لا تنص دساتير الدولة العراقية منذ تأسيسها في آب/ أغسطس 1921 حتى الآن، على أية مادة أو فقرة من مادة تُشَرْعِن الطائفية السياسية، أو توجب توزيع المناصب الكبرى والرئيسية في الدولة وفق الانتماء الطائفي الديني، أو حسب الوزن السكاني لهذه الطائفة أو تلك الإثنية. وبالمثل، لا تنص برامج أو دساتير الحزب الذي حكم العراق أربعة عقود متواصلة، «حزب البعث»، على شيء من هذا القبيل. مع ذلك، لا يمكن للمصادفة وحدها أنْ تكون هي السبب الذي جعل ثلاثة ملوك وخمسة رؤساء حكموا العراق قبل غزو 2003 من طائفة العرب السنّة فقط. لا بل إنّ الحاكم العراقي الوحيد الذي عُدّ «لاطائفياً» في نظر قطاعات واسعة من العراقيين، عبد الكريم قاسم، وهو من أسرة متواضعة لأب من العرب السنّة وأم من العرب الشيعة، عومل من طرف خصومه السياسيين، وخصوصاً من اليمين القومي، معاملة الخصم الطائفي الشيعي، وصُنِّفَ حكمه باعتباره حكماً «شعوبياً معادياً للعروبة والإسلام» في الأدبيات القومية والإعلام الحكومي العراقي والعربي طوال عقود. ومعروف أنّ حكم قاسم انتهى نهاية دموية، إثر انقلاب عسكري قادته الجبهة القومية بزعامة البعث، وبالتحالف الوثيق مع الاستخبارات الأميركية في 1963.

في المقابل، وضمن السياق المضموني ذاته، لا ينص الدستور العراقي الحالي، الذي شُرّعَ في عهد الاحتلال الأجنبي، على أيّة مادة، أو فقرة من مادة، تنص على وجوب أن توزع المناصب الكبرى والرئيسية في الدولة بموجب وزن وثقل «المكونات المجتمعية»، وهذا هو الاسم الجديد للطوائف الدينية والأقليات القومية في العراق، لكن، رغم ذلك، حكمت العراق في عهد الاحتلال أربع حكومات كان رؤساؤها جميعاً من العرب الشيعة، فيما ذهبت المناصب الأخرى، كرئاسة الجمهورية، التي أصبحت شرفية إلى العرب السنّة، مرة في عهد غازي إلياور، ومرتين إلى الأكراد، وبقيت رئاسة مجلس النواب في عهدة العرب السُنّة حتى الآن. إنّ المصادفة لا تفسر وحدها استمرار اللون الطائفي الواحد «العربي السنّي» لحكام العراق منذ الاستقلال حتى الغزو الأميركي، وهناك حيثيات كثيرة أخرى تؤكد غلبة هذا اللون الطائفي ذاته في تولي رئاسات الوزارات والمناصب الرفيعة الأخرى في الدولة، ولا تفسر استمرار الحال على ما هي عليه مع انقلاب اللون الطائفي من طائفة إلى أخرى، إذ أصبح المنصب التنفيذي الأول في الدولة من حصة «العرب الشيعة»، منذ الغزو حتى الآن. لذلك أصبح البحث عن تفسير آخر أكثر عقلانية ورصانة ضرورة قصوى في الحاضر العراقي المضطرب. إنّ رفض الاعتراف بوجود طائفية سياسية، يمكن أن نطلق عليها «طائفية الأمر الواقع»، سواء تعلق الأمر بعهد ما قبل الاحتلال أو بعده، لا يفيد أحداً في شيء، كما أنّ الاتكاء على شعار المطالبة بتعديل الدستور، على أهميته وضرورته، لا يعني شيئاً ذا بال على الصعيد العملي. وهو لن يفيد في حلِّ هذا الإشكال والحالة السياسية المتأزمة الناتجة عنه، إذا أجريت بعض العمليات التجميلية السطحية على العملية السياسية، وبالتالي على طبيعة الحكم ومؤسساته، بل عبر تدخل جراحي عميق يستهدف تحويل الحكم القائم من حكم أوامري خارجي، جاء به المحتل الأجنبي، إلى حكم ديموقراطي ينسجم ويتواءم مع آليات وتاريخية الوطنية العراقية المتشكلة خلال القرنين الأخيرين.
