تقول الأسطورة إنّ طائر التم، الذي يقضي حياته صامتاً، حين يدنو أجله يرتفع محلقاً إلى أعلى نقطة في السماء يستطيع الوصول إليها ثم يطلق صرخته أو أغنيته الأخيرة و يسقط عمودياً إلى الأرض وينهي حياته!

إنّ العملية السياسية الطائفية التي جاء بها الاحتلال الأميركي لم يبق فيها رمق من حياة منذ زمن بعيد، وقال الكثيرون إنها فاشلة وغير قابلة للإصلاح وإنها تحولت من ميتة إلى ناشرة للأوبئة والكوارث والاقتتال الطائفي والفساد والإفساد والخراب العام، وهذا ما يتأكد يوماً بعد آخر. ومع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي التشريعي القادم، تبدو جميع الكتل والأحزاب مذعورة، قلقة، متشظية وباحثة عن نفسها في خضم الهرج والمرج الشاملين. لعل من أبرز ما رصده المراقبون في المشهد العراقي خلال الأيام والأسابيع الماضية تلك المكايدة البالغة درجة العداء اللفظي بين حزب المالكي «الدعوة» والتيار الصدري، وخصوصاً مع موقف الصدر الرافض لزيارة المالكي الأخيرة إلى واشنطن، وكأن هذه الزيارة تحدث للمرة الأولى، وتصريحاته الضارية ضدها والخالية من أية قيمة سياسية حقيقية، ثم جاء رد مكتب المالكي على تلك التصريحات ببيانات لا تختلف عنها من حيث قلة القيمة السياسية والضراوة اللفظية إلى درجة الخروج على اللغة الدبلوماسية المفترضة. وأخيراً في دخول النائب المستقيل من البرلمان جعفر الصدر، وهو ابن عم زعيم التيار الصدري مقتدى، على الخط بنشره لبيان غامض وغريب أحدث ردة فعل ربما كانت معاكسة لما أراده مَن كان وراء إصداره؛ فالبيان هاجم المالكي بشكل حاد ومتشنج واتهمه بما لم يفعل لا تلميحاً ولا تصريحاً كما قال الكاتب العراقي عزيز علي، ألا وهو استهداف آل الصدر كعائلة والإساءة إليهم ولم يقترب قليلاً أو كثيراً من المشاكل الكبرى المتفاقمة في العراق دولة ومجتمعاً.
بعض المحللين رجح أنّ يكون بيان النائب المستقيل مجرد رسالة غير مباشرة كتبت بدفع أو اقتراح من إيران إلى المالكي تفيد بأنه لم يعد المرشح المفضل الوحيد لدى طهران، وأنها يمكن أن تؤيد جعفر الصدر وتشجع إقدامه على منافسة المالكي بشكل جاد في الانتخابات القادمة ورئاسة الحكومة القادمة. ويدلل هذا البعض على أرجحية تحليله بالصمت المطبق الذي استولى على مكتب المالكي فلم يعلق بشيء على البيان المذكور بكلمة واحدة حتى الآن، ولكن هذا الدليل ليس كافياً لترجيح هذا الاحتمال مع أنه ليس مستبعداً البتة. ومع ذلك فبيان جعفر الصدر لم يعدم أن يستجلب مديحاً وتقريظاً من بعض الذين أتقنوا هذا النوع من ردود الأفعال. كتب النائب حسن العلوي، المنشق على قائمة علاوي، وبعدها انشق على قائمة الصغيرة التي شكلها بنفسه «العراقية البيضاء»، معرّفاً جعفر الصدر بعبارات من النوع الذي يقال عادة في البلاط الملكي ومشيخات القبائل فهو «سليل الارستقراطية العلوية ونسيل الدماء الشيعية الذي حاصر شرعية المالكي الشيعية، وظهوره بعد اعتكاف سيصنع صدمة التغيير الذي سيأتي بالسلم الاجتماعي ويعيد المقاهي المهاجرة إلى شارع الرشيد والأدمغة المسافرة الى جامعة بغداد وستفتح من جديد عيادات الأطباء الاختصاصيين (...) وأن ظهوره أحدث ارتباكا في ميزان القوى السياسية، وسينجم عنه تطور لاحق قد يرسم خارطة مستقبل». ولم يفعل هذا الإطراء سوى أنه ذكّر المراقبين والقراء ورواد مواقع التواصل الاجتماعي باللغة المتنفجة التي كان يكتب بها هذا النائب مدائحه القديمة لرئيسه السابق صدام حسين حين كان بمثابة أحد مستشاريه الخاصين لبضعة أعوام.
