لم تعد معركة التغيير في الحزب الشيوعي اللبناني، بعد التحولات الكبرى التي يشهدها المشرق والإقليم والعالم على نار الأزمة السورية، قضية حزب وتغيير قيادة حزبية. بل هي، اليوم، قضية حضور وفعالية الشيوعيين واليساريين اللبنانيين في الصراع الدائر المحتدم مع الامبريالية والرجعية العربية على أرض سوريا.


وهو صراع سيحدد مستقبل المنطقة كلها، وخصوصاً لبنان، بما في ذلك مصالح فئاته الكادحة ودولته الوطنية ومقاومته واستثمار ثرواته. وفي هذه المعركة، يلاحظ المشروع الأميركي الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية. وهو مشروع له تبعاته السلبية العميقة، عربياً ولبنانياً.
من المؤلم أن الحزب الشيوعي اللبناني بقي غائباً أو، للدقة، مغيّباً، عن حمّى الاشتباك العنيف، عسكرياً وفكرياً وسياسياً، المستمر منذ نحو ثلاث سنوات في سوريا ولبنان والمشرق والعالم العربي، وعن ولادة اصطفافات سياسية جديدة، على كل مستوى، في سياق تبلور عالم ما بعد النيوليبرالية والقطب الواحد.
ولقد وعت المعارضة في الحزب الشيوعي اللبناني، مبكراً، جوهر أزمته، باعتبارها أزمة مشاركة الشيوعيين الضرورية والمجمدة في الصراع الطبقي والوطني والقومي، وتبنت برنامجاً معلناً للتغيير، يتضمن الآتي:
1ــ استبدال فريق الدفاع الحالي في قيادة الحزب، بفريق هجوم قادر على خوض معركة الهجوم الأيديولوجي المضاد وتفعيل دور الحزب.
2ــ الانتقال بالحزب، واليسار، من موقع الهامش إلى قلب الصراع الدائر في لبنان والمنطقة، بصفته صراعاً يتجلى، بشكل أساسي، في المجال الوطني.
3ــ الانخراط الفوري والنشيط في ورشة عمل بحثية ونقاشية بهدف إعادة قراءة الواقع الاقتصادي - الاجتماعي في لبنان تمهيداً لصياغة برنامج جديد للحزب، يضعه على سكة الخروج من أزمته.
4ــ إعادة الاعتبار المعياري للأخلاق الشيوعية وترجمة ذلك من خلال تقديم وجوه قيادية قادرة على تعزيز الرأسمال الرمزي والمعنوي للحزب.
وفي قلب هذه المعركة المستمرة، كانت حاضرة قضية الانخراط المطلوب في الصراع الملموس الدائر، الآن وهنا، ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية، بما يفترضه ذلك من تحالفات، ضرورية موضوعياً، مع قوى أخرى تخوض نفس الصراع. وفي نفس هذا السياق، جرى العمل على إظهار أنّ «الاستقلالية» التي تتغنى بها السلطة الحزبية، ليست سوى شعار يغطي الضعف الذاتي وانعدام الثقة بالنفس والرغبة، غير المفهومة، في تجنب الدخول في الصراعات الدائرة والاكتفاء، بدل ذلك، بالبيانات أو الخطابات العالية اللهجة.
