في ندوة نظمها اتحاد الشباب الديموقراطي الأردني، بمناسبة عيد العمال هذا العام، تحدّثتُ عن التحولات الهيكلية التي شهدتها قوة العمل في البلاد، خلال عقد ونيف من النيوليبرالية، مما يطرح، نظرياً ونضالياً، مهمات استراتيجية جديدة على اليسار، وعلى رأسها إحداث وتفعيل منظمات عمالية ملائمة لتلك التحوّلات، مناضلة، ومسيّسة، وتمتلك القدرة على المبادرة الوطنية من خلال استعادة مركزية الهدف الاشتراكي. وقد طالبني مناضلو الاتحاد بتوسيع إطروحتي. وها أنذا أفعل.

أعالج هنا، كما هو واضح، الحالة الأردنية، لكن استنتاجاتي، من حيث المبدأ، لا تقتصر على بلدي، على الأقل تلك التي تتعلق بالجوانب النظرية.

لقد شغلت العلاقة بين الطبقة العاملة واليسار والحق في الاشتراكية المساحة التأسيسية في فكر الشهيد مهدي عامل الذي كانت له ميزة رفض الخنوع للمسلمات، والسعي القلق الدائب إلى تأصيل الفكر والحركة والمهمات في سياق نقده للشيوعية العربية. كان مهدي مهجوساً بالأسئلة الجوهرية حول الشرعية التاريخية لقيام حزب شيوعي في بلد لا تتوفر فيه طبقة عاملة حديثة تشكّل الأغلبية والطليعة المجتمعية؛ حزب مَن، إذن، هذا الحزب الشيوعي، ولماذا يوجد إن لم يكن هدفه إقامة الاشتراكية؟ وهل له الحق، في مجتمع فسيفسائي طبقياً، أن يسير نحو الهدف الاشتراكي المرتبط، نظرياً، بالدولة العمالية التي لا بد، وفق ناقد الأنظمة التقدمية الجسور في كتابه الافتتاحي «نمط الإنتاج الكولونيالي»، أن يقودها الحزب الشيوعي؟
لن أستعرض، هنا، إجابات مهدي على تلك الأسئلة، ولا نقدي لها. (فعلت ذلك في بحث سبق نشره في العدد الثاني من مجلة الطريق في 1989)، لكنّني أؤكد على المهمة الفكرية الضرورية التي تصدى لها الشهيد، وهي سعيه لتأصيل حق بلداننا التاريخي في الاشتراكية تحت قيادة عمالية.
هذا النوع من الكدح الفكري، كان أساسياً في أوساط اليسار في سبعينيات القرن العشرين، على خلفية فشل الأنظمة القومية التقدمية لحقبة الخمسينيات والستينيات، لكنّه انطوى مذ ذاك. مهدي عامل نفسه انشغل، لاحقاً، ببحث «أسباب الحرب الأهلية في لبنان»، ومحاولة فهم «الدولة الطائفية».
اليوم، وسط أشكال متصاعدة من التململ العمالي ومساعي اليسار لإعادة تأسيس نفسه ولعب دوره من جديد في خضم انفجار أزمة النظام العربي، تعود الأسئلة النظرية لتطرح نفسها، وإنْ في صيغ وظروف جديدة؛ هل هناك أي شرعية لليسار خارج تمثيل قوة العمل، وخارج الهدف الاشتراكي أو الاشتراكي الديموقراطي؟ والسؤال مطروح، نقضيّاً، على اليسار الليبرالي الباحث عن شرعيته في أولوية الدعم غير المشروط للديموقراطية الليبرالية، كما هو مطروح، نقدياً، على اليسار الماركسي التقليدي الحائر الذي لا يزال في اكتشاف موقعه في الحركة الشعبية العربية الجديدة المنطلقة من انتفاضات 2011.
