تظهر الأحداث أن قانون تنظيم الحق في التظاهر يواجه في تطبيقه مشكلات صعبة جراء تحدي بعض القوى السياسية والحقوقية له. فبمجرد صدور القانون يوم الاثنين 25 نوفمبر/ تشرين الثاني تظاهر في اليوم التالي المئات من السياسيين الرافضين لمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، معلنين تحديهم للقانون. المواجهة العنيفة من قبل الأمن للمتظاهرين والقبض على العشرات منهم لم تمنعهم من العودة للتجمع والتظاهر في ميدان طلعت حرب في القاهرة، لتستمر الاشتباكات بين الأمن والمتظاهرين طوال الليل. وفي اليوم التالي يتحول عشرات ومئات المتظاهرين إلى آلاف في وسط العاصمة. حتى إن وزارة الداخلية اضطرت إلى أن تعلن أنها صرّحت بالتظاهرة، رغم أن أحداً لم يطلب منها التصريح.

قد تبيّن هذه الأحداث وغيرها من الأصوات المعارضة للقانون أنّ هناك مشكلة في تطبيقه. ولكن لن تبدو تلك هي المشكلة الأهم ولا الأكبر إذا ما وضعنا في الاعتبار الاحتجاجات العمالية والاجتماعية التي تجتاح مصر منذ أعوام، ولا يبدو أنها ستتوقف قريباً. تجدر هنا الإشارة إلى بعض الحقائق لفهم ما ستمثله الحركة العمالية والاجتماعية لقانون التظاهر.
لقد أحصى اتحاد عمال الصناعة الأميركي دخول أكثر من ثلاثة ملايين عامل مصري في إضرابات في الفترة من 2006 وحتى 2009. ليس المهم هنا هو عدد الإضرابات ولا عدد العمال المضربين، فالأهم أن كل تلك الإضرابات جرت بالمخالفة للقوانين ساعتها وعلى رأس تلك القوانين قانون الطوارئ وقانون العقوبات، وحتى قانون العمل الذي كان يجيز الحق في الإضراب، ولكنه يضع له ضوابط لم تلتزمها الحركة العمالية. حتى إن قانون العمل يعتبر أيام الإضراب إجازة غير مدفوعة الأجر، ورغم ذلك كان العمال يصرون على الحصول على أجورهم في أيام الإضراب ويحصلون عليها بالفعل. من بين تلك الاحتجاجات كان احتلال عشرة آلاف من موظفي الضرائب العقارية للشارع المقابل لمقر مجلس الوزراء لمدة أسبوع بالمخالفة أيضاً لكل القوانين، ومتحدين لكل التهديدات التي أطلقت ضدهم. المثير أن قائد هذا الإضراب بالذات هو كمال أبو عيطة الذي أصبح مؤسس لأول نقابة مستقلة عن الاتحاد الرسمي للعمال الموالي للدولة بالمخالفة أيضاً لقانون النقابات ساعتها، الذي كان يحظر بناء تنظيمات نقابية خارج الاتحاد الرسمي، وهو نفسه من أسس أول اتحاد عمال مستقل عن سيطرة الدولة، وكان ذلك التأسيس في الثلاثين من يناير في قلب ميدان التحرير أثناء الثورة. ثم تولى لاحقاً وزارة القوى العاملة في الحكومة التي أصدرت قانون التظاهر.
وصلت الحركة العمالية والاجتماعية في مصر لدرجة الانتفاضة في أبريل/ نيسان 2008 عندما حطمت صور مبارك في المحلة، وتطورت لمحاولة اقتحام البرلمان في مايو/ أيار 2010 عندما تجاهلت الدولة اعتصام عمال شركات عدة أمام البرلمان. وانتشرت بكثافة في تلك الفترة مظاهر قطع الطرق والاعتصام في الشوارع بسبب نقص المياه أو الوقود أو السماد أو بسبب انهيار العشوائيات وعشرات الأسباب التي دفعت قطاعات واسعة للاحتجاج والاعتصام وقطع الطرق. يرى البعض أن الثورة أدت إلى انفلات في الاحتجاجات وشجعت الفئات المختلفة على رفع راية العصيان دون خوف، وهو ما تروّجه بشدة أبواق الثورة المضادة. ولكن الواضح أنّ كل تلك الاحتجاجات التي شارك فيها ملايين المصريين كانت قبل ما يعتبره البعض «الانفلات الذي تلا الثورة»، فكل ذلك حصل في ظل نظام مبارك وطوارئه وأمنه، وهو ما يؤكد عكس الفكرة الرائجة؛ فصعود الاحتجاجات العمالية والاجتماعية هو ما أنتج الثورة وليس العكس، وإن كان انفجار الثورة بالطبع طور في الاحتجاجات.