وحين نقول إنّ الحلّ الحقيقي ليس في تعديل الدستور، فذلك لأنّ الدستور لا يحتوي على مواد تحدد آليات وتوزيع وبناء المناصب الكبرى في الحكم حسب وزن الطائفة السكاني. نعم هناك لغو وتلميحات طائفية إنشائية يزخر بها متن الدستور الحالي، وخصوصاً في ديباجته، وهناك مواد تحتوي على بعض التلميحات إلى ضرورة التوافق على توازن بين المكونات وتمثيلها في الحكم وبعض الاشتراطات التي تؤدي إلى نوع من التمييز والغلبة الطائفية والإثنية، كما هي الحال في المواد التي تعطي حقوقاً للأقاليم ـــــ والمقصود حتى الآن، على الأقل، هو الإقليم الكردي ـــــ على حساب المركز، لكن هذه الأمور الصغيرة ليست هي السبب المباشر والحقيقي لوجود نظام المحاصصة الطائفية وترسخه مستقبلاً، كما أنّ من المهم الإشارة إلى أنّ هذا النظام المحاصصاتي وجد قبل سنِّ هذا الدستور، وجرى ترتيب مؤسساته وبناه الفوقية المؤقتة بموجب اتفاقات وصفقات سرية بين أقطاب العملية السياسية، التي أطلقها الاحتلال تحت الإشراف المباشر لجنرالاته وموظفيه السياسيين الكبار. في هذا الصدد تحديداً، نتذكر كيف أصرّ زاعمو تمثيل العرب الشيعة على التمسك بمطلب أن تكون لهم الغالبية في المناصب وفي مقاعد مجلس الحكم على أساس أنّهم الغالبية السكانية، حتى قبل إجراء أي إحصاء رسمي أو انتخابات تشريعية. وحينها وضع بول بريمر الحجر الأساس العملي للحكومة الطائفية، حين وافق على هذا المطلب ونفذه حرفياً. كان بريمر مضطراً أثناء التنفيذ إلى أن يحتسب على الكوتا الشيعية حتى عضو المجلس عن الحزب الشيوعي العراقي «جناح حميد مجيد»، على اعتبار أنّ هذا الأخير من أسرة شيعية. وكان له ما أراد، ولم يستنكر «الرفيق الشيوعي» أو حزبه اعتباره ممثلاً لطائفة لا لطبقة! وفعل بريمر الأمر ذاته مع سياسيين عراقيين علمانيين، فاحتسب بعضهم على الكوتا الكردية تارة، وعلى العربية السنية تارة أخرى. إنّ العرف، وتكرار حيثيات العملية السياسية، يجعلان لطائفية الأمر الواقع قوة نفوذ وحركة لا تقل عن قوة الدستور، ولنا في نظام الحكم في لبنان خير مثال على ذلك. فالدستور اللبناني لا ينص صراحة على أن يكون رئيس الجمهورية مسيحياً مارونياً، أو رئيس الوزراء مسلماً سنياً، أو رئيس البرلمان مسلماً شيعياً، لكن هل يمكن لأحد أن يقترح شيئاً مختلفاً عن هذه التركيبة أو مخالفاً لها، دون أن يثير ضحك الجميع اليوم؟
إنّ حكم المحاصصة الطائفية في العراق لا يزال هشاً وطرياً، فقد أكمل لتوه عقده الأول، لكنّه يسير على طريق التَرَسُّخ، إن لم نقل التحجُّر، بمرور الزمن وتراكم الكوارث وتجارب الاقتتال ووقائع التمييز والتمايز الطائفي والإثني.
