هناك استراتيجيات عديدة تُقتبس من ميدان علم النفس الاجتماعي تعتمدها السلطة الرابعة، وأيّة سلطة، الغرض منها تزييف وعي الشعوب وتحشيد وتطويع البشر لمآرب ورغبات أسياد القرار وأولياء النعمة. هذه الاستراتيجيات تتدرج من التسلية والإلهاء المبتذل إلى التجهيل والتسفيه (وهناك من يقول ــ مع عدم المواخذة ــ التجييش والتجحيش).


في بعض الحالات، وحين يكون الهدف ابعاد المشاهد او القارئ عن القضايا والمعارف الأساسية والتعمق في الحقائق، تعمد وسائل الإعلام ــ وبخاصة السمعية والبصرية ــ إلى تقديم برامج تسفه العقل والتفكير مستدعية الغرائز المكبوتة وتحريض العواطف. فالسلطة السياسية، على سبيل المثال، عندما تريد تشديد القبضة الأمنية، تلجأ إلى القيام بأعمال مروعة، تعزوها لأطراف بعينها تتم شيطنتها، عبر الاعلام بالطبع، على أساس مسؤوليتها عن الأعمال العنفية المرتكبة. هكذا يصبح من السهل، لا بل المطلوب الاقتصاص منها بشدة. أما عندما يراد تطبيق مخطط لضرب المكتسبات الاجتماعية وتفكيك دور المؤسسات المنوطة بها، فيمكن التخويف من أزمة اقتصادية تعصف بالبلد والتحفيز على المطالبة بإجراءات عاجلة لاستدراك ذلك. وقد تأتي الاجراءات بالتدريج، لتجنيب رفضها لو طبقت بنحو مفاجئ أو تعسفي. كذلك يمكن فرضها بعرضها كقضية شائكة، لكن ضرورية لتحسين الأوضاع لو طبقت بعد حين. أي ليس الآن، بما يُشعر المرء بأنّه حتى ذلك الوقت لكل حادث حديث.
تدرك هذه السلطات أنّه لفرض القبول بالشيء المطلوب، يجب التوجه للعامة وكأنّها تخاطب أطفالاً دون كبير ادراك. ما يعني أنّها تتوجه إلى مشاعرهم وعواطفهم وليس فكرهم. والعواطف كما هو معروف، هي المعبر الأفضل لللاوعي، بما يحتويه من رغبات ومخاوف وما لا يمكن السيطرة عليه بسهولة. الأمر الذي يفضي إلى التجهيل والاحتواء من أجل التسيير بالاتجاه الذي يرسمه المختصون وأصحاب القرار.
هذه الاستراتيجيات، إذ تنسل للجماهير، فلأنّها أيضاً تريح أعصابهم وتعفيهم من التفكير. الأمر الذي قد يستدعي بالمقابل شعوراً بالمسؤولية لما آلت اليه الحال، بحيث لا ملامة سوى على الذات. والشعور باضمحلال صورة الذات يحيل المرء لحالة من الاحباط وعدم القدرة على مقاومة الواقع المعاش. وهو الوضع الذي كانت عليه الشعوب العربية، في غالبيتها، قبل اشتعال الثورات. وهو نفسه ما اتخوف من عودته بعد أن يتسرب إلى النفوس شعور بأنّ العصيان والتمرد والنضال لتغيير الواقع، لم تجدِ شيئاً عندما استبدلت سيئين قدامى بجدد.. إضافة إلى المرارة من ضياع دم الضحايا هدراً وتبخر الجهود لمصلحة من ركب الثورات ضد مصلحة الشعوب.
