كان الخامس عشر من شهر حزيران (يونيو) الماضي يوماً مفصلياً في تاريخ مصر أمّ الدنيا. الرئيس المصريّ آنذاك محمد مرسي، الذي تمّ عزله بعد أسبوعين، أعلن قطع العلاقات الدبلوماسيّة مع سوريا وإغلاق سفارتها في القاهرة. ودعا أمام آلاف الإسلاميين الذين احتشدوا في استاد القاهرة في مؤتمر (لنصرة سوريا)، وهو يلتحف بعلم الانتداب الفرنسيّ، مجلس الأمن الدوليّ إلى فرض منطقة حظر جويّ فوق بلاد الشام. بالإضافة إلى ذلك، شنّ هجوماً عنيفاً على حزب الله، الذي مرّغ أنف الاحتلال الإسرائيليّ في حرب لبنان الثانية صيف عام 2006، والذي يُشارك في القتال في سوريا إلى جانب قوات الرئيس السوري بشّار الأسد، مؤكّداً أنّه لا مكان لحزب الله في سوريا، كما أشار إلى أنّه لا مجال ولا مكان للنظام الحاكم في دمشق مستقبلاً، معتبراً أنّ هذا النظام ارتكب جرائم ضدّ الإنسانيّة، على حدّ تعبيره. في الثالث من تموز (يوليو) الماضي وبعد تظاهرات شارك فيها عشرات ملايين المصريين ضدّ حكم الإخوان المُسلمين، تمّ عزل مُرسي وزجّه في السجن بتهمة قتل المتظاهرين قبالة قصر الاتحاديّة في القاهرة، وهذا الأسبوع بدأت محاكمته مع عددٍ من قادة الحركة.


■ ■ ■


الولايات المتحدة الأميركيّة، التي باتت سياستها ترتكز على التنازل عن حلفائها في جميع أصقاع العالم، خدمةً لمصالحها التكتيكيّة والاستراتيجيّة، وتركهم كالأيتام على موائد اللئام، أعلنت تقليص المساعدات والمعونات لمصر بسبب عزل مرسي، الذي رفضت تسميته بالانقلاب.
وهنا دخلت مملكة الدم والذّم، العربيّة السعوديّة على الخط، وأكّدت أنّها ستُعوّض مصر عن خسارة أموال المعونات الأميركيّة، على الرغم من أنّ هذه المملكة هي التابع الأوّل والمُطلق لواشنطن في الشرق الأوسط، وبدون الحماية الأميركيّة ستذهب أدراج الرياح داخلياً وخارجيّاً.
النهج السعوديّ لم يأتِ من فراغ ولا يدور في فراغ، فمن المعروف أنّها تكنّ العداء الشديد لحركة (الإخوان المُسلمين) وتدعم بكلّ ما أوتيت من قوة السلفيين الوهّابيين، وبالتالي أقدمت على هذه الخطوة الانتهازيّة بامتياز نكاية بالإخوان وإمارة قطر، التي تدعمهم، وليس من منطلق عشقها وغرامها لمصر وغيرتها على مصالح بلاد النيل. بكلماتٍ أخرى، استغلّت الرياض الضائقة الاقتصاديّة التي تشهدها القاهرة للحصول بالمقابل على أثمان سياسيّة تتماشى وتتماهى مع سياستها الخارجيّة في المنطقة. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فالسعودية تخشى أيّ تقارب مصريّ سوريّ عراقي، ولذا أرسلت إلى سوريا الإرهابيين وإلى العراق المفخخين من رجالٍ وسياراتٍ، وأرسلت إلى مصر رشوة ماليّة كي تُبقيها بعيدة عن سوريا والعراق، ذلك لأنّ السعودية تلتقي مع إسرائيل وأميركا في وجوب منع أيّ تبلور قوميّ عبر هذه العواصم الثلاث.

