لم يسبق لمقالٍ، منذ اندلاع الانتفاضة السوريّة، أن أثار جدالاً كالذي تسبّب به مقال الفيلسوف السلوفينيّ سلافوي جيجك: «سوريا: صراع زائف» (نُشر بالإنكليزية في «ذي غارديان»، ونُشرت ترجمته العربيّة في «السفير العربي»). المثير في الأمر هو أن الهجوم لم يكن مصوَّباً باتجاه أفكار المقال، بل إلى كاتبه، أو بالأحرى إلى يساريّة كاتبه. وقد تفاوت الهجوم بين وضع جيجك في خانة «اليسار الغربيّ المعادي للثورة السورية»، أو اتهامه بكونه «جاهلاً بظروف وتطورات الثورة»، أو اعتبار المقال وكأنه لم يكن، إذ «ما الذي يمكن توقّعه ممن يضع جواربه في أدراج مطبخه؟»، على حد تعبير أحد أشرس من هاجموا المقال.


بعيداً عن جوارب جيجك، كانت الجملة التي أثارت حفيظة معظم المعارضة السورية، هي: «لا تحتاج إلى أن تكون خبير طقس لتعرف اتجاه الرياح. واتجاه الرياح في سوريا واضح: أفغانستان». بدايةً، لا بد من الإشارة إلى أن أفكار جيجك، بخصوص «الربيع العربيّ»، لم تتغيّر منذ عام 2012، حين نشر كتابه «عام الأحلام الخطرة»، وبالتحديد الفصل المعنون «الشتاء، الربيع، الصيف، والخريف العربيّ» (كُتب الفصل أواخر عام 2011). إذ قارب فيه ظاهرة الانتفاضات العربية ضمن سياق «الثورة العالمية» الممتدة من لندن ونيويورك إلى سيدي بوزيد وميدان التحرير. وبرغم أن أفكار جيجك السياسية وطروحاته بشأن «الربيع العربيّ» لا تصل إلى مستوى تنظيراته الفلسفية، أو عمق تحليلاته لمسائل سياسية واقتصادية أخرى، كالأزمة المالية العالمية، أو قانون الرعاية الصحية الأميركي، أو حتى القضية الفلسطينية ونقد الصهيونية، إلا أن النقطة الجوهرية التي تشغله دوماً، بعيداً عن صخب الابتهاج بالثورات والاحتجاجات والتظاهرات، هي سؤال: «ماذا بعد؟» (سواء كان ذلك في حركة «احتلوا وول ستريت» أو الانتفاضة المصرية اللتين أُجهضتا بدرجةٍ ما). وبصرف النظر عن محاولته المتواضعة لنبش جذرٍ تاريخيّ للانتفاضات العربية في ثورتي الزنج والقرامطة، إلا أن النقطة الأهم، والأكثر دقة، كانت في إحالته إلى لحظة أكثر قرباً، جغرافياً وتاريخياً وتشابهاً يكاد يبلغ حد التطابق؛ أي الاحتجاجات الإيرانية عام 2009. وبرغم أن هذه الإحالة لن تسرّ محبّي إيران أو كارهيها، إلا أن المقارنة هنا دقيقة، ومرتبطة بمسألة «رَدْكَلَة الصراع» التي أشار إليها في مقاله الأخير، أي تعميق البعدين الاقتصادي والاجتماعي للانتفاضات، دون الاقتصار على الركض وراء «الحرية والديمقراطية».
وبالطبع، وكما يمكننا أن نتوقّع، تجاهل المعارضون جميع أفكار المقال، ليقتصر هجومهم على قضية «أفغنة سوريا». ولكن، وللمفارقة، بدأ هؤلاء أنفسهم منذ نشر المقال بكتابة مقالات وإطلاق تصريحات فايسبوكية تصبّ في نفس الاتجاه الذي أشار إليه جيجك، وشنّوا هجوماً غير مسبوق على «داعش» وأصوليّتها، بل وصل الأمر، عند البعض، إلى وضع مزدوجين عند الإشارة إلى مناطق سيطرة «داعش» (أي «المناطق المحرَّرة»)، الأمر الذي كان، إلى وقت قريب، مدعاةً للتّخوين منهم بالذات ضد كل من «يتجرأ» على التشكيك أو التساؤل فيما إذا كانت تلك المناطق محرَّرة أم لا.
قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، وكأنه «توبة» أو «ردّة» لمن كانوا حتى الأمس يسوّقون للطائفيّة ذاتها التي تتعامل بها «داعش»، وإن بأسلوبٍ «علميّ ومعرفيّ» أو بأسلوب «البورتريهات الثورية». ولكن الأمور ليست كما تبدو عليه حقيقةً، إذ إن الغاية الفعلية من هذا الهجوم كانت بهدف التمييز بين «السلفيّة الأجنبية»، التكفيريّة بالضرورة، و«السلفيّة السورية الأكثر اعتدالاً»، أو بشكل أدق: التمييز بين «داعش» و«جبهة النصرة»، مُبعدين «الجيش الحر» عن هذه المعادلة، دون إبداء أسباب موجبة لذلك، إلا إذا اقتصر الموضوع على كونه «غير سلفيّ»، بحسب رأيهم. ولو تابعنا تلك المقالات بدقة، لأمكننا التقاط ذلك التمييز بوضوح، إذ ليس ثمة كلمة واحدة تهاجم (أو تنتقد على الأقل) ممارسات «جبهة النصرة»، بل نجد امتداحاً لـ«سوريّتها»، مترافقاً مع ابتهاج وتسويق للصورة التي تجمع «القادة الثلاثة الكبار» في «الجيش الحر» و«جبهة النصرة»، وتأكيداً يصل حد العناد في التمسك بالأفكار التي عبّروا عنها منذ ولادة «جبهة النصرة» أواخر عام 2012، وصولاً إلى وضع الجبهة على لائحة المنظمات الإرهابية من قبل الحكومة الأميركية (أي: «لنؤجّل كل النقاشات إلى حين سقوط النّظام»، أو «بعد سقوط النّظام، سيخضع سلاح «جبهة النصرة» إلى حكم القانون»!).
وفي حقيقة الأمر، يبدو وكأن السلطة والمعارضة متّفقتان الآن على أن «داعش هي الحل»، بمعنى إيجاد «شمّاعة مؤامرة» تعلّق عليها كلٌّ منهما ذنوبها، وتحمّلها مسؤولية التسبّب بحرب أهلية، بحيث يتم تبرير الأعمال العسكريّة (أياً تكن درجة فظاعتها أو طائفيّتها) أمام مناصري كلٍّ من طرفي النزاع، وأمام الغرب بشكلٍ خاص. ولكن الواقع الفعليّ يؤكّد أن الحرب الأهلية هي الأحداث الحالية بحدّ ذاتها، لا نتيجتُها فحسب. ولا بد من التأكيد، هنا، على صيغة مُحرَّفة من السؤال الاستنكاريّ الذي انتشر في بداية الانتفاضات العربية: «إن لم تكن هذه هي الثورة، فما الثورة إذاً؟» ليصبح «إن لم تكن هذه هي الحرب الأهلية، فما الحرب إذاً؟». فالإشارات شديدة الوضوح، وتتجلّى في ثنائية «التعجرف ــ الركوع» التي تميّز تصرفات الأطراف المتقاتلة في سوريا؛ التعجرف تجاه «الشعب»، والركوع أمام «الغرب»، لا سيما في التصريحات الصحافية، الموجّهة إلى الغرب، التي أطلقها رموز السلطة والمعارضة في الأسابيع الأخيرة، لنعود هنا إلى حقيقة «الأغلبية الصامتة» التي كانت ولا تزال هي الحل، في حال رضخ الطرفان إلى التفاوض كحل وحيد للمسألة السوريّة. وكذلك، كانت الأخبار المتداولة مؤخراً بخصوص هجرة 50 ألف مسيحيّ إلى روسيا (بصرف النظر عن مدى المبالغة بالأرقام)، بمثابة الشهقة الأخيرة للمحتضر السوريّ. هنا، لن ينفعنا الغرور الذي يتميّز به السوريون بكونهم «أرقى» أو «مختلفين» عن العراق أو ليبيا أو لبنان أو حتى أفغانستان؛ فالحرب الأهلية هي الثابت الوحيد الذي تتساوى أصداؤه وظلاله. ولن ينفعنا، كذلك، التبجّح بـ«الإسلام السوريّ المعتدل» وأكذوبة «التعايش»، وبأننا «سنعلّم المنطقة معنى الثورة»، إذ إنّ السير على هذا المنوال لن يترك لنا أمثولة «نعلّمها» للمنطقة سوى الدّمار والحرب الأهليّة.
* كاتب ومترجم سوري