قضايا المشرق | شكّل الجنيه الفلسطيني العملة الرسمية الشرعية في مناطق الانتداب البريطاني على فلسطين وإمارة شرق الأردن ما بين عامي 1927 و1948، وقد حل، لدى صدوره، محلّ الجنيه المصري والإسترليني كعملة أساسية في إمارة شرق الأردن، وبقي أساساً للتعاملات المالية عبر ضفتي النهر، حتى عام 1950 حين أصدرت حكومة شرق الأردن، الدينار الأردني، العملة التي حلت محل الجنيه الفلسطيني في الضفة الغربية التي ضُمّت للأردن، وما زالت تعتبر، دستورياً، أراضي تابعة للمملكة منذ عام 1951.

عام 1988 صدر قرار فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية ـ ما عدا الأوقاف التي بقيت مرتبطة مع الحكومة الأردنية حتى اليوم، بما في ذلك من إشراف وتعيينات وصيانة للأوقاف المسيحية والإسلامية والتزامات مالية خاصة بهذه الأعمال ـ لكن التعامل الفلسطيني بالدينار الأردني، ظل أساسياً، لعوامل عدة أهمها الارتباط الجغرافي عبر الحدود العربية الوحيدة للضفة، والإرث الاقتصادي الذي امتد لعقود بين مناطق الضفة والأردن، ووجود المصارف الأردنية العاملة في الأراضي المحتلة.
من اللافت أن الفلسطينيين لا يستخدمون الشيكل «الإسرائيلي» في تعاملاتهم التجارية الكبيرة، بالرغم من حضوره كعملة للتداول اليومي والشراء والبيع بالتجزئة. أما في التعاملات التجارية الكبيرة كبيع السيارات مثلاً وشراء المحاصيل أو قطع الأرض فالدينار له الكلمة العليا هناك، ولا يُستخدَم الشيكل نهائياً في الصفقات التجارية الكبيرة. ومعنى ذلك أن الموجودات الفلسطينية في الضفة الغربية، مقومة بالدينار الأردني، كعملة أساس، هي، أيضاً، مستودع الادخار. وبالخلاصة، إن الكتلة النقدية الرئيسية في الضفة الغربية، لا تزال حتى الآن، بالدينار الأردني.
إنشاء السلطة الفلسطينية في مناطق الضفة لم تغيّر ذلك الواقع النقدي والمالي، بل بالعكس، تعزز جراء الإنفاق العام للسلطة، المتزايد، والمقوَّم، في النهاية، بالدينار الأردني. وهو واقع فرض ويفرض تعاوناً وثيقاً بين البنك المركزي الأردني وسلطة النقد الفلسطينية.
وقّع ممثلو الإدارة الفلسطينية والحكومة الأردنية، اتفاقيات عززت التعاون التجاري بين المملكة وأراضي السلطة، وكان آخرها السماح بتصدير المنتجات الزراعية الفلسطينية إلى الأسواق الأردنية. وقد لمست، شخصياً مدى ارتياح مزارعي مدينة قلقيلية وتفاؤلهم، بسبب الإجراءات التي أتاحت لهم تصدير منتجاتهم من الجوافة والحمضيات إلى أسواق المملكة. وهي أسواق بالغة الأهمية للمنتجين الفلسطينيين من المزارعين والحرفيين وأصحاب الصناعات الصغيرة والمتوسطة، ممن أنهكهم الحصار الإسرائيلي للاقتصاد الفلسطيني وتأذوا جراء المنافسة غير العادلة مع غزو المنتجات الصهيونية للأسواق الفلسطينية، برغم محاولات السلطة الفلسطينية محاربة هذا الغزو الاقتصادي. منذ عام 2000 وقعت الحكومة الأردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، اتفاقية في مجال التجارة والاستثمار، أعطت تعرفة جمركية تفضيلية للبضائع والمنتجات المتبادلة بين الضفتين، الشرقية والغربية، وتضمنت اعفاءات جمركية بين الطرفين ونصت على قوننة التعاون في مجالات النقل والتسهيلات الاستثمارية والائتمانية في التجارة البينية.
وفي عام 2013 تم الاتفاق بين الطرفين على إقامة مناطق لوجستية وتخليص جمركي على الحدود وجملة من التسهيلات الضريبية بين الضفة الغربية والأردن. ومن شأن هذه الاتفاقية أن تعزز صيغة من الوحدة الاقتصادية بينهما.
وتخطط عمان، لإقامة مركز تجاري في الضفة الغربية، للترويج للصناعات الأردنية، وتعريف الفلسطينيين بها، ما يساعد على تحقيق البرنامج المشترك لرفع حجم التبادل التجاري من 149 مليون دينار أردني إلى 200 مليون دينار. وكان الاتفاق على هذا البرنامج قد نجم عن اجتماعات مكثفة في أواخر 2012.
بيد أن التعاملات الرسمية لا تعكس حجم العلاقة الاقتصادية الفعلية وغير الرسمية بين المملكة والضفة الغربية، التي يصعب تقديرها بالنظر إلى كونها تمر عبر تعاملات مالية عائلية الطابع، ومن خلال تعاملات مصرفية متداخلة لا يمكن الفصل فيها، سواء في مجال الودائع أو الحوالات أو التسهيلات بين ما هو أردني وما هو فلسطيني. وفي تقديري أن واقع العلاقات الثنائية، الاقتصادية والمالية، وأثرها على الكتلة النقدية بالدينار الأردني، لم يخضعا بعد للدراسة المنهجية والتقويم الواقعي أو القراءة السياسية لجهة مستقبل الكيان الفلسطيني ومجمل علاقاته مع الأردن.
هل سيكون ذلك الكيان ملحقاً بالاقتصاد الإسرائيلي أم داخلاً في صيغة وحدة اقتصادية مع الأردن؟ هذا سؤال مضمر في لب المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية. ومن ذلك، على سبيل المثال، السجال حول الحدود الثنائية، وهل ستكون واقعة تحت السيادة الفلسطينية ـ الأردنية أم أنها ستخضع للحاجز الإسرائيلي الذي يريده الإسرائيليون لأسباب أمنية ـ مدعاة ـ وأسباب اقتصادية. تطوير العلاقات الاقتصادية بين الأردن والضفة الغربية، أساسي من أجل تعزيز الاقتصاد الفلسطيني وخلق الاستثمارات وفرص العمل في الأراضي الفلسطينية، وتالياً الدعم الواقعي لصمود الناس على الأرض.
* كاتب فلسطيني




(تستقبل «الأخبار» المشاركات حول هذا الملف على البريد الإلكتروني [email protected] تحت عنوان قضايا المشرق)