شكّلت التجربة التونسية في مجال الانتصار لحقوق النساء حالة متفرّدة بين الحركات النسائية العربية. فقد كان لموطن الطاهر الحداد موقع الريادة في سن تشريعات تقدمية كرّست باكراً المساواة بين الرجال والنساء، بدءاً بقانون إلغاء الرق في 1842، وصولاً إلى أول تشريع أرسى قيم العلمانية وحقوق الإنسان، في 1857، من خلال «المساواة الكاملة بين الأجناس والملل». ومهّد الفكر الإصلاحي، الذي تأسس آنذاك، على أيدي خير الدين باشا وأحمد بن أبي الضياف، لظهور كتاب الطاهر الحداد المرجعي «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»(1930)، الذي عُدّ منعطفاً حاسماً في مسيرة التحديث التونسية.


فبعد عامين من صدوره، تأسست أول جمعية نسائية عربية، وهي «جمعية السيدات المسلمات الخيرية»، التي أدّت دوراً بارزاً في تأطير النساء وتجنيدهنّ ضمن الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي. واعترافاً بتلك الإسهامات النسائية في النضال الوطني، سنّ الرئيس الحبيب بورقيبة، غداة استقلال تونس، في 1956، مجلة (قانون) الأحوال الشخصية، التي كرّست حقوق النساء في المساواة الشاملة مع الرجال، ولا تزال إلى اليوم التشريع الوحيد في العالم الإسلامي الذي يحظر تعدد الزوجات.
لكن وصول الإسلاميين إلى الحكم في تونس، بعد «ثورة الكرامة»، أفرز تيارات متشددة تسعى إلى إحداث ردّة عن مكتسبات العصرنة في البلاد، الأمر الذي يضع الحركات النسائية أمام تحديات وتهديدات من نوع جديد. وهو ما تُحدِّثنا عنه المناضلة الحقوقية بشرى بلحاج حميدة، التي ترأس «الجمعية التونسية للنساء الديموقراطيات»، وهي جمعية عريقة تأسّست في 1989، وقامت بدور مشهود في مقارعة الاستبداد خلال عهد الطاغية المخلوع بن علي. وتتصدى اليوم لمن يريدون «استغلال فضاء الحرية الذي حققته الثورة، لجرّ تونس نحو أشكال جديدة من الاستبداد».
تضع بشرى بلحاج حميدة في أولوية نضالاتها حالياً مطلب «دسترة حقوق النساء»، أي إدراج المكتسبات التي نالتها التونسيات على مدى عقود من النضال في الدستور الجديد للثورة التونسية، حتى لا تكون محل تشكيك أو تلاعب من قبل الحكومات المتعاقبة. وتقول: «دسترة حقوق النساء مطلب قديم طالبنا به منذ أواخر السبعينيات، مع بروز الحركة النسوية، باعتبار الدستور المرجع الأساس في التشريع والممارسة السياسية والإدارية والمجتمعية. وكنا قد أثرنا الموضوع في «جمعية النساء الديموقراطيات»، أثناء محاولة «تنقيح الدستور»، في 2002. اعترضنا آنذاك على تعديل الدستور للسماح بإعادة ترشيح بن علي للرئاسة، وطالبنا في الوقت نفسه بأنّه في حالة إجراء تنقيح للدستور أن يكون التعديل إيجابياً، وأن يتضمن بنوداً تكرس مكتسبات العصرنة، وتنص صراحة على المساواة بين الرجال والنساء». وتضيف: «اليوم، بعد الثورة، نحن نعيش مرحلة التأسيس للجمهورية التونسية الثانية، من الطبيعي أن نطالب بإدراج حقوق النساء ضمن الدستور الذي يعدّه المجلس التأسيسي، لأنّ تضمين حقوق النساء في الدستور هو الوسيلة الأكثر جذرية لإحداث قطيعة مع منظومة التمييز والقمع والتهميش والمظالم ضد النساء، وتضع حداً للمخاوف من أي ردة أو التراجع عن المكتساب النسائية أو التشكيك فيها ...».
لم تكتف الحركة النسائية التونسية بالأشكال المطلبية التقليدية في مسعاها لـ«دسترة حقوق النساء»، بل قامت أخيراً بإنشاء «مجلس تأسيسي مواز». وتقول بشرى بلحاج حميدة، التي أُسندت إليها رئاسة هذا المجلس: «هذه حركة رمزية قوية تنم عن هامش الحرية الواسع الذي نعيشه اليوم، والذي يمنحنا الفرصة للتدرب على مختلف أشكال العمل الديموقراطية، والسعي إلى ابتكار أشكال جديدة للنضال والتعبير عن مطالبنا». أما عن أهداف المبادرة، فتقول: «نريد تبليغ المجلس التأسيسي الفعلي برسالة مفادها أنّنا كنساء نمثل قوة اقتراح يجب أخذها في الحسبان. وانطلاقاً من تجاربنا النضالية كجمعية نسائية يمتد عمرها لأكثر من ربع قرن، نطرح على المجلس حزمة متكاملة من المطالب التي تعكس انشغالات النساء وطموحاتهن، وذلك بالاستناد إلى المبادئ والقيم التي قامت عليها الثورة، أي شجب الظلم والفوارق الاجتماعية وكلّ أشكال القهر والتمييز، والمطالبة بمرجعية مشتركة على أساس المساواة والمواطنة والكرامة. من هذا المنظور، نطالب بالحقوق الأساسية للنساء، على اختلاف انتماءاتهن السياسية والطبقية والجهوية. ويشمل ذلك الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية والصحية. كما نحمل أيضاً مقترحات ملموسة، تندرج ضمن أطر تكريس دولة القانون وحماية الحريات العامة. وتتعلق هذه المقترحات بوضع آليات تضمن القضاء على كلّ أشكال التمييز بين الجنسين، ومحاربة مختلف أنواع العنف المسلط على النساء. ونحن نطالب بأن يتضمن دستور تونس الثورة التزاماً صريحاً بتفعيل هذه الآليات لضمان حقوق النساء، وجعلها حقوقاً دستورية ...».