تقودنا التجارب الاشتراكية العديدة والمتنوعة والمجهضة للقرن العشرين، إلى وعي الهدف الاشتراكي كصيرورة نضالية مديدة، تاريخية، مستبعدين النزعات الانقلابية والتعجّل والتجريب، من دون أن نتخلى، لحظة واحدة، عن ذلك الهدف. تفيدنا مركزية الهدف التاريخي، سياسياً، هنا والآن، من خلال استعادة نظرة واقعية للديموقراطية الليبرالية كمنبر نضالي لا كهدف ومثال أعلى.
لا أتحدث، هنا، عما يمكن تسميته يساراً ثورياً، بل عن الحركة اليسارية بعامة، بما فيها اليسار القومي واليسار الاشتراكي الديموقراطي. هل يوجد أي مبرر اجتماعي تاريخي ليسار لا يمثّل مصالح العمل في مواجهة الرأسمال، ولا ينطوي برنامجه على مهمات تراكمية نحو صيغة اشتراكية؟
بالطبع، يمكن أن نبرّر وجود يساريين في حركة ديموقراطية، لكن ليس وجود اليسار كحزب، كتيار، كمنبر، أو حتى كرؤية، إلا ارتباطاً بحامله الاجتماعي، وهو، هنا، العاملون بأجر، وإلا ارتباطاً بالحق في حكومة تمثلهم، وببرنامج مجتمعي يمثّل مصالحهم، وإلا ارتباطاً بصيرورة تمنح القوة المجتمعية العمالية، الشرعية التاريخية، هي، هنا، الصيرورة الاشتراكية التي تتضمن لحظات مرحلية ومفصلية من مقاومة الكمبرادورية والرأسمالية وكل أشكال الاستغلال والقهر والاستلاب. ولعلّ التشابكات الجيوسياسية لرأس المال المالي في شروط السوق المعولَم، تغنينا عن الكثير من السجال حول ارتباط الصيرورة المجتمعية المعادية للكمبرادورية بصيرورة التحرر الوطني؛ التحرير والاستقلال والسيطرة على الموارد الوطنية والعلاقات الخارجية الخ.
نحن، إذن، بصدد الكلام على المرحلة الثانية من حركة التحرر الوطني، والتي سنضيف إليها تواً صفة الاجتماعي. وهي حركة تضم، بالطبع، فئات مجتمعية متنوعة، لكن قلبها يظل عمالياً، وأداتها وقيادتها بالتالي يسارية.
لا يمثل اليسار، قوة العمل، بعامة، بل، تحديداً، العمل المأجور مطروحاً منه المستويات الإدارية العليا وما يسمى أرستقراطية العمال. وإلى أواسط التسعينيات، كان الوزن الكمي والنوعي للعمل المأجور الحر في الاقتصاد الأردني، هو الأضعف بين أنماط العمل التي غلب عليها النمط البرجوازي الصغير من المالكين ـ العاملين. وتفسر هذه الواقعة، الشخصية التقليدية لليساري العربي الخاضع لمتلازمة التصلب العقائدي والجمود السياسي. وفيما بعد الاتحاد السوفياتي، بقيت هذه المتلازمة شغّالة، لكن حلت الليبرالية محل «الماركسية اللينينية»، كعقيدة ثابتة.
نلاحظ، في المثال الأردني، أنّ حقبة النيوليبرالية التي لم تزد بعد على 15 عاماً، كان لها الفضل في إحداث تغييرات هيكلية في قوة العمل التي أصبح العاملون بأجر يشكلون نحو 84 بالمئة منها (إحصاء 2009)، أي أغلبيتها الساحقة. ويتقاضى هؤلاء أجراً شهرياً بمعدل نحو 600 دولار في القطاع العام، و500 دولار في القطاع الخاص، في حين أنّ معدل خط الفقر يدور حول 700 دولار، ولا يتقاضى سوى نحو 10 بالمئة من العاملين بأجر، أجراً يزيد على خط الفقر هذا.
