لا يزال كثيرون من اللبنانيين بأطيافهم وتياراتهم السياسية والحزبية ووجوههم وشخصياتهم المختلفة يعتقدون أن لبنان، في ظل الأحداث المندلعة في العالم العربي منذ ثلاث سنوات، وفي سوريا تحديداً منذ سنتين ونصف سنة، يتعرض لمؤثرات هذه الأحداث كعادته عندما يتعرض لعاصفة شتوية تؤدي إلى قطع الطرق بالثلوج لبضعة أيام، وتكسير بعض الأشجار وزوارق الصيادين، وتنتهي فيعود كل شيء إلى طبيعته.


لم يشعر اللبنانيون بضخامة ما يجري ولا بالتداعيات الهائلة التي تتركها الأحداث على العالم العربي ككل، وبالتالي على لبنان أكثر من سواه كما في مختلف حقبات التاريخ. وما يجري في المنطقة ليس أقل من زلزال، فالدمار الذي حل بسوريا حتى اليوم لم يكن لزلزال أن يحدثه في هزّات، وتخريب الاقتصاد إضافة إلى جوانب كثيرة من الحياة العامة والحياة الاجتماعية.
في حالات أقل حدة بكثير، اعتاد لبنان أن يتلقّف نتائج تطورات ما يحدث في محيطه بخضات كبيرة طالما هددت كيانه السياسي والاجتماعي والديموغرافي. ولن يكون اليوم بمنأى عن آثار بليغة ستتركها الأحداث لدى انتهائها، ولا يشعر بها أحد لأن لبنان لم يكن يوماً فاعلاً في تطورات الأحداث، ولا مؤثراً في مجرياتها، بل كان على الدوام متأثراً بها ومتلقّفاً لمفاعيلها على بناه من مختلف الصعد.
لا نشعر بالتطورات لأنها لا تتفاعل بحدة على أرضنا، فمجريات الأحداث تقع في سوريا وبقية الساحات العربية، والتجاذبات السياسية بحثاً عن حلول سياسية لها تجري في أروقة العالم غالباً وقليلاً في الدول المعنية، ومنها سوريا. وما جرى حتى اليوم من تطورات على الساحة اللبنانية من توترات في طرابلس وبيروت وصيدا والبقاع لم يكن أكثر من إرهاصات موقتة لأحداث خارجية ضخمة، سرعان ما أمكن تطويقها وضبطها في حدود ما كان مرسوماً لها ليس إلا.
الأحداث المندلعة في المنطقة، وخصوصاً في سوريا التي يرتبط واقع لبنان بها أكثر من أي ساحة أخرى، تشكل محطة تاريخية كبيرة ستغيّر وجه المنطقة وتركيبتها الجيوسياسية، وستفرض إعادة النظر في الدول وكياناتها وأشكال أنظمتها المقبلة. فلو انتصر المحور الغربي في سوريا بعد أحداث العراق، لأعيد رسم خريطة المنطقة وفق خطة الشرق الأوسط الجديد، وإعادة تقسيم المنطقة على أسس مذهبية وعرقية ضيقة. ولو انتصر المحور الشرقي لافترض زوال تقسيمات سايكس _ بيكو، وفرضت إعادة النظر بما يجب عمله. فالذين وضعوا تقسيمات سايكس _ بيكو، إنما وضعوها وفقاً لاستراتيجياتهم ومصالحهم، ومن المفترض أن لا تكون صالحة لمنتصر جديد، أو على الأقل لمتقدم في التطورات على الآخر.
الأميركي لم يعد سيد العالم يستطيع أن يرسم على كيفه، والغرب يعاني تقهقراً، بمقابل تصاعد في دول الحلف المقابل. وبالتالي التوازن سيكون مختلاً، ولو بصورة نسبية لصالح الطرف الصاعد. وسيقع على عاتق الرابح تصدّر مهمة صوغ خريطة جديدة للمنطقة لم تظهر أي من إرهاصاتها بعد، فالصراع لا يزال محتدماً، ولم يستطع طرف معيّن تحقيق نصر كاسح، رغم الفارق في ميزان القوى.
إلا أن الأحداث لم تعفِ الجسم الضعيف والطري _ لبنان _ من مؤثراتها، لذلك انعكست عليه أزمات متلاحقة، وخصوصاً على مستوى السلطة. والدولة ومؤسساتها الشرعية، فشلت الاستحقاقات الواحد تلو الآخر، وتأجلت الانتخابات النيابية، وعلّقت الحكومة دون إمكانية تشكيل. والكلام عينه يدور حول رئاسة الجمهورية في الربيع المقبل، والفراغ في المؤسسات الثلاث له معانٍ كبيرة، فهو أشبه بالظروف التي أسست لقيام اتفاق الطائف كصيغة دستورية بديلة من صيغة 1943، أي أن إعادة النظر فيه ككيان سياسي ستكون من الاحتمالات الواردة وفق المشاريع المستقبلية التي تنتظر المنطقة، والتي لم تطرح للبحث بعد.
