لكل شعب من الشعوب والبلدان ثقافة، بغض النظر عن قيمتها الإنتاجية، واقترابها أو ابتعادها عن الخير الذي تتصوره وتتوافق عليه البشرية، بحيث يمكن معايرتها وقياسها، بمقاييس العصر، لاكتشاف قدرتها على تحقيق الشبع والمنعة المؤهلين للتنافس الأممي، وبالتالي قدرتها على الوجود والاستمرار.

والثقافة هي المؤسس للوجود بهذا المعنى، والوجود المعاصر هو وجود مجتمعي متغير ارتقائياً، من حيث التكنولوجيات والقيم، بحيث يمكن للمجتمع توليد ذاته دائماً، مرتقياً بتكنولوجياته وقيمه، ليواجه استحقاقات العصور، كي يكون موجوداً على الأقل.
مرت الثقافات العربية (خصوصاً في شرق المتوسط كمثال) بأطوار أربعة، حددتها تأريخياً ظروف وأحداث خارجية، كالحربين العالميتين وما رافقهما وأعقبهما من «ثورات». ولكن الإطار العام الذي سعى إليه منتجو الثقافة، كمرشدين للثقافة الجمعية، هو توليد المجتمع على أسس معاصرة يمكن معايرة منتجاتها، وصلاحية هذه المنتجات للتنافس الأممي، وذلك بالدفع إلى انتاج ثقافة حقوقية دنيوية تحديداً، تستطيع تعريف الإنسان كمواطن فقط، على ما تعنيه كلمة مواطن من وجود مصلحي ضمن الجماعة البشرية.
الطور الأول: هو طور رجال النهضة (النهضويين)، ربما شكلت رواية «غابة الحق» لفرنسيس مراش الحلبي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر بداية معقولة ليس للتوق للانفصال عن العثماني فقط، والذي يعني الكثير من ممارسة الفكر التحديثي، وإنما توق شديد للتنمية. تأسيس بتوليد مجتمع مبني على أسس حقوقية تقنية، تجعل من الفروقات الإثنية والطائفية والعرقية والجنسية، هامشية (لا بل وفلكلورية تغني التنوع) أمام المواطنة الفردية كإمكانية انتاجية يستثمرها المجتمع للوصول إلى الشبع والمنعة، وهذا ما اعتبره النهضويون التحدي الأساسي لمجتمع محلوم به. في هذه الأثناء ظهر نهضويون كثر في الشام ومصر، كالطهطاوي والكواكبي ومحمد عبده وطاهر الجزائري، ولكنهم هزموا جميعاً، في خضم صراع ثقافة مقابل ثقافة. في تعبير حقيقي عن أكثرية تخاف التخلي عن ثقافتها الآفلة حكماً، التي تفتقد القدرة على المواجهة/ الضرورة لاستحقاقات الدنيا، التي أضحت واضحة تماماً، وأقلية نهضوية ترى لا بد من التغيير الثقافي، لمواجهة استحقاق كسايكس بيكو مثلاً، الاتفاقية التي شكلت الكيانات الجماهيرية تحت مسمى «الدولة»، دون النظر إلى ضرورة وجودها كمجتمع. وهُزم هؤلاء النهضويين لا بضربة غربية غريبة قاصمة مع نهايات الحرب العالمية الأولى، بل بالثورة العربية الكبرى التي تولى «قادتها» حكم الكيانات المفصلة على الخرائط الورقية وتسليمها للانتداب الذي فشل في تحويلها إلى مجتمعات على الرغم من إنشائه لـ«الدولة» بالمعنى السلعي المستورد. وربما كانت هزيمة الشيخ عبد الرحمن الكواكبي (كمثال) على يد الشيخ أبو الهدى الصيادي في حلب (كما هزيمة أبو خليل القباني من بعده على يد الشيخ سعيد الغبرا في دمشق)، كبروفة لطاقة ثقافة على التدمير الذاتي، عبر تسفيه وتسخيف وظيفتها المؤسسة، التي تتلخص بالإبداع والتجديد وطرح الأسئلة الصعبة، وطرق ما لم يطرق سابقاً، والأهم دعوتها إلى توليد مجتمع الشبع والمنعة، الذي يحتاج إلى تقنيات وقيم جديدة بالضرورة هذا من جهة. من جهة أخرى تولت هزيمة النهضويين تلك الفئة منهم، التي قالت، إن نأخذ من عصر الأنوار ما يناسبنا وترك ما لا يناسب (محمد عبده نموذجاً)، حيث فكّك الفكرة النهضوية برمتها ورميها بين فكي الجدل الذي لا ينتهي. فبدلاً من إعادة إنتاج مفاهيم عصر النهضة عبر العقل الفاهم للبيئة، لم يستوعب هؤلاء، إلا حل الترميم بواسطة الاستيراد، بحيث يجري تطعيم التفكير «التراثي» بمنتجات التفكير الأنواري متناسين السلسلة العقلية التي تؤدي إلى هذه المنتجات الأنوارية. وهذا ما قاد وبالضرورة إلى ثقافة هشة سهلة النكوص، وأيضاً إلى التأكيد على هزيمة النهضويين، ودخول أصحاب هذا الحل التلفيقي إلى طور آخر من أطوار محاولة تكريس ثقافة تستطيع أن تولد مجتمعاً.