ويواجه جمهور العاملين بأجر هذه المعادلة المضنية من خلال التضامن الأسري بين الزوجين أو العائلة الممتدة وحوالات المغتربين، ولكن، خصوصاً، من خلال آليات ما يعرف بـ«المناورة الاجتماعية»: عمل تجاري أو خدمي صغير أو عمل إضافي عشوائي الخ. وتعرقل هذه الأنماط من الدخول الإضافية، تبلورَ الوعي الاجتماعي السياسي للعاملين بأجر، وتعوق نشاطهم النقابي النضالي ووعيهم بأنفسهم كجزء من الكتلة العمالية. لكن بالنظر إلى ضعف حوالات المغتربين في المحافظات الأردنية، وضحالة السوق المحلي فيها، وخضوع أبنائها لقيود ثقافية تحد من المناورة الاجتماعية، وتنامي مصاعب الفلاحة الصغيرة، فإنّ قوى المعارضة الاجتماعية تتبلور، هنا بالذات، وتتسع وتحتدّ. ففي 2008، كانت نسبة الفقر في العاصمة نحو 8 بالمئة، بينما كانت في العقبة ــ الأكثر تحديثاً! ــ 37 بالمئة، وفي المفرق نحو 28 بالمئة، وفي الكرك نحو 26 بالمئة، وفي الطفيلة ومعان وعجلون نحو 20 بالمئة، وفي الزرقاء نحو 17 بالمئة، وفي البلقاء نحو 14 بالمئة، وفي مادبا وإربد نحو 12 بالمئة. وليس من دون دلالة أنّ الحركة الاجتماعية الراديكالية، إذن، تتركز في المحافظات.
عملت التغييرات النيوليبرالية الحادة والسريعة التي شهدها الأردن على تدمير الأنماط التقليدية والوسيطة من العمل المهني والحرفي والتجاري. فقد تآكلت المؤسسات الشخصية والصغيرة لحساب الشركات الكبرى في المهن الجامعية والحرفية والخدمية. كذلك حلت المتاجر الكبرى والسلاسل الكمبرادورية من المولات والمطاعم والصيدليات الخ، محل المنشآت الفردية والعائلية. وأريد أن أتوقف هنا عند ظاهرة تبلتر (من بروليتاريا) المهنيين الجامعيين من أطباء ومهندسين ومحامين وصيادلة ومحاسبين الخ، ممن كانوا يشكلون قوة مجتمعية فاعلة من البرجوازيين الصغار والمتوسطين العاملين لحسابهم في عيادات ومكاتب وصيدليات خاصة الخ. أصبح هؤلاء، اليوم، من الماضي، ولم يبق منهم سوى جيل يتآكل، بينما المتخرجون الجدد في هذه المهن، يعانون البطالة أو يعملون بالأجر لدى الغير في شركات كبرى ومتوسطة رأسمالية، من المستشفيات وسلاسل الصيدليات وشركات المحاماة والهندسة الخ. وباستثناء أبناء البرجوازية، لم يعد المتخرج المهني يأمل في عمل خاص، وقد تحوّلت شروطه ـ ولكن ليس وعيه بعد ـ إلى شروط عامل بأجر، ينافس في سوق عمل شرسة يحرس سطوتها جيش من المتعطلين.
هذا هو الأساس في أنّ النقابات المهنية التي كانت فيما مضى مراكز للقوميين واليساريين من البرجوازيين الصغار الأحرار، تحوّلت إلى سيطرة الإسلاميين الذين يتبنون إطاراً ثقافياً رجعياً منبتّ الصلة، كلياً، بالصراع الاجتماعي. هذه النقابات وقعت تحت سيطرة شبكة مصالح أعضائها المتحولين إلى عناصر كمبرادورية. وقد وجدت هذه العناصر أنّ الإسلام السياسي أقدر من المقاربة القومية اليسارية، على إدارة المصالح الكمبرادورية والتناقضات الطبقية داخل النقابات المهنية. وقد دلتنا التجربة الملموسة أنّ النضال اليساري في هذه النقابات ينصرف إما إلى الفشل، وإما إلى الخضوع للتحالفات الكمبرادورية المسيطرة على الجسم المهني.