■ ■ ■


في بداية هذا الأسبوع أعلنت دولة الاحتلال تعيين سفيرٍ جديدٍ لها في القاهرة، وعلى الرغم من أنّ هذا الدبلوماسيّ الصهيونيّ كان متورطاً من أخمص قدميه حتى رأسه في ترتيب المؤامرة لتقسيم السودان، الدولة العربية. لم يُعارض النظام الانتقاليّ في مصر هذا الاختيار الإسرائيليّ، الذي يُمكن اعتباره بشكلٍ أو بآخر تحدياً لصنّاع القرار في القاهرة، وتعبيراً عن الازدراء الصهيونيّ لبلاد الكنانة. الموافقة المصريّة على قبول السفير الإسرائيليّ هو وصمة عار في جبين النظام الحاكم في القاهرة، كما أنّ قيام الجيش المصريّ بعمليات هدم الأنفاق في غزّة هاشم، والحملة الإعلاميّة المنهجيّة ضدّ الشعب الفلسطينيّ من قبل الصحف المصريّة، تؤكّد لكلّ من في وجهه عينان، أنّ تساوق المصالح بين تل أبيب والقاهرة وصل إلى ذروته. ذلك أنّ تشديد الخناق على القطاع، ومنع سكّانه من استخدام معبر رفح، المنفذ الوحيد أمام فلسطينيي القطاع، يخدم المصالح الإسرائيليّة كثيراً، إذ إنّ مهمة الحصار المفروض على القطاع باتت مقسّمة بين تل أبيب والقاهرة، والمأساة الإنسانيّة التي يعيشها سكّان القطاع بسبب الخطوات المصريّة، التي يُبررها النظام الحاكم بأنّها جاءت على خلفية حماية الأمن القوميّ المصريّ، تزداد من يوم إلى آخر، ولا يستغربنّ أحد إذا تحوّل القطاع إلى كارثة إنسانيّة بـ«لطف» جنرالات مصر. ولكن من الأهميّة بمكان الإشارة إلى أنّ التضييق يُولّد الانفجار، وبالتالي فإنّ فصائل المقاومة الفلسطينيّة في القطاع، وليس حركة حماس وحدها، ستتجه إلى محاولة لتغيير الوضع الراهن عن طريق إطلاق الصواريخ باتجاه الدولة العبريّة، الأمر الذي سيمنح دولة الأكثريّة اليهوديّة استغلال الفرصة لـ«الدفاع عن نفسها»، كما تُسوّق دائماً للمجتمع الدوليّ في كلّ عدوان بربريّ تشنّه على غزّة. من هنا، فإنّ الخطوات المصريّة ضدّ القطاع ستمنح إسرائيل الفرصة المواتية للانقضاض على غزة، بتنسيقٍ مع سلطة أوسلو _ ستان في رام الله المحتلّة، لـ«تحريره» من حكم حماس. ذلك أنّ حركة المقاومة الإسلاميّة باتت العدو اللدود لكلّ من مصر وإسرائيل وسلطة رام الله بقيادة محمود عبّاس، الرئيس غير الرئيس، وإذا خرج هذا السيناريو المُرعب إلى حيّز التنفيذ، فإنّ المقاومة الفلسطينيّة المسلحة ستُصبح في خبر كان. وهذا الأمر سيكون من أجل ترويض المقاومة، التي يعتبرها عبّاس وزمرته إرهاباً، وضمّ القطاع إلى الضفة الغربيّة المحتلّة، التي تقع تحت طرازين من الاحتلال: الفلسطينيّ والإسرائيليّ. ولا بدّ في هذه العُجالة من التذكير بتصريحات أقطاب دولة الاحتلال من المستويين العسكريّ والسياسيّ بأنّه في حال إقدام المقاومة الفلسطينيّة على قصف جنوب إسرائيل بالصواريخ، فإنّ ردّ الاحتلال سيكون قاسياً جداً، وقد يصل إلى إعادة احتلال القطاع وإسقاط حكم حماس.