إنّ البحث عن حل لمواجهة ما دعوناه «طائفية الأمر الواقع السياسية» ينبغي أن يكون في تلافيف الوضع السياسي العراقي ذاته، داخل وخارج العملية السياسية الجارية، وفي تفاصيل التشريعات والقوانين داخل وخارج الدستور. إنّ مضامين ومبادئ قانون الأحزاب مثلاً، ستكون أخطر بكثير من مواد الدستور لجهة تسريع أو تجميد أو مقاومة طائفية الأمر الواقع، وكل ذلك حسب نوعية تلك المضامين. إنّ العملية السياسية في العراق تسير منذ قيام الحكم بعد الغزو حتى اليوم، دون قانون خاص ينظم تكوين وعمل الأحزاب السياسية. وحتى كلمة «حزب» غير معترف بها رسمياً، لذلك تستعمل عبارة «كيان سياسي» بدلاً منها. وحتى مشروع قانون الأحزاب الذي لا يزال مشروعاً هو موضوع تجاذب وتنازع بين القوى السياسية ذات المَنازع والميول الطائفية والإثنية. ويمكن أن تكون لهذا القانون فائدة قصوى في حسم المعركة ضد الطائفية السياسية، إذا ما جرى تأسيسه على أسس ديموقراطية وعلمانية. أسسٌ تفصل بين الطائفية التكوينية والطائفية السياسية، فتعدّ الأولى من المواصفات والمنتَجات الطبيعية للمجتمع المتعدد والمتنوع والمؤلف من عدة مكونات، ويُحَرِّم ويُجَرِّم الثانية ويعدّها، كما هي في واقعها، طريقاً يؤدي حتماً إلى النزاعات والصراعات والحروب الأهلية الطائفية. ينبغي أيضاً، استكمالاً لهذا الأساس، فضُّ الاشتباك دستورياً بين الصفة الطائفية والسياسية للمواطن، ونقصد المواطن العام، واعتماد مبدأ المواطنة الحديثة القائمة على المساواة والحرية. فليس لرجل الدين أو رجل العلم أيّ امتياز على أي مواطن آخر، وله حقوق المواطن العادي في ممارسة السياسة بشرط التخلي عن العلامات والرموز الدينية أو الطائفية التي يحملها أو يرتديها وتفيد التمايز والتمييز المجتمعي. وسيكون من البديهي الفصل بين الأحزاب الدينية، التي تبتغي إقامة الدولة الدينية الطائفية «الثيوقراطية»، سواء كانت من نمط «دولة ولاية الفقيه الشيعية»، أو من نوع «دولة الخلافة الراشدة السنية»، وتحريم هذه الأحزاب ومنع نشاطها، وبين الأحزاب السياسية ذات التوجهات الدينية، أي تلك التي تستوحي خلفيات برامجها الأخلاقية من قيم دينية والاعتراف لها بحق التكون والنشاط السياسي السلمي، بشرط الاعتراف بحياد الدولة ومدنيتها وعلمانيتها. في هذا الإطار النظري، وأيضاً في العملي، سيكون من المفيد والواعد دراسة وتمحيص تجارب بعض الشعوب العربية الشبيه بالتجربة العراقية والتأسي بما أنتجته من نظم وقوانين ومبادئ وممارسات. ولعل من أَميز وأغنى التجارب في هذا الصدد، تجربة قانون الأحزاب الجزائري النافذ. فبموجب المادة الـ42 من الدستور الجزائري، يمنع أيّ حزب يقوم على أساس احتكار أحد ثوابت الأمة التي يشترك فيها جماع الشعب، إذ «لا يجوز تأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جنسي أو مهني أو جهوي.. ولا يجوز للأحزاب السياسية اللجوء إلى الدعاية الحزبية التي تقوم على العناصر المبينة في الفقرة السابقة». إنّ هذه المادة في الدستور الجزائر تثير الكثير من الأسئلة، لكنّها ستكون يقيناً أسئلة جديدة ومنتجة ومفتوحة على المستقبل، وهي تستحق لهذه الأسباب مجتمعة وقفة خاصة بها وبمشمولاتها.
* كاتب عراقي