عادة، عند الاحتفاء «بالثورات العربية»، تجري مقارنتها بثورات تاريخية، مثل الثورة الفرنسية في 1789، أو ثورات 1830 وثورات 1848، او بتجارب ثورية اختبرها الوطن العربي سابقاً، ان من حيث عوامل تفجرها او إجهاضها. لكن في زمن التداخل الاقتصادي المركب، لا تبدو هذه المقارنة قادرة على أن تكشف لنا ما ستؤول اليه الاوضاع الثورية. كيف يجري الانقلاب على الثورة، أو بعبارة اخرى كيف تُسرق الثورة؟ تبدو تجربتا حركة التضامن في بولندا والمؤتمر الوطني الافريقي في جنوب أفريقيا، قادرتين على أن تكشفا لنا كيف تسرق ثورة «الغلابة» في ظل الاقتصاد المعولم، حيث يستكمل الثوار أنفسهم الثورة المضادة، حين تستبدل ثقة الجماهير (الناخب) بثقة الاسواق المالية. انتهى حلم «حركة التضامن» في بولندا بمجرد ظفرها بالسلطة السياسية. فهذه الحركة التي أسستها اليد العاملة، وصلت الى السلطة ببرنامج اقتصادي يقوم على استرجاع ملكية العامل التي سلبتها اياها الشيوعية القمعية. لكن صدمة السلطة كانت فعلاً مروعة «للتضامن»، فهي وإن أنهت القمع الشيوعي، عادت الى تبنّي خطة اقتصادية تتناقض جذرياً مع ما نادت به طويلاً. وبمفارقة لافتة، فإنّ الخطة الاقتصادية التي تبنتها حكومة التضامن كانت من اعداد جيفري ساكس، الذي كان قد بدأ العمل قبل انتصار الحركة في الانتخابات بناءً على طلب النظام الشيوعي. وجد قادة التضامن أنفسهم امام واقع اقتصادي متدهور، ينزلق سريعاً نحو الفوضى، مما دفعهم إلى التوجه نحو المؤسسات المالية الدولية، بعد تبني خطة جيفري ساكس الاقتصادية، فجرى ربط تمويل قروض بولندا بتبنيها المسبق لخطة ساكس، التي تنص على خصخصة الصناعة الرسمية وتأمين سوق لصرف العملة والأرصدة، اصدار عملة قابلة للتحويل، والانتقال من الصناعة الثقيلة الى صناعة المواد الاستهلاكية.

لكن مرحلة الألم لم تكن مؤقتة كما وعد جيفري ساكس، فقد أدت برامج الخصخصة الشاملة، وتحرير الاسعار والخفض المفاجئ للإعانات المالية، الى إحداث انهيار اقتصادي كلي، مما أوصل البلاد الى مستويات معيشة أدنى من تلك التي كانت سائدة في ايام الشيوعية.
لقد حوّلت الاصلاحات الاقتصادية الجذرية، بدفع من المؤسسات المالية الدولية، الديموقراطية البولندية الوليدة الى مهزلة. فهي لم تعارض فقط ارادة الاغلبية الساحقة من الناخبين، بل اعادت اليهم الاستغلال (الاستبداد) الاقتصادي ولكن بوسائل ديموقراطية.
على عكس «حركة التضامن في بولندا»، لم يكن بوسع «المؤتمر الوطني الافريقي» (نيلسون مانديلا) إنهاء نظام الفصل العنصري عبر الانتخابات فقط. اذ كان لا بد من التفاوض مع الحزب الوطني الحاكم. وبينما كان الجميع مأخوذين بالمفاوضات السياسية، ارتكب المؤتمر الوطني الافريقي خطيئته الكبرى، فقد خضع للأمر الواقع وتنازل عن الاقتصاد مقابل النظام السياسي. عُدّت تلك المقايضة ضرورة برغماتية، إذ لا بد من تهدئة مخاوف الاسواق المالية. ولكسب ثقة الاسواق المالية، كان لا بد من انهاء الماضي الراديكالي للمؤتمر الوطني الافريقي، «فلا شي يجمعنا بالماركسية». هكذا تخلى نيلسون مانديلا عن برامج التأميم التي نادى بها طويلاً، قبل وصوله الى الحكم، ليستبدل ميثاق الحرية الذي على اساسه اختار الناخبين المؤتمر الوطني الافريقي بـ«إجماع واشنطن».
وبرغم تبرير المؤتمر الوطني الافريقي بأنّ التنازلات مهما كانت كبيرة، بالامكان العودة عنها متى استقر المؤتمر الوطني في الحكم، فإن ما لم يدركه المؤتمر الوطني هو أنّ تنازلاته عن «العلم التقني»، كانت تغييراً من طبيعة الديموقراطية ذاتها، إذ بقي سوء استغلال الاقتصاد على حاله، فلم تتجاوز في 2005، حصة السود من الاقتصاد الوطني الخمسة بالمئة، اما عائدات الخصخصة الشاملة التي تبناها المؤتمر الوطني (بديلاً عن برامجه للتأميم) فقد آلت لتسديد الدين الذي راكمه القامعون.
