ثورة يناير التي فاجأت نظام مبارك، فاجأت أيضاً القوى السياسية، فلم يكن أي منها مستعداً لاستلام السلطة وإقناع الجماهير بقدرتها على إدارة الدفة وتلبية مطالب الجماهير المنتفضة عقب ثورة تبدلت بعدها القواعد التي استمرت فاعلة لعقود. الحزب الوطني الذي أطاحته الثورة وحوّلته لفلول، ترك فراغاً ملحوظاً في صناديق التصويت التي كان يحسم أغلبيتها دائماً، عبر صناديق مطعون في نزاهتها، ويترك هامش محدود يوزع بالتراضي على المعارضة الرسمية لزوم استكمال الشكل الديموقراطي. القوة التي كانت جاهزة لملء الفراغ الذي تركه الحزب الوطني كان التيار الإسلامي بقيادة الإخوان المسلمين. فالتنظيم القوي الضخم، والقدرات المالية غير المحدودة، والخطاب الديني الذي حشد الأصوات من فوق المنابر، بالإضافة لتجربة انتخابية ممتدة مكنت كلها التيار الإسلامي من خوض «غزوات صناديق» متتالية وحسمها ــ في ظل ضعف تنظيمي واضح لمختلف القوى السياسية ــ ابتداءً من التصويت على الإعلان الدستوري في مارس/ آذار 2011 وحتى الاستفتاء على دستور 2012، مروراً بالانتخابات البرلمانية والرئاسية. التيار الإسلامي لم يستوعب درس الثورة جيداً. فالحزب الوطني الذي أطاحته الثورة استطاع أيضاً حشر بطاقات التصويت لصالحه في الصناديق. والمفارقة أنّ الثورة انفجرت بعد أسابيع من الانتخابات التي تباهى الحزب الوطني باكتساحها. ومع ذلك لم يتوقف الإسلاميون عن التباهي بنسب التصويت، وتحدي معارضيهم أن يأتوا بمثلها. الردّ الجماهيري جاء سريعاً، ليس فقط في 30 يونيو، ولكن من قبل ذلك بكثير، عندما انطلقت احتجاجات الغضب في كل محافظات مصر تطالب بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية حتى وصلت لمعدلات احتجاج قياسية كان معناها الوحيد أن الاستمرار مستحيل.

فشل الإخوان المسلمون وحلفاؤهم في اختبار السلطة فشلاً ذريعاً. وهو ما جعل جملة خطابهم محل شك وارتياب وحتى تكذيب من قبل القاعدة العريضة، فكل ما انتقده الإخوان في السلطة السابقة جاؤوا به وأكثر. والفضاء الواسع الذي تحركوا فيه عقب ثورة يناير ضاق عليهم بشدة، فتراجعت قدراتهم التنظيمية والمالية والدعائية، وعادوا تحت الملاحقة والقمع. بناء على ذلك سيبدو بديهياً أن تتراجع قدرة الإخوان المسلمين وحلفائهم على حشد الأصوات أو تنهار تماماً في أي انتخابات أو استفتاء قادم. ولكن ما جرى في مصر منذ مطلع 2011 وحتى اليوم لم يكن أصلاً خاضعاً للبديهيات، وكانت المفاجآت تأتي تباعاً دون أي استئذان. وربما أسئلة بسيطة قد تبيّن لنا أن حساب الأصوات في الصناديق القادمة قريباً لن تكون بسيطة بالمرة. فمثلاً ما حجم ما سيخسره الإخوان المسلمون وحلفاؤهم في الصناديق القادمة وأي قطاعات ستنصرف عنهم. وهل العوامل التي دفعت المصريين للتصويت للتيار الديني قد انتهت بالفعل خاصة وأن جزءاً من التيار الديني استطاع أن يتفادى السقوط مع الإخوان، فإذا كان مستوى التعليم والثقافة والتدين الشعبي كلها عوامل ساعدت الإخوان في حصد الأصوات، فهذه عوامل لا تزال متوفرة ولم يطرأ عليها تغيير يذكر. والأهم هل استطاعت القوى التي عارضت الإخوان أن تشكّل القطب البديل للتيار الديني بحيث تتمكن من حصد الأصوات التي قد تنصرف عنه. كذلك كيف تدار المرحلة الحالية وهل تمكن من يديرها من إقناع القطاعات الأوسع من المصريين أن الحاضر والمستقبل سيكون أفضل مما فعله الإخوان. ولكن قبل الإجابة عن أي من هذه الأسئلة يجب إدراك أمر هام، أنّ الأحداث في مصر أثبتت على مدار سنوات ثلاث أن الإجابات السهلة هي بالضرورة الإجابات الخاطئة.
