قال صديق إنّ سعر الدولار الأميركي في سوريا انحفض خلال أسبوع واحداً بنسبة 20 بالمئة. من المرجح أن يكون مرد ذلك إلى توقف المضاربات ضد العملة الوطنية السورية، وتحديداً تلك التي اضطلعت بها دولة قطر منذ مطلع عام 2011. هذا ليس مستغرباً، إذا أخذنا في الحسبان الجهود التي بذلها أمير قطر قبل أن يتنحى ومعه رئيس وزرائه، على الصعيدين العربي والدولي من أجل دعم «الثورة» في سوريا.

ليس مستبعداً أن تكون انعطافة الموقف القطري دليلاً على وصول الحرب التي تتعرض لها سوريا إلى مرحلة البحث عن تسويات وربما عن صلح.
ما يبرّر الاعتقاد باحتمال أن تسير الأمور وفق هذا المنحى جملة من المؤشرات، منها هياج آل سعود، ومتبدلات قطر ودلال معارضات سوريا. أتذهب أم لا تذهب إلى «جنيف 2»؟ إلى غير ذلك من المشاهد البهلوانية التافهة، وإن لم أكن بصدد تناولها الآن. ما أود قوله هو أنّ شعوراً بالأسف والحزن يخامرني عندما أقع على مقالات بدأت أخيراً بالظهور في وسائل الإعلام، يعبّر كتبتها عن خيبة أملهم حيال علامات التهتك الأخلاقي والوطني البادية في صفوف «الثورة» السورية كما يزعمون، وعن خشيتهم من أن يكون انكسار هذه الثورة بات على وشك الوقوع.
عجيب أمر هؤلاء الكتبة الذين تطوعوا حتى وقت قريب بحماسة واندفاعة كبيرتين، لتسويق «الثورة» المذكورة، بما هي «ثورة عظيمة» في منزلة الثورات الإنسانية المفصلية. فالبعض منهم لا يخفون مرارتهم، لأنّ الولايات المتحدة الأميركية والحكومات الأوروبية التابعة لها تقاعست عن الهجوم العسكري المباشر على سوريا، ولم تكرر ما فعلته في ليبيا، فيما يُرجع آخرون أسباب خيبتهم إلى العيوب الكثيرة التي اعترت من منظورهم «الثورة» منذ انطلاقتها. علماً أنّ هذا لم يمنع الذين ينضوون في «هيئة التنسيق الوطنية» من الذهاب إلى الدوحة القطرية، وعقد اتفاق مع «المجلس الوطني». أو من الاتصال بأحد «المسؤولين الكبار في حلف شمال الأطلسي» (مقال هيثم مناع: مصنف بالرغم عنه: قصتي مع المشككين).
قرأت قصة السيد هيثم مناع مع المشككين. بدا لي من خلالها أنّه يقوم بجردة حساب لحصيلة ما يقارب الثلاث سنوات من «الثورة» السورية. المفارقة أنّ ما يكشف عنه ليس جديداً. لقد كان يعلم به كل ذي باع في شؤون السياسة السورية.
ماذا يقول هيثم مناع؟ أنّ الإخوان المسلمين في سوريا هم الذين حددوا موعد انطلاق «الثورة»، وأن خطابهم كان جاهزاً، بل والتضليل الإعلامي أيضاً. فلقد أعلنوا عن سقوط ضحايا في التظاهرات، ولم يكن قد سقط جريح أو قتيل. الداعون الستة لمجلس انتقالي سوري من إسطنبول «كانوا من الخارج ويحملون جنسيات أوروبية وأميركية». لا يزال السيد مناع يذكر قول عزمي بشارة الذي أتي به من فلسطين المحتلة ليفكر بـ«الثورة» من الدوحة، «إذا اتفقتم على هيئة مشتركة، فالطائرة جاهزة للسفر لبلدان عديدة للاعتراف بها». يلفت مناع نظرنا أيضاً إلى أنّ معسكرات للاجئين أقيمت في تركيا، قبل وصول اللاجئين؟ وإلى أنّ المعارضة السورية وقفت معقودة اللسان حيال جرائم قتل الجنود البسطاء في جسر الشغور وذبح المحامي من «أسرة شيعية» في حرستا، وفي مواجهة همجية الخطف على الهوية.
