لم تمتلك المسيحيّة صورةً لحياة أرضيّة تمثّل محور لاهوتها، مثل صورة الألم لمسيح مصلوب على الصليب. ولا يمتلك المسلمون صورة أقوى من كربلاء الألم والشهادة، تمثّل إمكانيّة لبناء ناسوتٍ دينيّ قابل للتعميم الثوريّ على كامل بقاع الأرض.

عجيبٌ أمر هذا الألم والشهادة، كيف يتصافح فيه أهل الأديان والاعتقادات والمشارب، بل وأهل الحياة من السائرين على الرمضاء والجلجلة طلباً للحريّة. لا يتميّز الواحد منهم عن الآخر في هذا المقصد، فكأنّما أذاب ناسوت الألم ودلالاته اللاهوتيّة كلّ مائز بينهم ليبقى الإنسان وجه الله الواحد.

ناسوت كربلاء واقعٌ خرج من الأرض المقدّسة في المدينة المنوّرة حيث رسول الله محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم. ثمّ ارتحل في بلاد واسعة بقصد الوقوف في جبل عرفة؛ وما وقوف عرفة إلّا رمزٌ لطلب الخلوص الكامل لله سبحانه، فاعترضه قطّاع الطرق إلى الله من جبل شياطين الظلم والبغي وتزوير حقائق الأديان. حالوا بينه وبين الله، إلّا أنّ الله أتمَّ كامل نوره في إنسانه الذي تكامل، فكان وليُّ الله الأعظم، ثمّ حالوا بينه وبين الناس، إلّا أنّ إرادة الثبات والإخلاص جعلت منه سيّد الشهداء بلا منازع، إلى أن حاصروه في صحراء قاحلة، فجعل منها دم الإمام الحسين سيّد الشهداء ووليّ الله الأعظم، محجّة لكلّ حرٍّ، لتكون بعدها كلّ أرض حرّة هي كربلاء، وكلّ زمن عزيز عاشوراء.
نعم، من حقّ الأديان، ومن حقّ الإسلام أن يبحث عن ناسوته، عن قيم الأرض والناس والحياة والدنيا. إذ ليس باللاهوت وحده تحيا الأديان وأهلها. كثيرون هم الذين يتحدّثون في أمور الله والآخرة والجن والملائكة وإلى ما هنالك. كثيرون هم الذين يُقتلون يوميّاً باسم الله، الإنسان والحياة ومظاهر الرحمة. كثيرون هم الذين يصطنعون لأنفسهم الزهد والرهبانيّة ليتعالوا على الآخرين، بل ليمارسوا أبشع أنواع الإلغاء في حقّ الآخرين. لكنهم قلةٌ هم أولئك الذين يحيون الليل بالتهجّد والصلاة، حتّى إذا ما انبلج النهار خاطبوا الناس قائلين لهم: إن لم تؤمنوا بالله واليوم الآخر، إن لم يكن لكم دين، فكونوا أحراراً في دنياكم، كما فعل الإمام الحسين عليه السلام في نهجه المقاوم الثوريّ.
إنّها حريّة مشروع الإنسان الحرّ العزيز؛ والحُرّ لا يظلم، كما أن الحُرَّ لا يُكره الناس على ما لا يؤمنون به... وهذا في ناسوت الحسين عليه السلام دينٌ أيضاً.
ليس من المهمّ أن تقول، بل المهم ما تلتزم به وما تعمله، فقيمة كلّ امرئ ما قد عمل. إنّ قريبك يوم عاشوراء الممتدّ في كلّ زمن نضاليّ لاسترجاع الكرامة، هو الذي سقاك عندما كنت عطشاناً، والذي آواك عندما نفاك أهل الظلم والبغي، والذي نصرك يوم أراد أهل الباطل قتلك. هؤلاء هم الذين سيكونون في جنّة المأوى، إذ جنّة المأوى إنّما يبنيها ناسوت دنيا عزيزة مفعمة بالحب والإخلاص والولاء.
