قضايا المشرق | بقدر ما تتّسم به قضيّة النازحين الفلسطينيين، في الأردن، من وضوح وبساطة، فإنّها لا تخلو من تعقيد والتباسات، سببُها الأوّل: الطريقة المشوّشة التي صيغ بها قرار فكّ الارتباط، عام 1988، والبُقع الرماديّة، التي تعمّد محرر بيان فك الارتباط أن يتركها، لأسباب قد لا تكون غامضة تماماً.

وجهُ الوضوح، في المسألة، يتعلق بالبعد القانوني لها؛ فالنازحون من الضفّة الغربيّة إلى الأردن، صدر بحقّهم قرار عن مجلس الأمن ورقمه (237)، وينصّ، دون أيّ لبس، على الإلزام بعودتهم الفوريّة. وكما هو واضح، فإن هذا القرار، بحسب تسلسل رقمه، سابقٌ على القرار (242). وقد نصّت المعاهدات، مثل «كامب ديفيد»، على تشكيل لجنة رباعيّة لعودة النازحين، تتألّف من الأردن، الفلسطينيين، مصر و«إسرائيل»… وفي ما بعد، تألفت هذه اللجنة، وتحديداً إثر «أوسلو»، والتأمت في أكثر من اجتماع، للبحث في المعايير والإجراءات، لتسهيل عودة النازحين إلى الضفّة الغربيّة. وبطبيعة الحال، فقد حرصت الحكومة الإسرائيليّة على المماطلة، وأتقنت «لعبة التعريف»، والإغراق في التفاصيل، ومن هو النازح وما إلى ذلك، حتى جاء إلى رئاسة الحكومة نتنياهو، في المرّة الأولى عام 1996، فتوقفت الاجتماعات، ودخلت النقاشات المختصّة، بلجانها وتفاصيلها، حيّز التجميد!
على الجانب الآخر، تتعلق تعقيدات الملف وصعوبته بأصناف المهجّرين من الضفّة الغربيّة إلى الأردن، عشية حرب 1967، إذ ليسوا ضمن فئة واحدة محدّدة؛ فمنهم النازحون من أبناء الضفة الغربيّة إلى الأردن، ومنهم، أيضاً، اللاجئون النازحون. أي، الكتلة الفلسطينيّة التي تواجدت في الضفة الغربيّة، ما بين حربي 1948و1967م، بصفة لاجئين، فلما وقع الاحتلال على الضفة الغربيّة؛ نزحت إلى الأردن. وهناك، أيضاً، فئة من أبناء الضفة الغربيّة الذين لم يكن أفرادها لحظة وقوع الاحتلال فيها، بل كانوا خارجها لغايات العمل أو الدراسة أو حتى العيش والإقامة. وهؤلاء ليس لهم تعريف واضح، وبالأخصّ ممّن كانوا موجودين في الأردن، خلال الفترة التي أعقبت قرار الوحدة 1950، وحتى احتلال الضفّة الغربيّة.
من وجهة نظر أردنيّة، وبحسب خبراء تخصّصوا في دراسة الملف والتفاوض حوله، إن نسبة «اللاجئين النازحين» تشكل ثلثي عديد النازحين الفلسطينيين في الأردن. واللاجئ، سواء أكان في مخيّمات الأردن، أم أتى من مخيّمات الضفة الغربيّة، هو من مسؤوليّة الدولة الأردنيّة وتابعيّتها. والأردن معنيٌّ بالدفاع عن حقّه في العودة وكافة حقوقه القانونيّة الأخرى. والأصل في ذلك، أن الإدارة الأردنيّة عندما قبلت قرار الوحدة، ودخلت على أساس خرائطها الجديدة هيئة الأمم المتحدة عام 1955، كانت قد وافقت، حكماً، كدولة اتحاد، على تحمّل الالتزامات القانونيّة للجانب الفلسطيني، وفي مقدّمتها تلك المتعلقة باللاجئين وواقعهم وتبعيّتهم.
بناءً عليه، كلّ لاجئ فلسطيني كان في الضفّة الغربيّة وانتقل إلى الضفّة الشرقيّة، إثر قرار الوحدة، هو من التبعيّة الأردنيّة، وذلك بحكم اتفاقيّة اللاجئين عام 1951، في بنديها الأوّل والثاني اللذين وافق عليهما الأردن، وينصّان على (1) العودة الطوعيّة (2) الانتقال إلى دولة ثالثة، بموافقة اللاجئ نفسه… فيما رفض الأردن البند الثالث من الاتفاقيّة المذكورة، فلم يوقّعه، وهو البند المتعلق بالتوطين.
وبغض النظر عن التباسات صياغة قرار فكّ الارتباط عام 1988، والغموض المقصود فيه، واستناده إلى ليلة 31/7/1988، كحدّ فاصل في التعريف والحقوق، بدلاً من الاستناد إلى ليلة الرابع من حزيران عام 1967، كما كانت تقتضي الأمانة والمصلحة الوطنيّة الأردنيّة وحقوق النازحين أنفسهم؛ وبرغم كلّ ذلك، فإن مساحات الوضوح هي الأوسع، وبالإمكان الاستناد إليها في أيّ وقت لتنفيذ قرار مجلس الأمن 237 مستحقّ التنفيذ؛ فالنازح لا يطبق عليه قانون اللاجئين بل قرار الوحدة وتالياً فك الارتباط.
ويبقى أنه عندما تقوم الدولة الفلسطينيّة المستقلة، والسيّدة، تكون قضيّة النازحين، المحكومة بقرار مجلس الأمن، بين الجانبين الأردني والفلسطيني، بحيث يتفق الجانبان على آليّات العودة ومواقيتها. وهذا ما يؤكد أن مصلحة الأردن العليا لا تتفق مع وجود الطرف الإسرائيليّ، حاجزاً محادّاً، للدولتين، أو بينهما، فيغدو طرفاً، بواقع الحال، في مسألة لا تخصّه، وتنحصر بين دولتين، هما الأردن وفلسطين.
* وزير الإعلام الأردني الأسبق