وقد تجاهلت قيادة الحزب الحالية هذه النقاط البرامجية، واستمرت في الاستعاضة عن الدور السياسي بالمظاهر الاحتفالية، وطرح مسائل شكلية في حوار ميت. فالمتابع لاحتفالات الحزب الشيوعي اللبناني، في الذكرى التاسعة والثمانين لتأسيسه، تلتبس عليه معرفة واقع الطور الراهن من الصراع الدائر في داخله، من أجل التغيير؛ فوفقاً لخطاب الأمين العام للحزب، خالد حدادة، في مهرجان الأريسكو بالاس، فإن القيادة تسعى إلى التجديد، لكنها تأخرت في عقد المؤتمر(؟). أما رئيس «قطاع الشابا والطلاب»، فيلاقيه، عبر خطاب في لقاء نظّم في حصرايل، «بالتذكير» بأن المؤتمر «تأخر» موعد انعقاده، «ما يؤدي إلى استمرار إضعاف الحزب». هكذا، وببساطة شديدة، يجري اختزال الطور الراهن من الصراع الداخلي، بتوقيت عقد المؤتمر، ويتحدد سقف الاعتراض «الشرعيّ» بالتذكير بضرورته (!). وفي ذلك مجافاة للواقع وتشويه لجملة من الحقائق التي يعرفها الشيوعيون وأصدقاؤهم. والأكثر مدعاة للاستغراب، هو إعلان حدادة، في مقابلة معه بعد المهرجان، حرصه على الديموقراطية وتركه أمر تحديد موعد المؤتمر للشيوعيين، متجاهلاً أنه جرى تحديد موعدين للمؤتمر وفشل في احترامهما. وتأكيداً على الديموقراطية فإنّه «تحوّط» لاحتمال تحديد موعد قريب للمؤتمر، من خلال وثائق تعدُها لجان لم يجر تثبيتها، متجاهلاً، مرة جديدة، حديثه عن إشراك الشيوعيين والديموقراطيين في تحضير هذه الوثائق نفسها. صار استسهال الكلام وإطلاق الوعود وإعلان المواقف عادة مستقرة لدى قياديي الحزب، اعتقاداً منهم بالقدرة الدائمة على التفلت من المحاسبة.
لا شك أنّ «المماطلة» في عقد المؤتمر، الذي لم يتأخر لوحده، هي أمر يستوجب التوقف. ليس للتذكير اللطيف بمساوئ ذلك، بل من أجل تحديد المسؤولين عن هذه المماطلة وكشف نياتهم وخلفياتهم ومحاسبتهم. لقد نجحت السلطة الحزبية، حتى الآن، في التمديد لنفسها فترة تقترب من السنتين، تحاول خلالها «ترتيب» البيت الداخلي بما يساعدها على الاستمرار في موقع القيادة، المغتصب حالياً والفاقد للشرعية. وهنا بيت القصيد الذي تمّ تجاهله عمداً في خطابي الأريسكو وحصرايل. فجوهر الأزمة التنظيمية الحالية يتمثل، خصوصاً، برغبة أركان السلطة الحزبية في الانقلاب على النظام الداخلي للحزب، والتجديد لأنفسهم خلافاً لروحيته ونصوصه الجازمة. وليس صحيحاً على الإطلاق ما أعلنه حدادة لصحيفة «السفير»، من أنه لا يريد التجديد لنفسه، معتبراً هذا الكلام «مزحة الكترونية». فهو الذي يقود عملية رفض إعلان الالتزام بالنظام الداخلي أثناء التحضير للمؤتمر، ويحرص على إعطاء الأدوار الرئيسة في التحضير، لمن لا يحق لهم الترشح مجدداً. وفي هذا السياق بالتحديد، جرت معظم عمليات الفصل لتطاول بعض رموز المعارضة الجادين في رفض العبث بالنظام الداخلي بهدف تجديد السلطة الحزبية لنفسها. وفي الوقت الذي تتجرّأ فيه هذه السلطة على رفض التزام النظام الداخلي – بينما تحاسب وتفصل آخرين لما تعتبره خروقات له –، ترتفع أصوات، لدى أصحابها اعتراضات موضعية، تطالب المعارضة الجذرية باحترام النظام الداخلي، بدل مطالبة السلطة بذلك! سيمهد هذا الوضع لتمييع مجمل قضية التغيير في الحزب بسبب هذا التعاون، الموضوعي، على التضليل، من خلال التصويب بالاتجاه الخاطئ وإهمال المسائل الجوهرية. وبالمناسبة، يخطئ من يظن أن معركة التغيير في الحزب هي مسألة مفصولة عن تشكيل قيادة بديلة له؛ فالترابط عضوي ولا علاقة له، بالنسبة إلى المعارضة، بمسألة «السلطة»، بل بإيصال قيادة تمتلك رؤية بديلة وتتمتع بمميزات أعلى على صعيد الكفاءة والمقدرة والمناقبية والمحترمية. والتركيز على منع تجديد السلطة لنفسها، ليس صراعاً عليها، بل إنفاذاً للنظام الداخلي والتزاماً بالإصلاح الديموقراطي، الطفيف، الذي أنجز في المؤتمر الثامن والهادف، تحديداً، إلى فتح الباب أمام تجديد دم وعمر الهيئات القيادية.