تظهر تجربتا بولندا وجنوب افريقيا قوة الرأسمالية حين تتلبس ثوب الثورة المضادة، فهي تفرض نفسها بنفسها عبر المؤسسات المالية العالمية، لتعيد انتاج الاستبداد الاقتصادي بصورة ديموقراطية. فالدول التي تختبر تجارب ثورية تخرج حكماً منهكة اقتصادياً، بحيث تكون اولوية النظام الجديد تأمين الأموال بهدف ارساء الاستقرار وتجنب الكوارث الاقتصادية. وهذا ما يضعها امام خيارين، اما ان تكافح لاصلاح واقعها الاقتصادي المتردي في عزلة دولية، او ان تلتزم «إجماع واشنطن»، فتتولى المؤسسات المالية الدولية توفير الاموال، عندها تُلقى على عاتق السوق الحرة مهمة احتواء الثورة في الاطار السياسي دون الاقتصادي. لا يرتبط الاخذ بإجماع واشنطن فقط برفض الحركات الثورية الدفين للإيديولوجيات التي تمقت الحرية وتضعها في مرتبة متدنية بعد الاقتصاد، بقدر ما يرتبط باقتران انعدام الخيارات الاقتصادية الاقتصادية البديلة، وبالارتباك الناتج من التغيير السياسي والخوف من تدهور اقتصادي يكاد يكون مؤكداً. هنا تأتي أيديولوجية السوق الحرة «المنتصرة على ما سواها»، فيجري تسويق «اجماع واشنطن» كإيديولوجية تُمكن النظام الجديد من المزج بين التحرر السياسي والديموقراطية مع التحرر الاقتصادي، بحيث يبدو جلياً انّ الرخاء الاقتصادي والديموقراطية سيتحققان بتطبيق «إجماع واشنطن». وانّ جوهر الصيغة الجديدة يكمن في الحرية، اي اسواق حرة وتجارة حرة وصحافة حرة ومؤسسات حرة. بالنتيجة، تدخل الحلول الاقتصادية حيّز السياسات الميكرو ــ اقتصادية، إذ يجب التركيز على الاصلاحات والتصحيحات البنيوية ومراقبة تنفيذها من قبل المؤسسات المالية الدولية، بصرف النظر عن البرامج الاقتصادية التي نودي بها طويلاً قبل الظفر بالسلطة. من المثير للانتباه بعد الانتفاضات الشعبية التي لا تزال تعصف بالعالم العربي، ازدياد الايمان بأيديولوجية السوق المتحررة من القيود كمنهج تنموي لدى النخب الاقتصادية وحركات الاسلام السياسي. إذ يجهد هؤلاء لتبرئة «إجماع واشنطن» من الانتفاضات الشعبية، وأرقام النمو المرتفعة في تونس ومصر قبل اسقاط الانظمة تنعش طروحاتهم. بالتالي «الثورة لم تكن ثورة على الرأسمالية أو شيئاً من هذا القبيل»، ولولا الفساد وغياب العدالة لما حصل ما حصل، حسب تعبير منجي بوغزالة، استاذ الاقتصاد في جامعة المنار التونسية.
وبدل أن تعبر الانظمة الجديدة في مصر وتونس عن رفضها لسياسات «اجماع واشنطن» كتعبير عن الحالة الشعبية التي أسقطت الانظمة القديمة، أكدت التصريحات القاطعة التي صدرت عن قيادات الاخوان المسلمين في مصر، وحركة النهضة الاسلامية في تونس قبولهم لذلك كنموذج تنموي. ولا يتردد رئيس الحكومة الانتقالية في تونس، حمادي الجبالي، في تأكيد التزام حركة النهضة الاسلامية «إجماع واشنطن» في حكمها للبلاد، وكذلك في ربط «تردي الاوضاع الاقتصادية الصعبة في تونس بظاهرة الاعتصامات وقطع الطرقات والاضربات العمالية العشوائية».
أكثر من ذلك، المطلوب حالياً ليس إعادة النظر في سياسات «اجماع واشنطن»، بل المزيد من تلك السياسات. فقد رأى تقرير بعنوان «المرحلة الديموقراطية الانتقالية في مصر، خمس خرافات مهمة حول الاقتصاد والمساعدة الدولية»، لثلاثة مراكز أبحاث كبرى، هي مؤسسة «ليغاتوم» البريطانية و«معهد كارنيغي للسلام الدولي» و«المجلس الاطلسي» (http://carnegieendowment.org/files/Egypts_Democratic_Trans_UK16ppWEB.pdf)، انّ عملية الانتقال الى ديموقراطية ناجحة ومكتملة، تحتاج الى توفير ظروف ملائمة للنمو الاقتصادي ونمو مالي مستدام. وهذا ما يتطلب اصلاحات اقتصادية عاجلة وليست آجلة. ولا يغفل معدو التقرير التحذير من انّ استمرار سياسات الدعم الحكومية ستؤدي الى كارثة اقتصادية في المستقبل القريب. وعلى العكس يجب ان ينصبّ جهد الحكومة الجديدة على استعادة النمو، ما يحتم عليها التركيز على السياسات التي تعيد الثقة للاسواق، وليس الشأن الاجتماعي. تدرك تيارات الاسلام السياسي انّ الثورة في لغة «الغلابة» تترجم بتوفير مياه الشفة، وكهرباء، ومسكن وعمل لائقين، والحصول على الرعاية الصحية الضرورية. لكنّها بتنبي «اجماع واشنطن» كخيار واقعي يمهد لها الحكم ويعكس سلوكاً عقلانياً امام الغرب، لن تلبث طويلاً حتى تردد عبارة أيقونة حركة التضامن البولندية ليخ فاليسا: «من سوء حظنا أننا فزنا».
* باحث لبناني