لقد أثبتت تجربة السنوات الثلاث المنصرمة أن قوانين التصويت ليست هي نفسها قوانين الثورة. لقد انفجرت تظاهرات عارمة للمطالبة بإقالة أحمد شفيق عندما كان رئيساً للوزراء ولّاه مبارك قبل رحيله عن السلطة واعتبر من بقايا نظامه. وبعد شهور كان أحمد شفيق المرشح لرئاسة الجمهورية يحلّ الثاني في انتخابات رئاسة الجمهورية ليخوض معركة الإعادة ويصبح قاب قوسين أو أدنى من رئاسة الجمهورية. فرح الإخوان المسلمون بالملايين التي صوتت للدستور الذي وضعوه ووصفوه بأنه أعظم دساتير العالم، كما فرحوا قبلها بالأغلبية التي حصدوها في البرلمان. فانطلقت ملايين أكثر تطيح بالدستور والرئيس بعدها بشهور. واليوم تشير الكثير من المؤشرات إلى انهيار الإخوان المسلمين شعبياً وتراجع كافة قدراتهم السياسية والتنظيمية والمالية والإعلامية التي سهلت عليهم الفوز في الانتخابات المتتالية. وتبدو خسارتهم في أي «غزوة صناديق» تالية حتمية. حتى أنهم أصبحوا أنفسهم يبدون التخوف من تلك الصناديق ويفكرون في سلاح المقاطعة الذي هاجموه من قبل، واتهموا من يستخدمه بالسلبية والعجز. ومع ذلك فالطرف الآخر الذي انعقد تحالفه في الثالث من يوليو ليس في أفضل أحواله. فبعد وحدة بين فرقاء فرضتها المواجهة مع الإخوان تبدأ الخلافات اليوم في الظهور بين الحلفاء. فبعض مواد الدستور المعدلة لا تحظى بإجماع الحلفاء، وقانون التظاهر الذي أعاد سطوة الداخلية وبطشها كذلك واجه انتقادات من داخل الحلف الذي عانى بعض أفراده من بطش الداخلية. وترتيب خطوات خارطة الطريق التي أعلنت في الثالث من يوليو تشهد خلافا معلنا خاصة في الخطوات التي تمثل جني الغنائم لأطراف التحالف مثل الانتخابات البرلمانية والرئاسية. لا تقف مشكلات جبهة الثالث من يوليو، التي تضم إلى جانب مؤسسات الدولة قوى ليبرالية وقومية ويسارية وإسلامية، عند خلافاتها الداخلية. فعدم تقدمها في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية رغم تدفق مساعدات وقروض غير مسبوقة، تجعل التساؤل عن مصير تلك التدفقات يبدأ بالظهور تدريجياً، واستمرار الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية قد يمثل المشكلة الأكبر أمام الدولة في المستقبل القريب، خاصة مع صعود الإضرابات العمالية من جديد.
تتعامل الأطراف المختلفة مع صناديق التصويت التي ستفتح تباعا في الفترة القادمة على أنها ستكون اختباراً جدياً لحصاد ما بعد الثالث من يوليو. سيختبر تحالف الإخوان المسلمين قدرته على تقليل خسائره بعد خروجه من السلطة وفقدانه جزء كبير من شعبيته وقدراته اللوجستية. سيكون اختباراً أيضاً لتحالف الثالث من يوليو وقدرته على أنه أفضل من الإخوان وأن الجماهير التي خرجت في 30 يونيو ضد حكم الإخوان أكثر رضا بما آلت إليه الأمور، وأن خارطة الطريق تسير بخطوات واثقة.
بالتأكيد لن تكون النتائج التي ستفصح عنها الصناديق القادمة شبيهة بالنتائج التي تحققت سابقاً. لن يتمكن الإخوان المسلمون وحلفاؤهم من الحصول على ما حصلوا عليه من قبل. وإن كان حجم الاختلاف في النسب لا يمكن تقديره مع الضعف المتبادل في الجبهات المتصارعة وقد تظهر مفاجآت. ولكن الأهم من ذلك أن صناديق الانتخابات السابقة جميعاً، لم تحصن الفائزين بها من مفاجآت الشارع الغاضب. وأياً كان الفائز في الصناديق القادمة ما لم يترجم فوزه سريعاً إلى خطوات فعلية وحاسمة في الاتجاه الذي تتوقعه الجماهير التي انفجرت مرات عدة من قبل، فإن الصناديق لن تقيه شر انفجار جديد.
* كاتب مصري