■ ■ ■


خيوط المؤامرة على قطاع غزّة تندرج أيضاً في إطار المحاولات السعوديّة بإسقاط نظام الرئيس الأسد، والقضاء على الدولة السوريّة، فها هو وزير الخارجيّة السعوديّ يُطلق تصريحاً في المؤتمر الصحافيّ الذي عقده في الرياض مع «نظيره» الأميركيّ، جون كيري، ويقول من دون أن يرف جفنه إنّ بلاد الشام هي منطقة محتلّة من قبل الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، متناسياً عن سبق الإصرار والترصّد أنّ القوات السعوديّة، المسمّاة درع الجزيرة، تحتلّ مملكة البحرين منذ أكثر من سنتين بهدف الحفاظ على النظام الحاكم هناك من الثورة السلميّة. هذا التصريح الخطير ربّما يُعطي التفسير لعدم إعادة العلاقات بين دمشق والقاهرة، والتي كما أسلفنا أعلن الرئيس المعزول محمد مرسي
قطعها.
فقد مرّت ثلاثة أشهر على عزل مرسي، وما زالت العلاقات المصريّة _ السوريّة مقطوعة، مع أنّ وزير الدفاع المصريّ، الحاكم الفعليّ لمصر، عبد الفتاح السيسي، هو من تلاميذ القائد والمُعلّم والمُلهم، جمال عبد الناصر، الذي أرسى مقولته المأثورة بأنّ دمشق هي قلب العروبة النابض. ومن المفارقات العجيبة والغربية في هذا الزمن الرديء أنّ حكّام مصر يستقبلون السفير الإسرائيليّ الجديد، بينما لا يجرؤون على إعادة العلاقات مع سوريا، وهذا بحدّ ذاته تعبير عن عدم قدرة مصر على انتهاج سياسة خارجيّة مستقلّة، لأنّ العربيّة السعوديّة، اشترطت، وهذا اجتهاد شخصيّ ووجهة نظر قابلة للنقاش، على القاهرة تلقّي المعونات مقابل عدم تجديد العلاقات مع القطر السوريّ العربيّ «الشقيق».

■ ■ ■


وللتدليل على قبول مصر بالشرط السعوديّ، يُمكن أن نجده في التصريح الذي أطلقه الناطق بلسان الرئاسة المصريّة عن إعادة تقويم العلاقات مع تركيّا، على ضوء التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، التي اعتبرتها القاهرة معادية لها (06/11/2013). وكان أردوغان قد ذكر قبل أيام، أنّ إشارة رابعة، التي يرفعها أنصار الرئيس المعزول، محمد مرسي، ليست رمزاً للقضية العادلة للشعب المصري فقط، بل أصبحت علامة تندّد بالظلم والاضطهاد في جميع أنحاء العالم. كما أنّه اعتبر عزل مُرسي بمثابة انقلاب على الشرعيّة وهاجمه بشدةٍ. من هنا نستنتج أنّ مصر قادرة، إذا أرادت أن تنتهج سياسة خارجيّة مستقلّة بدون ضغوط من هذه الدولة أو تلك، ولكن في قضية استقبال السفير الإسرائيليّ الجديد، وفي قضية عدم تجديد العلاقات الدبلوماسيّة مع سوريا، نصل إلى نتيجة بأنّ سياسة مصر في عهد الحكم الانتقاليّ هي سياسة انتهازيّة بامتياز، وللأسف الشديد نقول إنّه مقابل أموال البترو دولار التي تنهبها السعودية من شعبها، فإنّ مصر تُنفّذ الإملاءات الصادرة من الرياض وتل أبيب وواشنطن على أحسن وجه، وهذا الأمر لا يُبشّر خيراً بالمرّة. ولعلّ ما يُحرج النظام الحاليّ أنّ هناك مخرجاً. صحيح أنّ النظام المصريّ يُعاني من شبه إفلاس للخزينة. ولكن معالجة هذا الأمر باتت ممكنة بعيداً عن قروض وهبات السعودية، أي بالاتجاه إلى الاقتصاد المصريّ نفسه وعلى الأقل إصدار سندات قروض محليّة، فضلاً عن استعادة المسروق من القطاع العام. ولكن هل يلجأ النظام إلى تبنّي هذا الخيار؟ واضح حتى الآن... لا.
* كاتب من فلسطينيّي الـ 48