لكن هذه الاستراتيجيات الإعلامية، وإن نجحت في بعض الأحيان، فهي لا تفلح دوماً. هناك استفادة من العبر والدروس، كما ممن يقفون من وسائل الإعلام والخبراء والمعلقين على الجانب الآخر من الحقيقة. خاصة وأنّ خطوط الانترنت متاحة لكل راغب بالاستزادة من المعرفة. انكشاف الحقيقة ذلك، يؤدي للطعن بصدقية الفاعل، وينسحب على سائر ما تبقى من معلومة يقدمها مهما كانت موضوعية. لقد وصل الأمر إلى حرب شرسة بين أطراف متصارعة، تعتمد على جيوش من متخصصين في المعلوماتية، لتشكيل درع دفاعي هجومي يراقب ويغزو المواقع المؤيدة للطرف الآخر بمعلومات مضادة. الأمر الذي رسم الكثير من التساؤلات وبرر التشكيك بصدقية عدد من القنوات العربية والأجنبية والمواقع الالكترونية، لا بل ووكالات الأنباء الغربية عندما لم يتسنّ لها التحقق من المعطيات. لقد برز تزييف الوعي كمظهر أساسي من مظاهر الثورة المضادة، مع تركيز قنوات معينة على أحداث وبلدان بعينها، مقابل تغاض فاضح عن بلدان أخرى وأحداث لا تقل أهمية. يترافق ذلك مع استضافة ألوان إيديولوجية ومذهبية محددة وإبراز شخصيات لاتجاهات معينة، لقاء التعمية على غيرها وكأنّها غير موجودة في الساحة الفكرية والنضالية رغم كونها في أساس هذه الثورات. التوجه السياسي للممولين، والتدخل الخارجي في السياسات الاعلامية والبرامج وحتى المفردات لكثير من وسائل الاعلام، طرح بالتالي السؤال عن الموضوعية والتجرد والحيادية في آلية نقل الخبر، الذي بدا وكأنّه يدار من غرفة عمليات واحدة.
واحدة من هذه القنوات التي تكشف دورها للعيان، بعدما كانت قد أحدثت انقلاباً بالمشهد الاعلامي العربي منذ نشأتها أواخر 1996، وجعلت الكثيرين يحبذونها دون غيرها، هي فضائية «الجزيرة». لقد لعبت القناة للأسف دوراً متحيزاً وتآمرياً، بان بشكل واضح وفاضح منذ بدء الثورات العربية بنوع خاص. حدث ذلك عبر اللجوء لمعادلة «أطعم الفم تكسر العين»، وشراء المواقف، واستدعاء من يمكن أن يقيّد نفسه بسياسة المحطة، إن لم يكن أصلاً يتساوق معها. هكذا غاب شيئاً فشيئاً الكثير من الضيوف المتميزين عن شاشتها، لكونهم لا ينسجمون وخطها الاعلامي. ذهب استفزاز المشاهد بعيداً، عندما جرى التأكد من التلاعب ببعض الأفلام المبثوثة، أو التدخل بشكل فظ عبر اسئلة مقدم الأخبار أو البرامج لفرض جواب دون غيره على الضيف، وغيره من ألاعيب لم تعد تنطوي على المتابع، وأبعدت الكثير من المشاهدين عنها. لقد اتبعت سياسات محددة خضعت لأجندات ذات مرجعية إيديولوجية واستراتيجية، تربط بين الحدث وتعزيز الهيمنة.
فلو نأخذ مثال الثورة السورية، نلاحظ كيف أخرجت هذه القناة، مثل القنوات السعودية («العربية» مثالاً) والخليجية بنوع خاص، فكرة أنّ الإنسان السوري غير قادر على تحرير نفسه بنفسه، وأنّ السلمية بضاعة غير قادرة على مواجهة التوحش الأمني المسلح، وأنّ التدخل الخارجي ضرورة إنسانية وتحررية معاً. فطن الكثيرون دون شك كيف تمّ التسويق لفرز متحدث باسم الحراك الاجتماعي من مجموعات محددة لم نسمع لها شهيداً واحداً، في حين أنّ تجمعات أخرى قدمت عشرات الشهداء لم تستضفها تلك القنوات يوماً. تنبهوا لعمليات تلفيق شهود عيان معظمهم خارج سوريا، ولإيجاد مجلس معارض مكوّن من فوق بإشراف دولي وبضمانات معطاة سلفاً، تفادياً لدعم أشخاص ومؤسسات تشكل خطراً على أمن واستقرار حلفاء الناتو. لم تفت أحداً عملية تشويه سمعة المناضلين ذوي التاريخ، لصالح أسماء دون تاريخ أو لون أو طعم أو رائحة، ما عدا رائحة النفط. لقد أدرك الناس مقدار إدخال الطائفية والمذهبية في خطاب الثورة العربية، والترويج لمحور سنّي في مواجهة هلال شيعي، بدل الحديث عن دولة ديموقراطية مدنية في وجه دولة ديكتاتورية. كذلك شهدوا على تحويل الصراع من مقاومة ضد الاستبداد والفساد داخل سوريا إلى صراع على سوريا، وعلى تسطيح الخطاب السياسي مع جعل الشعبوية نبراساً للتحليل عوضاً عن أن تكون موضوعاً له.