لم ينته الأمر مع سقوط مبارك؛ فالحركة العمالية والاجتماعية تزايدت وتيرتها مع الثورة وبعد إسقاط مبارك، للمطالبة بالحقوق الأساسية للطبقات الفقيرة في مصر. ورغم أن تلك المطالب كانت الجزء الرئيسي من شعارات الثورة «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، إلا أنه بعد الثورة بدأت وسائل الإعلام المختلفة إطلاق مصطلح «الاحتجاجات الفئوية» على احتجاجات العمال والاحتجاجات الاجتماعية، معتبرة إياها تحركات خارج نطاق الثورة وأحياناً ضدها. يرصد تقرير للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن الحركة العمالية والاجتماعية، أنّ الاحتجاجات العمالية والاجتماعية في عام 2012 وحده كانت تفوق كل الاحتجاجات التي وقعت في السنوات العشرة السابقة على الثورة. وبالطبع كانت تلك الاحتجاجات التي أدت إلى شلل كامل أحياناً في الشوارع والمرافق في مصر تتم بالمخالفة للقانون الصادر بمرسوم عسكري في مارس/ آذار 2011 الذي جرم الإضرابات والاعتصامات ووضعها تحت طائلة القضاء العسكري. هذا القانون جرى تطبيقه بالفعل وفضّت احتجاجات عمالية وفلاحية بموجبه وأحيل به عدد من العمال على القضاء العسكري. ولكن لم يسهم ذلك بالمرة في القضاء على الاحتجاجات ولا حتى خفضها.
في عهد مرسي تصاعدت الأمور أكثر؛ ففي الأشهر الخمسة الأولى من عام 2013 كان معدل الاحتجاجات العمالية والاجتماعية يزيد على كل الاحتجاجات التي وقعت في عام 2012، بحسب تقرير مؤشر الديموقراطية الصادر في أول يونيو 2013. لا يعني ذلك صمود الحركة العمالية والاجتماعية في وجه القمع في الأنظمة المتتالية من مبارك إلى مرسي، بل يوضح بنحو قاطع ودون أي شك أن الحركة العمالية والاجتماعية كانت طرفاً رئيسياً وشريكاً فاعلاً في مقاومة أنظمة الاستبداد المتعاقبة وإطاحتها.
المشاركة الفعالة من قبل الحركة العمالية في معركة التغيير من مبارك حتى مرسي لم تؤدّ إلى حصول العمال والفقراء في مصر على حقوقهم، بل بالعكس تزايدت معدلات البطالة والتضخم وتزايد الهجوم على الحركة العمالية.
عقب الثالث من يوليو/ تموز اتجهت الدولة إلى السيطرة على الحركة العمالية والاجتماعية، سواء عبر الاستيعاب بتولي أحد القادة العماليين وزارة القوى العاملة ووضع حد أدنى للأجور للعاملين بالحكومة وبعض الوعود بتحسين أوضاع العمال والفقراء. أو بالقمع من طريق فض الإضرابات العمالية، كما حدث في اعتصام السويس للصلب، بالقوة ودخول الدبابات إلى ساحات الإضرابات مثل إضراب شركة الغزل والنسيج في المحلة والاعتداء على العمال وطردهم من وزارة القوى العاملة التي يتولاها أحد قادة إضرابات العمال. إلا أن معدلات الاحتجاجات العمالية والاجتماعية لا تبدو تتجه إلى الهدوء، بل على العكس، بدأ أخيراً تصاعد وتيرة الاحتجاجات العمالية والاجتماعية، وخاصة مع اتضاح أن السلطة التي تشكلت في الثالث من يوليو لا تحمل جديداً في ما يخص معاناة العمال والفقراء، وهو ما يعني أن الاختبار الحقيقي لقدرة الدولة على تطبيق قانون التظاهر ستكون في مواجهة الطبقة العاملة والطبقات الفقيرة التي تسعى إلى الحصول على حقوقها. تظاهر العشرات أو المئات أو حتى الآلاف من السياسيين في أحد الميادين ضد قانون التظاهر يبدو مشكلة تعوق تطبيق قانون التظاهر. ومن الواضح أن له تأثيراً شديداً على التحالف الذي انعقد في الثالث من يوليو، وخاصة بعد تصاعد الأصوات الرافضة داخل هذا التحالف لقانون التظاهر وممارسات الداخلية، بعد نشر صور مناضلات يضربن بوحشية من الشرطة ويُختطَفن من الشوارع ويُلقَين في الصحراء. ولكن تحرك الملايين من العمال والبسطاء في طول مصر وعرضها للحصول على أبسط حقوقهم، تظل هي المواجهة التي خسرتها كل القوانين السابقة بما فيها قانون الطوارئ وانكسرت عليها كل آلات القمع بما فيها آلة مبارك القمعية الرهيبة.
* كاتب مصري