لها ولجمهورها، بقدر ما هي انتصار لمن يموّل جهدها الحربي. وكذا الأمر مع النظام و«سيطرته» اليوم على دمشق المدينة وحمص ودرعا وحماه و...الخ. لم يعد ممكنا بعد كلّ هذه التحوّلات في اقتصاد البلد الكلام عن صراع بين طرفين. في رأيي أنهما الآن «طرف واحد». طرف يمد يده إلى الخارج سواء أكان قطرياً أم سعودياً أم روسياً أم ايرانياً ليقبض منه عمولة الإبقاء على الحرب قائمة ولو «في حدودها الدنيا». المهمّ ألا توجد أرضية ممكنة لبناء تحالف طبقي مضاد للتحالف الذي نهب البلد بالأمس، ولا يزال يفعل اليوم، ولكن هذه المرة بالتواطؤ مع المعارضة والتخادم القذر مع جناحها الخليجي تحديداً.
* كاتب سوري