في رد فعل على هذا الانحدار، واحدة من الذين انتفضوا ضد هذا التلاعب والتعمية كانت الفنانة وردة الجزائرية التي صرحت بأنّ «قناة «الجزيرة» القطرية وموظفيها وعامليها يتحملون مسؤولية قتل آلاف الليبيين ومحاولة قتل أقصى ما يمكن من أرواح الأبرياء في سوريا عبر استخدام الإعلام وسيلة دمار شامل في إثارة الفتن ونشر الأكاذيب». ربما من الانصاف والأجدى عدم تعميم هذا السخط على جميع العاملين في هذه القناة، إذ يبدو سوء أوضاع بعضهم النفسية على محياهم وفي حركاتهم وطريقة نطق كلماتهم وانتقاء تعابيرهم، بموازاة آخرين أكثر استعراضية أو استفزازية عند تلاوة خبر، دون تأثر باد على وجوههم رغم محتواه بالنظر لكمية الفظائع والأهوال المنقولة يومياً.
هناك من المراقبين العرب، الذين ذهبوا في بعثة جامعة الدول العربية إلى سوريا، من أعلنوا انّهم كانوا موضوع استهداف من قبل المسلحين، فتعرضوا لحملة تحريض إعلامي مارسته تحديداً قناة «الجزيرة» على مهمتهم. بالطبع لا هؤلاء ولا غيرهم ظهر على شاشتها ليتكلم عن مشاهداته، سوى ذلك المراقب الذي خرج، أو أخرج، بعد أيام من وصول بعثة المراقبة لسوريا على قناة «الجزيرة»، ليطلق من التصريحات ما يتوافق ويخدم اغراض من يدير سياساتها في معركة لي الذراع مع النظام السوري. وهي ليست وحدها من شرّعت للأسف أبوابها له، مع الاصرار على عدم ابراز الرأي الآخر، بل فعل الشيء نفسه الكثيرون غيرها من محطات أوروبية وممن يتناغمون مع خطها في هذه القضية.
في دراسة أصدرتها «مؤسسة راند» الصهيونية في 2005، بعنوان «هل استراتيجياتنا لمواجهة الإرهاب تضاهي التهديد؟»، اقترح بروس هوفمان على الحكومة الأميركية أن تستغل قناة «الجزيرة» لترسل من خلالها رسالة للعرب والمسلمين لمواجهة ما سماه الإرهاب الإسلامي وتصوراتهم الخاطئة، وذلك بدلاً من التعويل على محطة «الحرّة» أو «راديو سوا»، غير المقبولين من هذه الجماهير. يدل ذلك أيضاً على أنّ تلك التغطية محكومة بسياسات إعلامية ورقابة أميركية دقيقة تكرس لنقل وجهة النظر الأميركية وليس الحقيقة. فـ«الجزيرة»، كما كشفت إحدى الوثائق المنشورة لموقع ويكيليكس، كانت تتسلم بشخص مدير شبكتها (وضاح خنفر قبل اضطراره للاستقالة)، من الاستخبارات العسكرية الأميركية تقريراً شهرياً توجهه فيه عن أخطائه وسلبياته، وعما يجب بثه وما لا يجب. ويبدو أنّ «شعبة التضليل الإعلامي» التي أقامها البنتاغون في 2003، قبل الهجوم على العراق (نذكر كيف أنّ سقوط بغداد الإعلامي كان قد أعلن قبل احتلالها الفعلي) ما تزال تقوم بالمهمات نفسها، وإن تغيرت تسميتها اليوم.

أجندات سياسية في الخلفية

عبر أدواته الاعلامية وأذرعه الاخطبوطية المختلفة، برز إذاً جلياً الدور القطري التصفوي للقضايا القومية العربية والدولة المدنية الديموقراطية. أما المملكة العربية السعودية، وإن بدا دورها أحياناً أكثر خفوتاً، فقد أنفقت، كما ينقل، 130 مليار دولار «لتهدئة الربيع العربي» (وكلمة تهدئة هنا شديدة التهذيب قياساً بما ألحقته سياساتها من أضرار بالشعوب المنتفضة لاسترداد حريتها وكرامتها). من مآسي القدر أنّ هذه الإمارات والممالك، التي تفتقر لأبسط متطلبات الإصلاح ومرتكزات الأنظمة الديموقراطية المتعارف عليها، وتمارس انتهاكات يومية لحقوق الإنسان، هي الآن من تقدم نفسها داعية للإصلاح والديموقراطية وحامية لحقوق الإنسان في البلدان العربية. لقد استغلت الظروف العربية المتردية والحراك الجماهيري المشروع لجعلها مدخلاً لصراعات إقليمية ودولية تجهض النضال للديموقراطية وتمعن في تقسيم المقسم.