وصول إسلاميي «النهضة» إلى الحكم يضع الحركات النسوية التونسية أمام تحديات جديدة، تقول بلحاج حميدة. لكنّها تستدرك قائلة: «الإسلاميون ليسوا وحدهم اليوم في الحكم، بل معهم أحزاب أخرى غير إسلامية. ونحن نرى أنّ الأهم ليس من هو في الحكم، بل طبيعة نظام الحكم. لقد تخلصنا من استبداد النظام السابق. ولدينا اليوم هامش واسع من الحرية للنشاط والتواصل مع النساء في كلّ المناطق التونسية. لكن هذا لا يعني أنّ المهمة ستكون أسهل، فكوننا الآن أمام حكومة لها شرعية انتخابية حقيقية يتطلب منا قدراً أكبر من المهنية والحرفية من أجل تجذير مطالبنا في المجتمع لقطع الطريق أمام أي محاولات لضرب المكتسبات التي تحققت في بلادنا منذ الاستقلال، وخاصة أنّ التيارات الإسلامية تسعى منذ قيام الثورة إلى تشويه الحركة النسوية والطعن في تاريخها النضالي، من خلال خطاب شعبوي يحاول تعبئة الناس البسطاء ضد النخب، تمهيداً لضرب مكتسبات العصرنة التونسية».
أما عما تشهده تونس من ردّة اجتماعية وعدائية ظاهرة تجاه الحركات المطلبية النسائية، فتقول بلحاج حميدة: «هذه العدائية نشأت في ظلّ النظام السابق، إذ وظف الديكتاتور موضوع العصرنة وحقوق النساء لتبييض صورته أمام الغرب، وتبرير خياراته الأمنية الاستبدادية. وفي غياب الديموقراطية وحرية التعبير، شكلت قضية النساء وكرة القدم متنفسات، كان الشعب التونسي يعبّر من خلالهما عن سخطه على النظام الحاكم. ولا يجب أن ننسى أنّ زوجة الديكتاتور المخلوع كانت تحاول الظهور بصورة المرأة العصرية المدافعة عن حقوق النساء وعن مجلة (قانون) الأحوال الشخصية الموروث عن عهد بورقيبة. وهذا أدى إلى التباس صورة المرأة العصرية، وارتباطها في أذهان الناس البسطاء بصورة ليلى بن علي التي كانت رمزاً للفساد والبذاءة والوقاحة». وتضيف: «يجب ألا ننسى أيضاً ما تقوم به بعض وسائل الإعلام المموّلة من قبل دول الخليج من تشويه متعمد لصورة النساء التونسيات، وتقديمهن على أساس أنّهن متغربات ومستلبات فكرياً. والهدف من ذلك بالطبع هو تشويه مكتسبات النساء في تونس، خوفاً من انتقال «عدوى التحرر» إلى النساء الخليجيات، وخاصة أنّ غالبية الحركات النسائية العربية ترى في النموذج النسائي التونسي غايتها المنشودة في تحقيق الكرامة والمساواة والتحرر من القهر والتمييز ...».
منذ قيام الثورة، لم تعد حملات التشويه التي تتعرض لها الحركات النسائية التونسية تأتي من دول الخليج فحسب، بل صارت تشن من داخل تونس، عبر شبكات التواصل الاجتماعي التي استحوذ عليها الإسلاميون المتشددون، ومن خلال التصريحات الزئبقية لرموز السلطة الجديدة، التي تسعى إلى مداهنة التيارات الأكثر تشدداً من خلال التهجم على الجمعيات النسائية، وهو الأمر الذي ترى فيه بلحاج حميدة «حملة منهجية وشديدة التنظيم، تسخّر لها التيارات النتشددة إمكانيات وطاقات كبيرة. والهدف تزييف تاريخ بلادنا، وتشويه سمعة الحركة النسائية في تونس من أجل تهميش مناضلاتها وإقصائهنّ من الفضاءات العامة التي تخوّلهن التأثير في الحياة السياسية. والسلطة الجديدة حين تفعل هذا تعيد إنتاج ممارسات النظام السابق وألاعيبه». وتضيف: «من يتابع تصريحات حركة «النهضة» بخصوص تعدد الزوجات أو الزواج العرفي، يدرك أنّها تصريحات غير مسؤولة تتلاعب بمستقبل تونس وتخلّ بمكانتها الرائدة. وقيادات «النهضة» تريد من خلال ذلك طمأنة قواعدها المتشددة، وفي الوقت نفسه تحاول إلهاء الرأي العام التونسي عن المشاكل الحقيقية التي تنخر مجتمعنا، كالفقر والبطالة والتفاوت الجهوي والطبقي والعنف السياسي والاجتماعي بمختلف أشكاله ...».
* كاتب تونسي