لأسباب تتعلق بممارسة المهنة، سوف يبقى كادحو المهن منتسبين إلى نقاباتهم إلى أن تتحوّل إلى هيئات علمية ـ تقنية ـ مهنية صرف تحت إدارة مجتمعية، لكن، حالياً، فإنّ عشرات الآلاف من العاملين بأجر من الأطباء والمهندسين والمحامين إلخ. هم بلا أطر نقابية عمالية تدافع عن مصالحهم. وعلى هذا الأساس، أقترح قيام اتحاد عمالي مهني يجمع أولئك الكادحين في منظمة تدافع عن مصالحهم كأجراء. وحتى ذاك، ينبغي على اليساريين الدفع نحو تشكيل لجان نقابية في المؤسسات والشركات المهنية.
مثال آخر نلاحظه في تبلتر العاملين من المستويات الدنيا والوسطى في المصارف وشركات التأمين والشركات المالية. لقد تحوّل هؤلاء إلى كادحي مكاتب تعلوهم فئة من المديرين التنفيذيين المتمتعين بامتيازات سخية للغاية. لكن لا يزال الفريقان ينتميان إلى نقابة واحدة فقدت انسجامها الاجتماعي، وبالتالي فاعليتها.
تتوزّع قوة العمل الأردنية على المجالات التالية: الصناعة والصناعة التحويلية والمناجم نحو 19 بالمئة، والنقل والتخزين نحو 16 بالمئة، أي أنّ 35 بالمئة من قوة العمل الأردنية تعمل في القطاعات العمالية التقليدية، وربما نضيف إليهم، أيضاً، 17 بالمئة من العاملين في التجارة والخدمات والحرف، ليكون المجموع نحو 52 بالمئة. في القطاع الزراعي، يعمل 2 بالمئة فقط. وليس لدينا إحصاء عن نسبة العاملين منهم بأجر، لكن يرجّح أنّهم مزارعون مالكون يشغّلون نحو 27 بالمئة من العمالة الوافدة المصرية كأجراء زراعيين. لقد دمرت النيوليبرالية الزراعة الفلاحية، وأحلّت محلها زراعة الشركات الرأسمالية وزراعة التصدير القائمة على استيراد المدخلات والعمالة. ولذلك، لم يعد هناك في الأردن قضية فلاحين، بل قضية الفلاحة التي، في إحياء أنماطها التقليدية الرفيقة بالبيئة والمعدة للاحتياجات الاستهلاكية الداخلية، مجال خصب لتوليد فرص عمل إنسانية في الريف. وهذه قضية أساسية بالنسبة للكتلة العمالية التي لها مصلحة مباشرة في تأمين سلة غذاء جيدة النوعية ورخيصة الكلفة في آن. وينتظم جمهور الفلاحين المبعَد عن نشاطه التقليدي والمفقَر، في العشائر، كمنظمات سياجتماعية، وأعلى شكل تنظيمي لهذا الجمهور هو الجيش.
في القطاعات الحديثة، يعمل نحو 2 بالمئة في قطاع المعلومات والاتصالات، وأكثر من 2 بالمئة بقليل في القطاع العلمي والتقني، ونحو 12 بالمئة في قطاع التعليم. ويعمل نحو 24 بالمئة في الإدارات الحكومية والقوات المسلحة. ولدى تفحّص هذه الفئة الأخيرة، نلاحظ أنّ بين هؤلاء عمالاً بالمعنى التقليدي، ومنهم عمال زراعة ونقل وخدمات، وعاملون في القطاع الصحي والاجتماعي الخ. وقد بدأ الحراك العمالي في صفوف عمال المياومة الحكوميين بالذات منذ 2007، بينما عبّر المتقاعدون العسكريون، منذ 2010، عن تردي دخول ومستوى معيشة العسكريين الذين يمثلون، سياجتماعياً، التجمعات العشائرية في المحافظات.