في ظل هذه الوقائع والظروف التي يعيشها لبنان، وما يحيط به من أزمات، وما ينتظره من مجهول، يعيش اللبنانيون في قلق وتوتر واضطراب، وخوف على المصير، وخشية من المجهول، وليست عبّارة الهاربين عبر أندونيسيا إلا التعبير عن عمق الأزمة اللبنانية، وعن المدى الذي وصل إليه اللبنانيون من اليأس من إصلاح بلدهم بعد الحروب الطويلة التي لا يزال يعيش في ظلالها. وبإمكان المواطنين أن يشعروا بالفارق على المستوى التشريعي، أي بغياب مجلس نيابي من قبلهم، لكن غياب حكومة تُعنى بشؤونهم وباحتياجات حياتهم بصورة مباشرة، يشعرهم مباشرة بعمق الأزمة وبغياب الدولة عن إيلائهم الاهتمام اللازم. ومن هنا، تصاعدت الأصوات أخيراً بضرورة وجود حكومة أصيلة، ليست حكومة تصريف أعمال، بل أصيلة كاملة الصلاحيات، وليست حكومة افتراضية تنتظر الظروف المؤاتية لكي يمكن البحث في تشكيلها.
وفي الوقت الراهن، لا تزال حكومة الرئيس نجيب ميقاتي تتولى المهمات الحكومية المتاحة دستورياً لحكومة مستقيلة ومقبولة استقالتها، بينما لم تتقدم حكومة الرئيس تمام سلام خطوة واحدة إلى الأمام، ولم يكن تعذّر تشكيلها من دون سبب. فيوم اختير الرئيس سلام لتشكيل حكومة، حدّدت التي ضغطت باتجاه تكليفه أهدافها بأمرين: إجراء الانتخابات النيابية وتهيئة البلد لمرحلة ما بعد التسوية السورية، مع الأخذ في الاعتبار أن التسوية، وفق القوى الضاغطة على الرئيس سلام، افترضت رحيل الرئيس السوري بشار الأسد وتغيير نظامه.
الهدفان اللذان أتيا بالرئيس سلام تجاوزتهما الأحداث، فلا الانتخابات النيابية جرت، بل تأجلت لنحو أكثر من عام من الآن، ولا يعقل لبلد أن يبقى بلا حكومة حتى ذلك الحين. ورحيل الأسد ونظامه يبدو أنه تجاوزه الزمن أيضاً، ولم يستطع التحالف القائم ضده إسقاطه. بمعنى آخر، لم يعد تشكيل حكومة برئاسة سلام ضرورة للمرحلة، ولا يعقل أن يبقى البلد من دون حكومة في ظل استحقاقات كبيرة تنتظره، تبدأ بالملف الإقليمي والمفاوضات الجارية لحل الأزمة السورية، والأزمات الأخرى، وما يمكن أن يرافقها من تطورات وانعكاسات، وتنتهي بالملفات الوطنية المحلية العالقة، منها على الخصوص ملف استخراج النفط والأزمة المعيشية للمواطنين والملفات الأمنية والأزمات الناجمة عن الأحداث الإقليمية، وبخاصة منها ملف النازحين السوريين الضخم.
في ظل هذه الوقائع والظروف المحيطة بلبنان، أثبتت التطورات أن رجلاً واحداً قوياً أثبت جدارة في إدارة الملفات الحكومية المختلفة، منها المتعلق بالملف الإقليمي عبر سياسة النأي بالنفس، ومنها المتعلق بالملف المحلي وفق السياسة الوسطية المتلائمة مع صيغة التعدد اللبنانية. واستطاع ميقاتي بمثابرة وإصرار متابعة كل الملفات الحكومية كأن حكومته لم تستقل، وظلت السرايا ناشطة تستقبل وتستضيف وتعقد فيها اللقاءات من دون تغيير. وعليه، ليس من الغريب أن يعاد النظر في تعويم حكومته، على ما بدأ الحديث به، وما تتداوله أوساط مؤثرة، وخصوصاً من قبل كل المراكز المؤثرة في المسار السياسي اللبناني.
بمقابل انتفاء الأسباب التي استدعت قيام حكومة سلام، واستمرار ميقاتي بالقيام بدوره كاملاً غير منقوص، وضرورة الاستمرار بهذا الدور وعدم الخوض باستشارات جديدة قد تفاقم الأوضاع الدستورية وتزيد من تعقيداتها، وبما أن الأسباب التي أدت إلى استقالتها كانت سطحية، وقد تجاوزها الزمن، لم يعد أمام لبنان في الوقت الراهن والدّاهم إلا أن تعوّم حكومة الرئيس ميقاتي ليرتاح المواطن ويطمئن على مصيره، وعلى أن ثمة مَن يرعى شؤونه ويحافظ على وضعية بلده في ظل الرياح العاتية التي تعصف بالمنطقة، وليضمن البلد وجود قيادة حكومية تستطيع تلقّف تداعيات التطورات المرتقبة واستيعابها بحنكة وذكاء وبعد نظر، تضاف إلى العلاقات الدولية المختلفة التي يمتلكها ميقاتي، والتي من خلالها يمكن درء الأخطار عن لبنان، والحفاظ على وحدته الوطنية.
* كاتب لبناني