دنيا لا يكفر فيها المؤمن بأنعم الله، وهل من نعمةٍ إلهيّة أعظم من نعمة وجود الإنسان؟ فكيف يكفر المؤمن أو يكفِّر إنساناً في أصل إنسانيّته؟
أراد البعض باسم الإسلام أن يصطنع لاهوت كلام تكفيريّ، وهذا نهجٌ ابتدأ منذ المراحل الغابرة من حياة المسلمين، ولا يزال إلى يومنا هذا. في وقت كان فيه لاهوت عقائد رسول الله محمّد يعمُر الأرض ببسم الله الرحمن الرحيم، ويعمُر الدين بنبيٍّ قال له ربه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. فاستمرّ رغم كلّ شيء رحمةً تعيد رسم الزمن والتاريخ بدم الحب والعشق الحسينيّ الشاهد والشهيد، لتقرأ الأجيال يوماً أنّ ناسوت الحسين عليه السلام العاشورائيّ هو فيض القداسة الإلهيّة التي تجسّدت في إنسان حرٍّ وعزيز، وأنّه سيبقى دائم الحضور في الحقوق، والأنظمة، والسياسات، بل وفي روح الأفكار والتشريعات...
والأهمّ، أنّ هذا النهج لا يمكنه السكوت في مواجهة الباطل والظلم والبغي. ولا يخفى أنّ الظلم الأشدّ مضاضة هو ظلم ذوي القربى.
وأهل القربى هنا هم: أهل العشيرة والعائلة والدين والحزب. يجمعك معهم سقفٌ واحد في الوقت الذي يباعد بينكم نبض القلوب وودّ العقول وقيم الروح والسلوك.
إنّهم أعداءٌ لإنسانيّة استخلفها الله في الأرض، يعملون على حربها باسم الدين والعائلة والحزب، وما يُعادون بذلك إلّا أنفسهم. لذا، عندما تفاجئهم الوقائع يسعون وبعنف لقتل كلّ الذين يجتمعون معهم في سقف وطنيّ أو دينيّ واحد، والحجة في ذلك «التكفير».
ألَم يكفِّر أعداء الحسين عليه السلام سبط النبيّ واتهموه بالمروق عن الدين، وما ذلك إلّا ليبرّروا قتلهم إيّاه؟ ألَم يهدموا المساجد والكنائس والصوامع، بل ومنازل الفقراء المتعبين، وأوطان المقهورين، لا لشيءٍ إلّا لأنّهم نسبوهم للكفر والجاهلية بهتاناً وزوراً؟
هؤلاء هم الأشدُّ مضاضة. وهؤلاء هم أعداء ناسوت الحسين عليه السلام. هؤلاء هم الذين قتلوا أخاه وابنه وابن أخيه وأصحابه بعدما أعملوا فيهم تقطيع الأيدي وبقر البطون وسحل الأجساد، ولا يزالون إلى اليوم يمارسون جرائمهم بالصور نفسها. هؤلاء هم من ذبحوا طفله الرضيع بين يديه، ولا يزالون يفعلون. هؤلاء هم من سَبَوا النساء والمرضى وحرقوا الخيام والبيوت، ولا يزالون يفعلون. هؤلاء هم الذين لم يردعهم دين ولا ضمير ولا قانون، ولا يزالون يجوبون الصحارى والبلدان يفسدون فيها كلّ جميل، ويقتلون كلّ حياة... في مواجهة هؤلاء كان ناسوت الشهادة الحسينيّة رفضاً وبياناً ومقاومة لا تعرف التراجع حتّى يرث الله الأرض ومن عليها. ناسوت الحسين معالم حقّ في مواجهة الفتن والجرائم.
ومن دون ناسوت الحسين لن نجد في أمّتنا ذاكرة الإباء، ولا في إرادتنا رفضاً للضيم، فكلّنا معنيّون باستجلاء معالم ناسوت مدرسة الشهادة إن كنّا أحراراً في ضمائرنا. وهذه هي عاشوراء التي نفهمها ونبكي، كما نثور لأجلها ومن منطلقها.
* مدير معهد المعارف الحكميّة
للدراسات الدينيّة والفلسفيّة