إذن، يتسع مفهوم العمال (نفضل استخدام الكتلة العمالية بدلاً من الطبقة العمالية) ليشمل العاملين بأجر في قطاعات ووظائف عديدة تقليدية ومستحدثة، وتقع كلّها، في بنية اجتماعية عيانية، يولّد العمل المأجور فيها، بترابطه البنيوي، فائض قيمة محسوباً بمعايير هذه البنية الرأسمالية الكمبرادورية، وسمح ويسمح بمراكمة الأرباح المليارية من السوق المحلي من قبل الرأسمال الأجنبي ووكلائه الكمبرادوريين. وذلك عدا النهب بواسطة عمليات الفساد في الخصخصة والمشاريع الكبرى والاستحواذ على الموارد من أرض ومياه ومعادن الخ. ويعي طلائع العمال تشابك الاستغلال والفساد لدى النخب المسيطرة في تكوين ثرواتها، ويطرحون، بالتالي، مهمات إعادة تأميم شركات القطاع العام، بوصفها مهمات عمالية.
من الضروري التذكير بأن الحركة الوطنية الأردنية جددت نفسها اعتباراً من 2009، بواسطة العاملين بأجر، كالحركة العمالية الجديدة ـ المتبلورة اليوم في اتحاد النقابات المستقلة ـ وحركة المعلمين وحركة المتقاعدين العسكريين، واعتباراً من 2011، اللجان الشعبية المتكونة من العاملين بأجر من صفوف الشباب والطلاب في المحافظات. ولذلك، اتخذت الحركة الوطنية، مضموناً اجتماعياً صريحاً يتجلى في شعاراتها وبرامجها، مثلما يتجلى في التكوين الطبقي لقياداتها. والتحدي، اليوم، يكمن في إسباغ الوعي العمالي على تلك الحركة، بحيث تغدو الكتلة العمالية عاملاً سياسياً رئيسياً في البلاد.




الأول من أيار: طيف شربل نحّاس في عمان

ترى أصوات ليبرالية أنّ الأول من أيار، يوم العمال، أصبح عيداً فولكلورياً مستمراً، بحكم العادة، من الماضي. لسنوات قليلة خلت، كان من الصعب، مساجلة هذا الرأي، لكن عيد العمال لسنة 2012، كما عشناه في الأردن، جدد قدرتنا على السجال، من موقع عمّالي. إننا إزاء مناسبة حيّة، نضالية.
كأنّ شربل نحّاس (انظر حديثه لـ«الأخبار» في 1 أيار 2012، بعنوان « الظروف اليوم سانحة لفعل تغييري»)، كأنّه هو الذي خطّط الفعاليات الأردنية النوعية، عميقة الدلالة، والتي استمرت لثلاثة أيام متتالية، وجرى خلالها الإعلان عن ولادة اتحاد عمالي جديد (من ست نقابات)، هو اتحاد نقابات العمال المستقلة. إعلان تم في أحد ميادين عمان من دون ترخيص، في ممارسة نضالية لحق منصوص عليه في الاتفاقية الدولية رقم 87 لعام 1948. ومن بين النقابات الجديدة المؤسسة للاتحاد الجديد، نقابات غير مرخصة أيضاً، لكنّها فاعلة ومعترف بها سياسياً (وليس قانونياً) وهي تستند في شرعيتها، كالاتحاد، إلى تلك الاتفاقية، أعني نقابة عمال المياومة في القطاع العام.