مما يلقي الضوء على ذلك، ما ذكرته صحيفة «يديعوت احرونوت» الإسرائيلية (ولم يجر تكذيبه) عن أنّ دولة قطر قد وقّعت مع الإدارة الأميركية اتفاقاً يدخل من باب المشاريع الخاصة المتعلقة بالملاعب والمنشآت الرياضية التي ستقوم قطر بإشادتها لنهائيات كأس العالم 2022. خطورة الاتفاق، إن صح ما ذكر، لا تكمن فقط في أنّ هذه الاستثمارات الجديدة في قطاعي النفط والطاقة القطريين تسمح للقوة العظمى بالعمل غير المشروط في مجال الإعلام خلال فترة المونديال. بل إنّ بيت القصيد هو البنود الخاصة في الاتفاق التي لا علاقة لها بالمونديال والتي يراد لقطر أن تنفّذها في الشرق الأوسط. ليس أهم هذه البنود أن تعمل قطر على تعزيز دورها القيادي في المنطقة عبر بناء علاقات مباشرة ومميزة مع سوريا ولبنان وتركيا وحزب الله وحركة حماس والجهاد الإسلامي من خلال إقامة مشاريع كبرى سكنية واستثمارية، أو أن تضغط على تركيا ورئيس وزرائها لمقاطعة سوريا عبر ملف الأكراد وحزب العمال الكردستاني وغيره. بل الاهم هو توسيع النشاط الإعلامي بخلق قنوات جديدة، منها الإذاعية ،في دول عربية متفرقة، وتعزيز دور قناة «الجزيرة» عبر تغطيات لملفات حساسة عن الدول العربية، وفق مخططات تقدم من مؤسسات إعلامية أميركية متخصصة. العمل الاعلامي هذا يهدف إلى نشر الفوضى في الوطن العربي، من خلال نشر ملفات تتعلق بالفساد وتحسيس الشعب العربي بقضايا ومطالب لتجمعات تعتبر مضطهدة. ذلك إضافة إلى التحكم بالإنتاج النفطي وتوقيع صفقات مالية كبيرة مع دول عربية للسيطرة على أراض وقطاعات اقتصادية مهمة، واستخدامها «مراكز تجسس» أثناء تنفيذ المشاريع الاستثمارية التي يجب أن تكون «مدتها الزمنية مفتوحة». ويحق للولايات المتحدة الأميركية إلغاء هذا الاتفاق في أي وقت يثبت فيه عدم قيام قطر بالدور المطلوب منها. كذلك يحق لها إضافة بنود أخرى إلى الاتفاق في المرحلة المقبلة، مقابل مبالغ مادية يتم الاتفاق عليها تدفعها الولايات المتحدة للعائلة الحاكمة.
إنّها، كما نرى، استراتيجية متماسكة ومتكاملة، لا تبلور فحسب دور السمسار الإقليمي، بل تقتل فكرة الثورة في الممالك والإمارات. فالخارج الذي يحتاج إليه الشعب هو في خدمة عروش الصمت، والمال السياسي محصور بيد الحكام، والناتو موجود بفضلهم في قواعد تملأ دول الخليج، ولا إمكانية بالتالي للثورة في مجلس التعاون الخليجي إلا بالاعتماد على «الرافضة والزنادقة». وعليه، فالحديث عن دور الإعلام كركن من أركان الثورة المضادة يستحق مراجعات وتتبعاً أكبر، لكون دوره يبرز ويتوضح أكثر فأكثر مع قدرته، ليس فقط على دفع الناس للعنف والتسلح، بل إعادة انتاج المجاهدين الأفغان في الوطن العربي. ذلك انطلاقاً من أن أي إعلام بلا حدود ينتج مقاتلين لا حدود لهم، وحيث يراد لهذا النموذج أن يشغل المكان بدلاً من آخر وسطي غير دوغمائي، يتعايش مع الجميع في دول تعددية الايديولوجيات والمذاهب والأعراق. الأمر الذي يؤسس لبركان قادم، يعيد دون أدنى شك الأوضاع المتفجرة مجدداً للمربع الأول.
* رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان في باريس