تتراكم المشاكل الخارجية والداخلية في وجه رجب طيب أردوغان منذ الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى الولايات المتحدة الأميركية في 21 نيسان/ أبريل 2013. طالب خلالها الرئيس باراك أوباما بالتدخل المباشر في سوريا.


لا سيّما أن «تركيا العدالة والتنمية» أمعنت في محاولات التحكم في شأن الحكم في سوريا، فدعمت وشاركت في التدريب والتسليح لكن دون احراز تقدم. كذلك شجعت مخابراتها وسهلت دخول المتطرفين من «النصرة» و«القاعدة» من مختلف دول العالم، لا سيما من دول الاتحاد الروسي الاسلامية كداغستان والشيشان عن طريق الحدود السورية ــ التركية، وتعاونت مع قطر في ذلك. إذ سمحت بتدفق الأموال الخليجية عبر حدودها، وحاولت اسكات معارضة الداخل التركي، التي طالبت يتحييد بلادها عن الصراع على سوريا.
اتهم أردوغان المعارضة في بلاده بالعمالة للأسد على قاعدة مذهبية وكيدية، وبالرغم من التظاهرات المعارضة لهذه السياسة أصم أردوغان أذنيه بانتظار نجاح تحقيق مشروع العثمنة الذي خطّط له عبر تولي الإخوان المسلمين السلطة في مجمل العالم العربي. جاءته الضربة القاصمة من مصر وأسقط صمود سوريا هذا الحلم، الذي لم يكن حلماً تركياً فقط إنما مشروعاً أميركياً أيضاً من أجل ضبط المنطقة العربية والتفرغ للصين، التي تعاظم دورها الاقتصادي. فكان لا بد من تهيئة الجو المناسب لمدّ «الاسلام المعتدل» إلى معقل الكونفوشيوسية من أجل خلق التناقضات والانشقاقات ومنع روسيا الاتحادية من انجاز وحدتها عبر الهائها بإسلام قاعدي يضرب في جمهورياتها.
قد تكون تطاهرات «تقسيم» هي إحدى محطات معارضة سياسة أردوغان في الداخل، حيث ينوي تحويل النظام إلى رئاسي بعد أن ضرب سلطة العسكر تحت شعار بسط الديمقراطية. أما التراجع غير المعلن عن وعود قطعها للأكراد باقرار حقوق طالبوه بها بعد فتح حوار معهم في بدايات عام 2013 اثر واسطة الأميركيين، فأظهرت خوفه من القوميين الأتراك من جهة، كما الحذر من استقلالية كردية تضرب وحدة تركيا. جابه التظاهرات، التي دعت إلى اسقاطه بالعنف والقول إنّه منتخب ديمقراطياً. وبينما كان حزب العمال الكردستاني قد بدأ في آذار/ مارس 2013 تنفيذ انسحاب عسكري من تركيا باتجاه كردستان العراق، ووعد باتمامه في شهر آب من العام نفسه مقابل طرح أردوغان حقوقهم في البرلمان، واقرارها مع الانسحاب الذي كان مقرراً، تم ايقاف الانسحاب ومطالبته بوعود قطعها. جاءت الخيبة كبيرة عندما أعلن هذا الشهر بعض الاصلاحات الهشة، والتي تقتصر على السماح لهم بتعليم اللغة الكردية في المدارس الكردية الخاصة وليس الرسمية. ولم يتطرق إلى اطلاق سراح عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني وسواه من الوعود. قد تكون المشكلة الكردية من أهم مشاكله، لا سيما أنهم على حدوده في سوريا يتلقون ضربات المعارضة السورية المدعومة من تركيا. ولمنعهم من تشكيل حيّز كردي مستقل، تقوم المخابرات التركية بدعم «النصرة» و«داعش» بعد محاولتها السيطرة، وإن كانت هذه الأخيرة لا تتوافق سياسياً مع تركيا، التي تدعم الجيش الحر. لكن الرهان التركي على ضرب أكراد سوريا يهدف إلى محاربة فكرة استقلالهم المنشود، الذي يصبّ ضد المصلحة التركية من جهة، وابقاء نار الحرب شاعلة في الشمال عبر السماح بتسليح «داعش» من جهة أخرى، كونها ورقة يمكنها بيعها والمساومة عليها مع خصومها ومع حلفائها الأميركيين، لا سيما بعد شعورها بالخسارة.
لم يخفِ أردوغان امتعاضه في قمة آسيا ــ الباسفيك من وزير الخارجية الأميركية جون كيري، الذي أشاد بالانجازات التي تحققت في سوريا والدور الايجابي للحكومة السورية، التي نفذت قرار السماح للمفتشين بوضع اليد على مخازن السلاح والمواد الكيميائية. واعتبرها بداية جيدة، إذ صرح في نفس القمة بأنّ هذه الإشادة في غير محلها، وأنّ الأسد ارهابي يقتل شعبه. بدا أردوغان متفلتاً ولم يستطع ضبط نفسه، لا سيما أنه كان من أهم المحرضين على الحرب ضد سوريا. وكان قد أبدى رغبة في المشاركة في هذه الحرب، لكن التراجع الأميركي وضعه في مأزق تجاه الداخل التركي، الذي بدأ يرى في مواقفه إساءة لتركيا الدولة والشعب اتجاه العلاقات مع سوريا ومصر. إنّ ممارسته للعنف تجاه التظاهرات التي قامت ضد تغيير معالم «تقسيم»، التي تضم تمثالاً لأتاتورك وحديقة «جيزي»، التي يؤمها الشبان والشابات كما المتنزهون من أجل مشروع تجاري سياحي يقوم به أبناء أحد المسوؤلين من رجال الأعمال القريبين من «العدالة والتنمية»، جعل الشباب ينتفضون ضد التراكم الكمي للقمع السياسي الممارس ضد العلمانيين، وضد الاجراءات المتخذة ضد الصحافيين، الذين يعارضونه بعد تهديده المؤسسات وحملها على طردهم من وظائفهم. كما أنه دعا إلى محاكمة اسماعيل حقي قرضايي و102 من العسكر بتهم تتراوح بين الانقلاب على الدولة في السبعينيات والقتل وغيرها. إنّ القضاء على سلطة الجيش ــ حامي العلمانية ــ وقمع المثقفين والصحافة المعارضة والتدخل في أسلوب عيش الأتراك وخصوصياتهم يهدف بنظر المعارضة إلى القضاء على حرية ادعاها أردوغان في بداية حكم «العدالة والتنمية»، فضلاً عن تدهور العلاقة مع الأقليات المذهبية والطائفية. يستعد أردوغان للانتخابات البلدية، كما أنّه بسماحه للمحجبات العمل في الدوائر الرسمية يظهر للجميع أنّه ما زال قوياً ومدعوماً من كتلة بشرية وازنة، وأنّ المعارضة العلمانية ضعيفة وليس لديها القوة اللازمة للمجابهة. وهو يوصل رسالة للاتحاد الأوروبي، الذي لم يقبل عضوية تركيا، بأنّه يمكنه أن يجعل من تركيا دولة اسلامية معتدلة قابعة على حدودهم وتقويتها بمعزل عنهم. وهو بذلك يوجه رسالة إلى باراك أوباما، الذي يتحالف مع روسيا العدو التقليدي لتركيا بأنه ما زال باستطاعة تركيا لعب أدوار في منطقة أوراسيا.
* أستاذة وباحثة في علم الاجتماع السياسي