كانت الطلائع العمالية التي قادت، منذ 2009 وحتى اليوم، مئات الإضرابات والاعتصامات والاحتجاجات العمالية، قد يئست، مبكراً، من بيروقراطية الاتحاد العام لنقابات العمال، المتحوّلة، رغم كونها عمالية ومنتخَبة وكون بعضها محسوباً على اليسار، جزءاً من بيروقراطية النظام السياسي. وقد تبيّن للطلائع العمالية الشابة، بالملموس، أنّ شبكة المصالح والمداخلات السياسية والأمنية، تعرقل إصلاح الاتحاد العام، وتحمي بيروقراطيته من إطاحتها. وهو ما طرح، أخيراً، مهمة تأسيس اتحاد عمالي جديد.
عملية من هذا النوع تقع في صلب ما سمّيناه «الديموقراطية المضادة»، أي الديموقراطية من تحت، والتي لا تقيّد نفسها بالأنظمة القانونية السياسية المسيطرة، ليس باتجاه الفوضى، ولكن باتجاه كسر المعيقات القائمة في وجه ولادة التنظيمات النقابية والعمالية والشعبية، وتلافي تعليق المهمات النضالية الاجتماعية على تعديلات قانونية تنجزها المداولات البرلمانية المديدة والمعقدة والمقيّدة والجزئية. والاستراتيجية المتبعة هنا، هي خلق وقائع ميدانية تنال الاعتراف المجتمعي والسياسي، وترْك الإطار القانوني القائم ليتدبر أمره في استيعابها.
ما هو الجوهري في النقابة العمالية؟ أليس تنظيم العمال، تنظيم الاحتجاجات والاعتصامات والإضرابات والحصول على تلبية المطالب في اتفاقيات جماعية؟ لقد تبيّن، بالمبادرات النضالية، أنّ القيام بهذه المهمات، خارج الأطر النظامية القائمة، ممكن واقعياً. وهكذا، أصبح اتحاد النقابات المستقلة واقعياً أيضاً.
ينبغي التأكيد، هنا، أنّ حرية التنظيم النقابي والاحتجاجات العمالية والاتفاقيات الجماعية بين لجان نقابية غير مرخصة من جهة وبين الحكومة أو الشركات، أصبحت ممكنة على خلفيّة الحراك الوطني الشعبي الذي حقق لنفسه حيثية سياسية لم يعد ممكناً تجاوزها، لكنّنا نلاحظ، بالمقابل، أنّ التحركات العمالية الشجاعة التي شهدها الأردن قبل 2011، مثل حركات عمال الميناء والمياومة والمعلمين، أسهمت، بالتراكم أو مباشرة، في ولادة الحراك الشعبي، ومنحته، منذ البداية، مضموناً اجتماعياً.
المنظمات المطلبية الجديدة في الأردن لم تقتصر على العاملين، فقد استطاع المتقاعدون العسكريون (نحو 140 الفاً) تشكيل أطر مطلبية نضالية نظمت احتجاجات واعتصامات واستطاعت أن تحصل على الاعتراف السياسي بها وبالتفاوض على مطالبها مع الجهات الحكومية، بينما هنالك محاولات شبيهة لم تتبلور كقوى في صفوف المتقاعدين المدنيين ومتقاعدي الضمان الاجتماعي.
مهمة أخرى اقترحها نحّاس في عيد العمال 2012، كانت طلائع من المثقفين اليساريين، بدأ تحقيقها في اليوم نفسه في عمان، تلك الخاصة بـ«دور النخب في إعادة الثقة للعمال»، لكن المعني هنا، فعلياً، هو النخبة اليسارية، وعلى وجه التحديد، النخبة اليسارية الشابة الجديدة التي تسعى إلى بناء منابرها وبرامجها وحركتها خارج الأطر اليسارية القائمة المقيّدة بمنظورها السياسي الليبرالي، واستسلامها لقدرية الرأسمالية النيوليبرالية وتشابك مصالح قياداتها مع النخب المسيطرة.