ضمن هذه المعافسات والارتكابات جاءت أزمة العلاقات بين النائب عزت الشابندر الذي يوصف عادة بالمقرب من رئيس الوزراء نوري المالكي، ويعتبره البعض الأكثر تأثيراً وفاعلية بين جميع المقربين. الشابندر لا يعتبر نفسه مقرباً بل قريباً من المالكي، ولا يخفى الفرق البلاغي والسياسي بين الصفتين بما ينفي عنه صفة التقريب كنوع من التفضل والصدقة من الرئيس على المرؤوس إنما يؤكد صفة القُرب التي توحي باحتمالات الندية والتساوي وترك المسافة المعقولة بين طرفين.
جاء اللقاء التلفزيوني المفاجئ مع الشابندر على شاشة إحدى الفضائيات العراقية التي تدار من خارج العراق، «الشرقية»، بعد واحدة من أهم الأزمات التي مرت بها علاقته بالمالكي وقيادة حزبه «الدعوة»، وأيضاً مع قيادة ائتلافه النيابي «دولة القانون»، وموضوع هذه الأزمة أو سببها المباشر هو لقاء مصالحة قام به مع وزير المالية المستقيل والمتهم بقضايا فساد و قضايا أمنية رافع العيساوي. الشابندر زعم أنه أعلن منذ البداية أن هذا اللقاء لم يكن بتكليف من المالكي، وأكد ذلك العيساوي نفسه، ثم عاد وأكد هذا المعنى مع صحيفة يومية سعودية. ولكن هذا التأكيد لم يمنع مكتب المالكي من إصدار بيان يتبرأ فيه من اللقاء ويقول كلاماً يمكن وصفه بالحاد وشديد التشنج ضد الشابندر وحتى بعدما أكد هذا الأخير مجددا نفيه لأي تكليف من المالكي وأنه أبلغ العيساوي بأن المالكي يعتبر قضيته قضائية وأنه لا ولن يتدخل في أمور القضاء صدر بيان ثان من مكتب المالكي أشد لهجة وكان هذا مبعث استغراب الشابندر كما كرر عدة مرات في لقائه التلفزيوني. إنّ سلسلة الأزمات والتقاطعات السياسية طوال الفترة القصيرة الماضية أكدت أن مكتب المالكي يتصرف بعصبية واضحة وذعر حقيقي مع اقتراب الانتخابات القادمة، وربما كان لنتائج الانتخابات المحلية التي جرت قبل فترة والتي جاءت محبطة لآمال المالكي وحزبه تأثير في تفاقم هذه العصبية وذاك الذعر. غير أنّ هذا التفسير لم يعد كافياً فالشابندر أعرب عن آراء سلبية وحادة بحق حزب الدعوة في السنوات القليلة الماضية، ونشرت له تسجيلات خاصة و مصورة له يهجو فيها هذا الحزب هجاء مراً، ولكنه عاد واستثنى أخيرا عدد من قادته واعتبرهم من أصدقائه والمتعاونين معه، أمرٌ يعني أنه تمكن من كسب بعض العناصر القيادية في هذا الحزب واستعدى آخرين ضده.