لقد تقدمت معركة التغيير في الحزب، منذ انطلاقها خلال المؤتمر العاشر، خطوات إلى الأمام وتحققت، خلالها، العديد من الإنجازات التي ينبغي البناء عليها بدل التفريط بها؛ فلقد توسعت وتعمقت القناعة بانتقال أزمة الحزب إلى ما يشبه المأزق، وبعدم فاعلية خطه السياسي وغياب برنامجه وتدني كفاءة قيادته. وصار واضحاً للكثيرين وجود حالة تخبط فكري وسياسي ناجمة عن التأثر بالأفكار الليبرالية أساساً والابتعاد عن الماركسية والوقوع في التجريبية. كذلك جرى تحطيم «تابوه» النقد للقيادة وجرى معه تعميق وعي الشيوعيين بالفارق بين الحزب وقيادة الحزب التي كانت تحول كل نقد لأدائها، إساءة «للحزب» نفسه، بهدف تجريم أصحابه. وفي سياق هذه المعركة، التي شهدت فصولاً ومحطات عدة، فُصل أربعة قياديين، اثنان منهم من منطقة بعلبك والآخران من الجنوب (حولا)، يتقدمهم القيادي الأقدم في الحزب ونائب الأمين العام سابقاً، سعد الله مزرعاني. وسُلِّط الضوء على كم مخيف من الفساد، المالي والأخلاقي، وانكشفت مواقف قياديين على حقيقتها. وبرزت إلى السطح جملة من التفاصيل المتعلقة بالممارسات «التمييزية» داخل الحزب وغيرها من السلوكيات التي تنبئ بقرب انفجار «أزمة أخلاقية كبرى»، كما حذرنا منذ أكثر من خمس سنوات (النداء، 2008).
إن ما وصل إليه الحزب، بفضل هذه النضالات المكلفة، وكذلك ورشات النقاش المفتوحة في أكثر من منطقة والعرائض التي يجري توقيعها، يسمح بالانتقال بمعركة التغيير إلى مرحلة أرقى. وهو أمر بات واجباً اليوم. ولذلك سيكون مستهجناً من قبل عموم المنخرطين في هذه المعركة، بأشكال مختلفة، أن تستخدم أصواتهم أو تواقيعهم أو مواقفهم، إلى مطية لتثقيل الأوزان وتحسين المواقع، بهدف الدخول في مساومات بلا أفق مع سلطة مستعدة لتعميق أزمة الحزب واختلاق العشرات من «راجح» وتصفيتهم، من أجل الحفاظ على سيطرتها. فالمعركة الآن ليست على «موعد» المؤتمر، بل على شروط انعقاده ومجمل عملية التحضير له والمشاركة في أعماله.
وتقع على أطياف المعارضة الحزبية كافة، مسؤولية الدفع نحو توحيد حركتها من أجل تحقيق أهداف محددة تصب في مصلحة التغيير الجدي. وستفقد المعارضة، برأيي، جزءاً هاماً من قوتها المعنوية، وبالتالي حيويتها وتأثيرها، إن هي غطّت خرق النظام الداخلي لتسهيل تجديد السلطة لنفسها وإن هي قبلت بقرارات الفصل التي يعلم كل أقطابها، أنها جاءت في سياق ضرب المعارضة نفسها. ففي مثل هذه الحالة، تكون المعارضة قد تخلّت عن المبادرين إلى إطلاقها وسلّمت جماهيرها للمقصلة التي لم يوقفها أحد، وفقدت، في هذه الحالة، صفتها ومعنى وجودها. إن الإصرار على توحيد جهود وطاقات مختلف أطياف المعارضة، من أجل تزخيم عملية التغيير وتوسيع قاعدتها، لن يمنع حصول فرز بين مكوناتها، عندما تصل التباينات إلى حد التناقض. وبالنظر إلى تجاهل البعض للواقع الحزبي، بتنوعه المناطقي، وبؤر تمركز المعارضة فيه، مقارنة مع رموز السلطة في الحزب ومؤسساته، يمكن مثل هذا الفرز ألا يكون دون دلالات غير مسبوقة. فعلى ما يبدو، لا يقتصر الانحراف عن خط التأسيس (كما أوضحنا في «الأخبار»، 25 تشرين الأول 2013)، على التقوقع في «الداخل» اللبناني، بعيداً عن سوريا، بل تعدّاه إلى تبني جوهر النظرة المؤسسة للبنان الكبير، باعتباره جبلاً ضمّت إليه ملحقات.
* قيادي يساري ـ لبنان