لم يثر خطاب رئيس الجمهورية، بمناسبة عيد الاستقلال، من المواقف والتعليقات، إلّا ما يتصل بلحظة الصراع السياسي الراهنة. ثمة من اعترض وتوعد، وثمة من رحّب وتعهد.

وكانت زيارة الرئيس للمملكة العربية السعودية، قبيل أيام من ذلك، والملابسات والإشكالات التي رافقتها، قد أرخت بظلال سلبية على نشاط الرئيس وبعض توجهاته.
ليس المجال هنا لنقاش كل ما ورد في خطاب الاستقلال الأخير (؟) للرئيس العماد ميشال سليمان (علامة الاستفهام قد توضع بجانب الاستقلال أيضاً). وكذلك لم يكن مفتعلاً، أن الاهتمام والتعليقات قد انصبّا، فقط، على الراهن السياسي، من دون مضامين أخرى في الخطاب تناولت أزمة لبنان التي تمضي أبداً نحو التعقد والتدهور. ذلك أنّ حرارة الصراع الراهن، والمسارات التي اتخذها، ويمكن أن يتخذها، ارتباطاً بتعاظم الأزمة السورية وتوسع التباين بشأنها، هي ما يشد الاهتمام، وما يجدد الانقسام ومعه كل ألوان المخاطر والسلبيات والاضطرابات والمغامرات والرهانات. ومع ذلك، وفي اتصال وثيق باللحظة الراهنة وليس بمعزل عنها، لا بد من القول إنّ ما لم يثر الاهتمام في كلام الرئيس سليمان، هو أيضاً شديد الأهمية! لقد أشار الرئيس في خطابه إلى «أزمة وطنية مستجدة»، بل هو طور أعلى في مسار هذه الأزمة، هو ما نعيشه اليوم. كانت الأزمة قائمة حين تسلم رئيس الجمهورية سدة الرئاسة في 25 أيار من عام 2008. وستستمر، للأسف، بعد نهاية ولايته في 25 أيار من العام المقبل، سواء جرى التمديد له أو لم يحصل. لكن الرئيس كان على حق حين استطرد، في خطابه الأخير، أنّ تلك الأزمة الوطنية قد «باتت تطرح أسئلة مقلقة حول حقيقة الاستقلال ومعانيه، وحول سلامة الممارسة الديموقراطية في لبنان، ومدى قدرتنا على إدارة أنفسنا بأنفسنا، لا بل حول طبيعة النظام ومدى ملاءمته لتحقيق الخير العام». وإذ ذكر أموراً أخرى، استطرد سليمان في خطابه: «لا يستقيم الاستقلال ويُعتبر ناجزاً إذا ما استمررنا في ترسيخ الطائفية في النفوس، وإذا لم ننجح في تحييد أنفسنا عن التداعيات السلبية للأزمات الإقليمية، عن طريق رهن مصالح لبنان العليا بالمشيئة الإقليمية أو بالإملاءات والمصالح الخارجية». مع قليل من التدقيق والدقة، يصلح هذا الكلام أساساً لبحث معمّق في جذور الأزمة اللبنانية، وفي أسباب تماديها وتعمقها، وفي بلوغ الاستنتاجات المناسبة بشأن المخارج والحلول لها. بهذا المعنى لقد قال الرئيس سليمان كلاماً خطيراً! وهو للإنصاف، ليس كلاماً جديداً بالكامل وإن لم يكن يُقال من قِبله، سابقاً، بهذا الوضوح والبلاغة! ويُسجل للرئيس أنّه قد بذل بعض المحاولات، وإن الخجولة، في مجال إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية المنصوص عليها في المادة 95 من الدستور اللبناني. لكنه، في هذا الحقل، ظلّ خاضعاً لحسابات سياسية ذات صلة بموقعه، وبموقفه ربما، من فهم مسألة «المناصفة» التي ألحّ دائماً عليها. وهي مناصفة لن يكون لها مكان في حال تطبيق النص الدستوري، الذي يؤكد بشكل واضح وحاسم على إنشاء مجلس نيابي خارج القيد الطائفي. المناصفة الواقعية والدستورية المقصودة، وفق المواد الدستورية 22 و24 و95، تصبح، إذاً، تلك التي تبقى فيها المحاصصة الطائفية والمذهبية قائمة: أي في «مجلس الشيوخ» المستحدث، بموجب الدستور، والذي يتشكل على أساس طائفي، بصلاحيات محدودة ومحددة، وبما لا يتجاوز تهدئة الهواجس وعدم إحداث خلل جسيم بشأن «الأمور المصيرية».
لكن الرئيس كان أكثر إلحاحاً بشأن قانون جديد للانتخابات يعتمد النسبية بديلاً للنظام الأكثري العبثي والعشوائي والمتخلف والاستنسابي الراهن. ولقد أثمرت محاولاته تقديم مشروع من قبل الحكومة الراهنة. وهو مشروع وُلد ميّتاً، بسبب عدم تحصينه وحمايته، وبسبب المعارضة الشرسة التي استهدفته، باعتباره يشكّل مساساً بالعيش المشترك وبربطه، بشكل كامل، بكمية لا تنتهي من الشروط والاشتراطات العرقوبية!
أخطر ما في التعامل مع هذا الكلام الخطر أنّه مرّ مرور الكرام! لم يعبأ به، كما ذكرنا سابقاً، أحد. وفي بعض «التقاليد» اللبنانية، أن يطلق الكلام على عواهنه وأن يصبح التبرؤ من الطائفية والمذهبية جزءاً من الطائفية والمذهبية نفسها! إنّه نوع من «الديكور»، لا يخضع لحساب أو لفواتير جمركية (لم تكن يوماً سليمة، وهي اليوم باتت الحصن الأكبر للتحاصص والفساد، كما كشفت الشراسة والقسوة التي عومل بها إعلاميو «الجديد» حين حاولوا الاقتراب من هذا الحصن الذي يتقاسم جميع «الشركاء» في الوطن مغانمه ومرافقه على حساب خزينة الدولة وعافية الاقتصاد ولقمة عيش المواطن).
ليس المقصود هنا أن ننظم محاكمة لعهد الرئيس سليمان، تنتهي إلى تحميل المسوؤلية لمن لا يمكن أن يتحملها وحده. كذلك، فإنّ ظروفاً وتحولات قد صادفت إحلال الرئيس في موقعه (ابتداءً من عام 2004) قد عزّزت لديه فكرة «الوسطية» وجعلته في كثير من الأحيان، حين يُقدم أو يُحجم، محكوماً بالتوازنات و«الإملاءات والمصالح الخارجية»، التي يشكو منها في خطابه الأخير. ومعلوم أنّ «الوسطية» هي ردّ فعل، وليست أبداً نهجاً سليماً يتحدّد استناداً إلى حجم «الأزمة الوطنية» اللبنانية ومستلزمات احتوائها، وصولاً إلى التخلص منها.
ليس من المنصف توجيه اللوم للرئيس إذا كانت قوى داخلية وخارجية، هائلة التصميم والإمكانات، تواصل كل ما من شأنه تعميق أزمتنا الوطنية.
يزداد عدم الإنصاف أيضاً، إذا ما لاحظنا أنّ قوى ترفع شعارات التغيير تمضي في مسيرة سباتها وعجزها وغيابها شبه الكامل.
* كاتب وسياسي لبناني