إنّ الشابندر الذي نفى وينفي دائماً أنه عضو في هذا الحزب ــ الدعوة ــ ويقدم نفسه كنائب مستقل في كتلة «دولة القانون» لا يمكنه أن ينكر أنه من الإسلاميين الشيعة القريبين من حزب الدعوة طوال فترة نشاطه قبل الاحتلال، بدا متوتراً وخائب الأمل بطرف ما. وعكس تصوراً يفيد وكأن قيادة حزب الدعوة تحاول تأليب المالكي ضده لعزله، ولكن استفاقة الشابندر الأخيرة ضد العملية السياسية الطائفية والصراع بين الكتلتين الشيعية «التحالف الوطني» والسنية «العراقية» ودعوته الصريحة للعمل ضدهما كانت حادة وصريحة ويائسة في الوقت نفسه لكأنه يودع دولة القانون. لقد أطلق الشابندر ما يمكن تشبيهه بصرخة طائر التم في الأسطورة القديمة، وتكلم بمفردات لم يجرؤ أحد قبله على قولها، فقد قال حرفياً «إن مهمتي الأولى الآن هي تفتيت التحالف الوطني الشيعي وقائمة «العراقية» السنية لكي تتشكل على انقاضهما خريطة سياسية جديدة تعتمد المبادئ والولاءات غير الطائفية... يجب أن تنفرط مكونات التحالف الوطني الشيعي والعراقية السنية فلتنفرط ولتذهب إلى الجحيم لأنها ستأخذ العراق إلى الجحيم، يجب أن تتشكل خارطة سياسية وطنية جديدة». كما قال الشابندر أشياء مهمة أخرى بهتت كثيراً بفعل تأكيده على الجانب الذاتي وتبرير النفس و السلوك الشخصي كونه ــ كما قال ــ لم يحصل على أي امتيازات ولا يزال يسكن بالإيجار وحين يسافر إلى الخارج بمهمات معينة فإنه يدفع بطاقات السفر والتكاليف من جيبه؛ صحيح أن هذه الأشياء تسجل لصالحه في أجواء الفساد الشامل في الدولة العراقية اليوم، ولكن الوقت «السياسي» قد لا يكون مناسباً لطرحها. إن النائب عزت الشابندر يبقى أحد أعمدة العملية السياسية حتى الآن، بالمعنى الوظيفي لكلمة «أعمدة»، وهو النائب أو السياسي الأكثر قرباً إلى المالكي والأقوى تأثيراً وتفاعلاً معه. ولا يمكن نسيان أنه أحرز العديد من صفقات المصالحة مهما قيل بخصوص نزاهتها ودوافعها المباشرة، ووقف إلى جانب المالكي في حملته العسكرية ضد الصدريين قبل بضعة أعوام في ما سمي «صولة الفرسان»، والتي لم يغفرها له الصدريون حتى اليوم، وله مساهمته المباشرة في تنفيذ خطط التهدئة والتطبيع مع قطر وتركيا، وفي وضع ما سمي الخطة العراقية لحل القضية السورية سلمياً، والطريف أن هذه الخطط والمهمات آتت أكلها وهو في قلب أزمته الجديدة، أما إذا أراد أحد أنْ يقارنه بمن لا برنامج حقيقياً لديه سوى التعكز على اسم العائلة والدعوات الصغيرة والصادمة كالدعوة إلى إطالة لحى عناصر القوات الأمنية وفرض لباس محتشم على الطالبات الجامعيات أو إلى إقامة الإقليم السني في المنطقة الغربية فإنه سيخرج بنتائج «انتخابية» قد تفاجئ الكثيرين!
وفي السياق ذاته يرصد المراقبون للمشهد العراقي بدايات لعبة سياسية جديدة، تحاول بعض الأوساط الصحافية والسياسية ترويجها، وذلك بتشكيل محور سياسي جديد يتشكل من علاوي والصدر والنجيفي والعيساوي والبرزاني وتقديمه كمحور جديد وإصلاحي بديل لفريق المالكي وحلفائه، هذه الخطة كما هو واضح لا تخرج عن إطار الصفقات داخل المشروع السياسي ذاته، ولذلك يعتقد البعض بضرورة كشفها وفضح جوهرها محتجين بأن هؤلاء ــ في المحور الجديد البديل ــ لا يختلفون بشيء عن أولئك، فهم أولا جزء منهم في الحكم حتى أمس واليوم، ولأنهم، ثانياً، قد يكونون أسوأ منهم، سواء كان الأمر بالعلاقة المباشرة مع المخابرات المركزية الأميركية، علاوي خير مثال على ذلك، أو بالتعصب السلفي والتكفيري الذي يريد أن يحكم إمارة نفطية خاصة بالشيعة بواسطة المليشيات والمحاكم الشرعية الدينية، أو بالعمل من أجل الإقليم السُني... إلخ. أما عن الانتخابات القادمة فقلة هم الذين يعولون عليها وعلى نتائجها طالما لم يوجد بعد شارع عراقي ناضج ومستعد للتحرك بنقدية واستقلالية تامة بسبب الاستقطاب الطائفي الحاد وقوة التضليل الذي تمارسه الأحزاب الشيعية والسنية والقومية الكردية معاً. ومع ذلك، فإنّ صرخة طائر التم التي أطلقها الشابندر، وبغض النظر عن مسألة بقائه قريباً من المالكي ودولة القانون أو انسلاخه عنهما، تصلح لأن تكون جرس إنذار خطيراً يقرع داخل سفينة العملية السياسية وحكم المحاصصة، ومعروف كيف يتصرف اليائسون في ربع الساعة الأخير قبل غرق السفينة تماماً.
* كاتب عراقي