في الطور الثاني: أي طور ما بعد الثورة العربية الكبرى أو طور ما بعد المؤتمر السوري الأول، 1918 (الذي أصبح تناسياً أثراً بعد عين) ظهر التنويريون أو من يمكن تسميتهم كذلك، كانت العلمانية وقتها كتحصيل حاصل وليست موضوع نقاش، أي أنها لم تكن خاضعة لهذا الاستقطاب المعلوماتي الهزيل. في كل الأحوال بدا التنويريون كتراجع تكتيكي وموقت عن النهضويين الذين سبقوهم، حيث اعتبر هؤلاء أن المجتمع موجود لمجرد انسحاب الوجود العثماني، تاركين للدولة أن تولد من رحم الانتداب ومقدماته الثورجية، من دون مجتمع بالمعنى التقني، حيث بدا لهم أن النهضة يجب أو تؤسس أولاً على على ثقافة معاصرة وجديدة كان قد أسقط مرحلتها النهضويون. في هذه المرحلة التي امتدت على فترة ما بين الحربين، أو ما بين الثورة العربية الكبرى والانقلابات العسكرية الكبرى، كان للجدل البيزنطي النصيب الأكبر من الأرباح، فالتنويريون الحقيقيون، وهم في حقيقتهم رجال نهضة، انهمكوا في معارك جزافية مع مالكي الثقافة الناتجين من عملية الترميم المقترحة، أو مع من هم في الأساس عديمي النهضة من أصحاب الاكتمال المعرفي. وزخرت المرحلة بتأسيس أحزاب عقائدية، وسياسية كثيرة، لتصبح المواجهات أكثر علانية واستقطاباً وإدماناً على الراعي الخارجي الذي كرس سايكس بيكو، ولكنها وفي غالبيتها اعتمدت على أن المجتمع (بالتصريف اللغوي) كان موجوداً. وهنا كانت الهزيمة، إما بالاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه (طه حسين نموذجاً)، أو الإعدام المباشر والسريع قبل استفحال الأمر وتحوله إلى دعوة لتوليد مجتمع النهضة (أنطون سعادة نموذجاً). في هذا الطور قدم هؤلاء التنويريون كل ما يمكنهم من معرفة، في محاولة التأسيس لثقافة صالحة للعصر الذي تعيش فيه هذه الشعوب، لكن مصائرهم تشابهت تماماً مع مصائر الكواكبي والقباني وأمثالهم، مفتتحين على أهمية منتجهم الثقافي الطور الثالث لمنتجي الثقافة، الذي يمكننا تسميته بطور المثقفين. والمثقفون وبتكثيف شديد هم العسكر، الذين قادوا الثورات بعد يالطا، العسكر بفضائهم الثقافي بمن فيه وما فيه من استقطاب حول مسألتي التراث والمعاصرة تحت شعارات دعم الثقافة، والذي تميز بالترويض والتدجين، كما تميز بالترغيب والترهيب، على الرغم من حضور بعض التجارب الإبداعية الباهرة كاستثناءات، تم تلافيها بالتجاهل وتركها لتناهش السابلة (مجلة شعر مثالاً)، ما قدم من منتجات ثقافية مواربة ذات رمزيات باهتة ومتملقة، ساهمت في دعم الثقافة الشفهية السطحية ذات الكم المعلوماتي الكبير، في مقابل غثاثة معرفية مشهودة.