غريب أمر هذا المعارض. إذا كان عزمي بشارة قد باع قلمه ودماغه، فأين يا ترى موقعه هو؟ إنّ الوقائع التي ذكرها تثبت أنه ليس في سوريا ثورة، وأن عزمي بشارة وأبا محمد الجولاني قائد «جبهة النصرة»، لم يظهرا على الساحة السورية إلا من أجل، إعادة السوريين إلى «عصر الحجر». ألم يكن حريّاً به أن يبادر إلى تصويب مسار الثورة التي دعا وجماعته لها، بفضح أدعياء الثورة وعملاء الخارج قبل أن تتمادى القوى المعادية في تدمير سوريا؟
كيف يتحدث صاحبنا عن معارضة شرعية وطنية سلمية، يكيل المديح لها، رغم أنها استيقظت فجأة من غفوتها وقررت أن تنشط وتعارض، مغتنمة فرصة إعلان حرب عدوانية ضد بلادها، زجّت فيها عصابات تشكّلت تحت راية الجهاد، وقالت نعم للسلاح، نعم للاقتتال الطائفي والمذهبي، نعم للتدخل العسكري الخارجي؟ كيف توكل هذه المعارضة التي يزعم السيد مناع بأنّها أعطت «أجمل صورة للعالم عن الحركة المدنية الشعبية» (أي عالم!) أمرها إلى المحاربين ضد الوطن السوري وضد الوحدة الوطنية السورية، للتحدّث باسمها بحثاً عن تسوية مع الحكومة السورية، تسوية بين من ومن؟ هل هذه هي الثورة الشعبية والوطنية؟
مجمل القول إنّ قصة هيثم مناع مع المشكّكين تحملنا على أن نشكك في موقفه هو نفسه وأن نرتاب في أمر ما تحجبه الضبابية التي تلفه. مهما يكن لا أظن أن شكاوى السيد مناع ذات أهمية كبيرة، أو أن تقرب حركة حماس الفلسطينية من إيران أو من حزب الله يمثل معطى أساسياً. ليس تقويم الفروق بين آل سعود من جهة، وآل ثاني وأردوغان من جهة ثانية، ذا فائدة أيضاً. إنّ الدماء التي سفكت، والعمران الذي هدم، يفرضان جردة حساب مختلفة عن ملامات السيد مناع على أفعال «الثوار والمعارضين»، الذين يعدّ نفسه جزءاً منهم.
أغلب الظن أنّ البعض يشتمّ رائحة الطعام الذي يُعد في المطابخ، استعداداً لمأدبة الصلح والصفح عما مضى. ليس مستبعداً أن يكون وراء طلعات السيدين مناع وقدري جميل في وسائل الإعلام، محاولة لخلق طرف ثالث. ماذا حصل في مصر؟ تراجع الجيش فقامت الفوضى، ثم عاد الجيش! قد يحدث الشيء نفسه في سوريا. دمرت البلاد ومات من مات وتشرد من تشرد. أخشى ما يخشى أن تعود «حليمة لعادتها القديمة». فتثمر الضغوط صفقة مع الحكم، كتلك التي جرى التوصل إليها معه في المسألتين اللبنانية والعراقية. ستكون هذه الصفقة بالقطع كارثية، لأنّ الناس الطيبين في سوريا وفي غيرها، هم الذين دافعوا عن الدولة وعن الحكم ضد آل سعود وآل ثاني. أيّ ضد الخونة الذين يريدون بيع العرب كأنهم سلعة أو براميل نفط. فالخوف أن تقضي الصفقة مع الحكم في سوريا وحزب الله بالتعامل مع جماعات انتهازية، وساعتئذ تكون الكارثة بانتصار المحور السعودي مواربة... يحقّ لسوريا ولحزب الله أن يقبلا هدنة مع الأعداء، ولكن من العيب بل اللا أخلاقي واللا مبدئي أن يوقعا صلحاً مع الذين ذبحوا الآباء والأبناء في سوريا وأحرقوا وهدموا.
* كاتبة لبنانية