أشير هنا إلى «اتحاد الشباب الديموقراطي» الذي أعاد تكوين نفسه منظمة شبابية يسارية مستقلة، واختار الأول من أيار، أيضاً، للإعلان عن نفسه هيئة مستقلة. وكانت أولى فعالياته المشاركة في دعم قيام اتحاد النقابات المستقلة، وتنظيم ندوات بمناسبة عيد العمال شاركت فيها شخصيات يسارية، في سياق تأسيس خطاب فكري وسياسي ونضالي يمنح الحركة العمالية الصاعدة، الشرعية والدعم والأطر البرامجية.
النشاط الرئيسي للطلائع العمالية ومناضلي المنابر اليسارية الجديدة، كان في محيط مبنى إدارة «شركة مناجم الفوسفات» المخصخصة؛ اعتلى عدد من العمال والطلاب سطحه، وأسدلوا العلم الوطني على واجهته، بينما تعالت الهتافات المطالبة بإعادة تأميم الفوسفات الذي يعد الثروة المنجمية والصناعية الأساسية في البلاد، ويقدّر العائد السنوي المنهوب منها بأكثر من مليار دولار.
مرة أخرى، شق الهتاف اليساري عنان السماء في عمان: «المناجم للعمال مش لعصابة راس المال».



نقاش مع سعد الله مزرعاني: معركة التحرر الوطني والديمـوقراطية المضادة





سعدت بتعليق رفيقنا الكبير، سعد الله مزرعاني، على طروحاتي في «الأخبار»، لكنني انزعجتُ لما ظهر في ذلك التعليق من سوء فهم أجبرني على العودة إلى نصوصي، فوجدتها واضحة ومحكمة، ثم أسفتُ لأنّ رفيقنا، في الحقيقة، ساجل فكرة ليست لي، متجاهلاً الاقتراح الحيّ «للديموقراطية المضادة». وما زلت أودّ، بالطبع، أن ينقد ذلك الاقتراح.
في الفقرة الأخيرة من تعليقه، خلط الرفيق مزرعاني الأفكار ببعضها، فلم نعد نعرف ما إذا كانت «منجزات الانتخابات البرجوازية» هي التي يراها الرفيق «ذات طبيعة قيمية مطلقة» ام هي «كرامة الإنسان وحقوقه الأولية والطبيعية»؟ أولاً، إنّ منطلق اطروحتي هو إنهاء هذا النوع من الخلط بين الانتخابات التي ليست، كمنجز تاريخي، ذات قيمة مطلقة، كما يرى الليبراليون، بل موقوتة ومرهونة بشروطها الاجتماعية والسياسية العيانية، وبين قيم الكرامة الإنسانية والحريات، بما فيها حرية العقيدة والفكر والثقافة والسلوك الفردي، كما حرية النقد والاحتجاج والتنظيم المدني السلمي الخ. ولا أعتبر هذه، كماركسي، «قيماً طبيعية»، بل مبادئ اجتماعية تقدمية ينبغي الدفاع عنها دائماً، في ظل حكومة برجوازية أو حكومة عمالية اشتراكية.
نزع القداسة عن صناديق الاقتراع هو مهمة اساسية لليسار، لا تتعارض مع المشاركة في الانتخابات والنضال البرلماني، ولا تعني إدارة الظهر لهما، بل استخدامهما، دائماً وفي أسوأ الشروط، وفي ظل أسوأ الأنظمة الانتخابية، منابر للدعاية السياسية والتحشيد وبناء القوة التنظيمية والجماهيرية اليسارية. كذلك، فإنّ النضال لتطوير العملية الانتخابية مهمة مطروحة دائماً بما يسمح بتوسيع تمثيل القوى التقدمية في البرلمان.
لكن ما ذهبتُ إليه في أطروحتي هو أنّ البرلمانية ليست ولا يمكن أن تكون محور العمل السياسي لليسار حتى في البلدان التي تتيسر فيها، في شروط تاريخية عيانية، فرص الفوز بالأغلبية النيابية. محور العمل اليساري هو تنظيم الكتلة العمالية وتوطيد أجهزتها السياسية وهيئاتها النقابية وبناء وعي جماهيرها التقدمي والدفاع المستمر عن مصالحها ضد كلّ استغلال وكل امتياز وكل قهر، وتطويرها ثقافياً وجمالياً.