العسكر كانوا مثقفين، وربما كانوا المثقفين وقتذاك، فهم السياق الأكثر قرباً للعصر ومعلوماته، خصوصاً مع الإعلام بمدارسه السائدة وقتها مع بداية عصر الصورة، حيث غاب سؤال المجتمع لتحل محله أسئلة جزافية وهوامية مفخمة بقوة الخوف، تتسق مع منطق الوعد بالتنمية والتحرير، والانشغال الدائم بالتأسيس لهما. فظهرت أسئلة الهوية والتراث والأصالة والخصوصية والاشتراكية والديموقراطية وإلى ما هنالك من أسئلة تفترض وجود مجتمع، متجاهلة كل مفاعيل عدم وجوده بمعناه التقني الحقوقي (الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ مثالاً)، معتبرة أن وجود الجماهير يكفي للبقاء والاستمرار برعاية التعليمات والتوجهات، كمنتجات ثقافية تصنع الاستقرار كبنية مؤسسة للتنمية والتحرير، في هذا الطور ظهر الاحتجاج في المنتجات الثقافية، كنقد بناء تحت سقف الشعارات، كدليل على تسديد سؤال الحرية (بقي كتاب طبائع الاستبداد للكواكبي ممنوعاً رسمياً إلى يومنا هذا)، دون الالتفات إلى من المستفيد من الحرية، المجتمع أم الجماهير؟ ويمكن تطبيق ذلك على الإصلاح الزراعي وغيره بوصفه منتجات ثقافية مخدومة بطوفان اعلامي مناسب.
مرة أخرى تأتي النتائج على غير ما تم الادعاء في المقدمات، ربما هزيمة الـ67 لا تكفي كمثال، بل الفشل الاقتصادي الاجتماعي الهائل الذي يشير إلى أن لا مجتمع تم توليده، على اعتبار أن المجتمع، أي مجتمع، هو تعبير عن حالة ثقافية معرفية للجماهير، تعبر عنها حالة انتظام وإيجابية الإنتاج كدليل على وجود المجتمع وعافيته. في المقابل كان هناك غرق حقيقي في ثقافة طور المثقفين التي افتعلت أسئلة لا تقود إلى أي مكان، إلا بتقويض أطوار التنويريين وما قبلهم من نهضويين. حيث بدا طور المثقفين رجعياً بمنتجاته ونتائجه عن هاتيك الأطوار، خصوصاً مع طوفان البترودولار الصحراوي بثقافته الاجتياحية عبر الإعلام والهجرة. في وقت كان سؤال التراث مسيطراً على الحيّز الفعال للمنتجات الثقافية فحصل اتخام ثقافي تراثي واضح، الطائفية أحد منتجاته الباهرة. فإذا كان المنتج الثقافي الاحتجاجي أشار إلى الفساد والمفاسد في بعض أدائه الخجول والمسقوف، إلا أنه لم يجرؤ على مقاربة مفاعيل التغريق بثقافة التراث تلك، في فصام جلي في تعريف الثقافة والمثقفين، حيث صار دورهم معاكساً للنهضة، خصوصاً في مسألة العلمانية التي تحولت بين أيديهم من تكنولوجيا تفكير إلى معتقد إيماني، وما يكتنف هذا التحول من صراع جزافي وغير عادل بينهم وبين التراثويين، خصوصاً مع حسم مبدأ أن الدولة هي عالمانية بالضرورة، حيث شكل التراث منفذاً وطريقاً إلى ولي الأمر، المستبد العادل، كمفهوم نهائي «للدولة»، لتصبح العدالة هي موضوع الاحتجاج وليس الاستبداد المعاكس والمنافي لوجود الدولة.
في هذه الأجواء جرى الانتقال السلس إلى طور النخبة الثقافية، أجواء مثقلة بالفشل المجتمعي، كنتائج للأداء الثقافي، شعوب تتقدم إلى الخلف، جماهير تعاكس طريق خلاصها أو سبل بقائها، فمع نهاية القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين كانت العولمة قد سيطرت، وأصبحت حالاً واقعاً يجب التعامل معه. ولربما كان 11 سبتمبر/ أيلول واحداً من المهارات العولمية التي نضحت من ثقافة غير مجتمعية كمساهمة بقسطها في هذا الواقع الجديد. لكن ولادة عصر النخبة كثقافة ترافقت مع ضجيج المظالم، ومطالبات التغيير، هذه المطالب لم ترق أبداً إلى المطالبة أو العمل على توليد مجتمع صالح لإنجاب دولة بمفهوم عصر الانوار الناجح والمجرب. هذه الولادة لم تؤثر أبداً في الجماهير التي تحولت إلى التراث كثقافة معمول بها، متجاهلة مقومات الوجود الحقوقية كطرح ثقافي موحد وتم التسليم والاستقرار على المفاهيم والقيم المتداولة، بل كانت النخبة وعلى طرفي الاحتجاج، تبحث في تقصيرات خدماتية صادف أنها سياسية فقط، حيث حصل الافتراق بين النخبة المنتجة للثقافة وبين الناس ومنهم جيل الشباب الرقمي الموزع بين التراثية الثقافية، وثقافة حقوق الإنسان التي دخلت إلى الثقافة تهريباً. وحتى الآن لم تبد كلت الثقافتين وضوحاً في المآرب، بما يشابه ثقافة النخبة التي باتت واضحة تقليدية واستثمارية ومستعملة وفصامية، بلا أسئلة حقيقية، لا بل بدت ملتحقة بالثقافة التراثية في الكثير من مفاصلها وأحداثها وحواديتها وطرافاتها، كمنع تعليق لوحة لفنان قدير وعالمي من قبل وزير لأن فيها بعض العري، يقابله بين الجماهير امتناع اصحاب المطابع من طبع أية صورة يقدرون أنها فيها «فحشاء»، حيث بدت النخبة نفسها مضحكة وكاريكاتورية وما قبل مجتمعية وهي تعيد إنتاج إشكاليات عضالية لا يمكن طرحها إلا على مجتمع كامل الهيئة والأركان. حيث بناء الإنسان كإمكانية، هدف أساسي من أهداف الإنتاج الثقافي، فارتبكت وتعطلت أمام أسئلة مثل اللغة، والمفاهيم الحديثة المتبدلة ارتقائياً وعلوم الاجتماع (هناك ندرة مشبوهة بكمية علماء الاجتماع)، ومسائل العيش اليومي، والفساد، والتكنولوجيا والبحث العلمي وربطه بسكان الأرض، والاتصالات، والعشوائيات، والعنف بكافة مظهره وتجلياته... إلخ، لتبدو رحلة الثقافة من النهضويين إلى النخبة بلا أية مكاسب، أو ارتقاء على الرغم التوسع في استخدام التكنولوجيات المستوردة لتغطي على الفشل المعرفي. فقد فشلت هذه النخبة، وعلى سبيل المثال في اقناع الجماهير، أن السيارة الحديثة هي جزء من نظام المرور وقانون السير. نعم على هذا المستوى البدائي يمكننا ملاحظة التأثير الثقافي المتهافت وقس على ذلك، عند القيام (ومثلاً أيضاً) بدراسة حوادث السير من حيث نتائجها الاقتصادية والاجتماعية، لم تستجب النخبة المنتجة للثقافة لاستحقاقات المعرفة المعاصرة ولم تعمل على تكريسها ولم تدع إلى تغيير قيمي مقابل التغيير التكنولوجي الباهر، بل استمرت في إعادة اجترار الأطروحات الثقافية مع تعديلات فرضتها قوة البترودولار تنحو إلى التبسيطية ساذجة خدمة للجماهير «الأمية» حيث حول عتاة هذه النخبة (وكمثال) الحقل المعرفي للأكثرية، من الحقل السياسي إلى الحقل الإيماني الاعتقادي، الذي يهدد حلم توليد مجتمع بشدة وهمجية مباشرة، عبر الطائفية السرطان الأشد فتكاً بالشعوب والجماهير، خصوصاً تلك الجماهير الموجوعة والحانقة من الهزائم في مواجهة استحقاقات العيش المعاصر.
لا يمكن للناظر إلى مآل التجمعات البشرية العربية الحالي، وأدائها الخارج عن كل عقال، معرفي حقوقي أو أخلاقي، أن يشك للحظة واحدة بأنها حصيلة الممارسة الثقافية لهذه الشعوب، ليبدو سؤال ما الذي جلب على شعبي هذا الويل تأسيسياً، مقابل أسئلة من نوع الهوية والخصوصية والتراث وغيرها من تهويمات إدارة الأزمات، فعلى الرغم من هزيمة كل من النهضويين والتنويريين بقوة ممارسة هذه الثقافة، إلا أن اسئلتهم المؤسسة لما تزل ملحة وضرورية، ولا يمكن القفز عنها حتى مع تغير الصورة من أشكال وأدوات.
* سيناريست سوري