أرجو أن تكون الالتباسات قد زالت من فهم الرفيق مزرعاني لنصوصي، فلا يعود يرى فيها «تحريضاً لليسار ضد الديموقراطية»! كيف يا رفيق؟ وما الذي، عند اليسار الحالي، ليفعله ضد الديموقراطية؟
نحن نتحدث عن ديموقراطية بديلة، مضادة، أي غير مقيّدة بشروط السياسة البرجوازية، ديموقراطية من تحت، مستمرة تؤصّل الحق الاجتماعي في الاحتجاج حتى، بل تحديداً في ظل حكومة اشتراكية، لأنّني، كمادي، لا أركن إلى أخلاقيات اي بيروقراطية في الإدارة، بل إلى قوة التنظيم الشعبي القادر على النقد والاحتجاج ومنع التعديات. لكنّنا اليوم في مرحلة العدوان المستمر للكمبرادورية على الفئات الشعبية، مرحلة الاستيلاء لا على فائض القيمة فقط، بل على الثروات الوطنية والموارد والأرض والمياه الخ.، وهو عدوان من الشراسة والشمول والإحكام والمثابرة، بحيث لا ينفع معه تركه للبيروقراطيات البرلمانية أو النقابية او الحزبية، وإنما على اليسار أن يؤسس للمستغلين والمُضامين شرعية الحق في الاحتجاج، وتنظيم صفوفهم للدفاع عن حقوقهم وكراماتهم. وهذا ما أسميه الديموقراطية المضادة التي استقينا روحها وشكلها من نضال الهيئات الشعبية في المحافظات الأردنية التي لم تتشكل بالتعيين ولا بالانتخاب، بل بالتطوّع لأداء مهمات نضالية اجتماعية، جنباً إلى جنب مع السعي إلى التعبير عن المطالب ذات الطابع الوطني العام. وحركية تشكيل هذه الهيئات هي صيغة أرقى من الانتخاب، لأنّ الموقع القيادي فيها مرتبط بالقدرة النضالية والالتزام السياسي والأخلاقي، وهو موقع غير دائم وغير محصّن، ويتم شطبه فورياً لدى ظهور علامات التراجع عن المبادئ أو حتى التراجع عن المواقف المجمَع عليها، أو حين يظهر التكاسل أو العزوف الخ.
وأختم بملاحظتين، الأولى تتعلق بالدولة المدنية العلمانية، التي أراها شرطاً للحريات ــ ومنها حرية العقيدة والسلوك الشخصي ــ ويرى الرفيق مزرعاني في هذا الربط، «إرادوية». كلا، بل هو ربط موضوعي تجريبي. لا ديموقراطية من دون حريات، ولا حريات في ظل صناديق اقتراع تنتج سيطرة فاشية أو دينية او عقيدية شمولية تقترح على الإنسان طعامه ولباسه وشرابه وأفكاره وجمالياته ورغباته الخ.
وتتعلق الملاحظة الثانية بما سماه الرفيق «سلبيات الإمبريالية ووكلائها». ليس للإمبرياليين ووكلائهم سلبيات يا رفيق، بل لهم مخالب عدوانية مدججة بالسلاح، ولسنا معهم في سجال، بل في معركة، هي معركة التحرر الوطني الاجتماعي. وهذه المعركة هي السياق الموضوعي للديموقراطية المضادة، بينما يقترح الليبراليون، بمن فيهم «يساريون»، ديموقراطية منفصلة عن سياقها الوطني والاجتماعي، ديموقراطية هي نهاية التاريخ في ظل السيطرة الإمبريالية والكمبرادورية، بل حتى في ظل الاحتلال.