مما لا شك فيه أنّ مشاركة المعارضة السورية في مؤتمر جنيف هي من المشكلات التي حالت في السابق دون انعقاده في المواعيد الافتراضية، التي حددت له سواء في أواخر شهر أيار أو في النصف الأول من حزيران الفائتين. وهي اليوم لا تزال مشكلة عالقة أمام انعقاده في منتصف شهر تشرين الثاني المقبل كما هو مفترض بحسب التوجيه الروسي الأميركي للأمم المتحدة. ومردّ هذا التعقيد يعود أساساً إلى طبيعتها كمعارضة، وإلى ارتهان كثير من فصائلها وقواها لدول عربية وأجنبية لها أجنداتها الخاصة في سوريا.


من المعلوم أنّه خلال نحو أربعة عقود من حكم البعث لسوريا، في عهدي رئاسة حافظ الأسد ونجله بشار الأسد، لم يسمح بوجود معارضة حقيقية منظمة له، فكان يجري قمعها باستمرار وزجّ منتسبيها في السجون، بل كان يتم تصفية من كانا يحسبانه خطراً على حكمهما.
في مثل هذه الظروف كان من الصعب وجود معارضة حقيقية لها قواعدها الجماهيرية، ولذلك عندما أيقظها الحراك الشعبي المطالب بالحرية والكرامة والديمقراطية من ثباتها وتشرذمها، جاهدت للحاق به عن طريق المزاودة عليه بالشعارات، التي كان بعض قواها العاملة في الخارج تصدرها له في الغالب الأعم، بدلاً من تقديم خطاب سياسي عقلاني يوجه الحراك ويحافظ على سلميته. إضافة إلى ذلك فإن وجود الكثير من المعارضين في الخارج جعلهم موضع تنازع إرادات الدول التي لها أجنداتها الخاصة في سوريا، مستخدمة سخاء تدفقاتها المالية لها ولأفرادها، والتسهيلات اللوجستية التي قدمت لها.
اليوم توجد ثلاث أطر رئيسة للمعارضة السورية وهي هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، والائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة، والهيئة الكردية العليا، وهي التي من المفترض أن تشارك في المؤتمر سواء منفردة أو في وفد موحد. بالنسبة لهيئة التنسيق التي تبنت منذ البداية نهج الحراك السلمي، ورفضت نهج العنف الذي اتبعه النظام في الرد على مطالب الشعب العادلة، كما رفضت خيار عسكرة الانتفاضة، فهي اليوم ترى أن مسار تطور الأحداث جاء ليثبت صحة وجهة نظرها. فخيار العنف لم و لن يفضي إلى أية نتيجة سوى إلى تدمير البلد وتمزيق وحدة شعبه، وانه لا حل في سوريا سوى الحل السياسي التفاوضي. استناداً إلى هذه الرؤية فقد اتخذت مع حلفائها في مؤتمر الإنقاذ الذي انعقد في دمشق بتاريخ 23/9 / 2013 قراراً يناشد فيه السيد الأخضر الإبراهيمي، المبعوث الدولي والعربي إلى سوريا، بأن يبادر للدعوة إلى مؤتمر دولي تحضره جميع الأطراف المعنية وخصوصا روسيا وأميركا والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية للبحث في أفضل السبل لحل الأزمة السورية وتأمين الانتقال إلى نظام ديمقراطي. وعمدت الهيئة في حينه إلى تسويق الفكرة والقرار، الأمر الذي استحسنه الروس والأميركيين والأخضر الإبراهيمي. وتحضيراً لاحتمال عقد مؤتمر كهذا، والمشاركة فيه، فقد قدمت الهيئة مشروعاً متكاملاً للحل السياسي التفاوضي في سوريا لكلّ من روسيا وأميركا وغيرهما من الدول المعنية، وتم نشره في وسائل الإعلام. وبعيد إعلان كيري ولافروف عن الدعوة إلى عقد مؤتمر «جنيف 2» في لقائهما في موسكو في بداية شهر أيار الماضي، وفي أول لقاء بين الهيئة والمفوض الأميركي بالملف السوري السيد روبرت فورد، بعيد لقاء موسكو بين وزيري خارجية روسيا وأميركا، قال السيد فورد «ها نحن ننفذ القرار الثالث من مقررات مؤتمر الإنقاذ الخاص بكم، وان رؤيتكم للحل السياسي التفاوضي جيدة ويمكن أن تكون ورقة أساسية في المؤتمر، لكن يلزم أن تعدوا مذكرة تنفيذية لها». وهذا ما فعلته الهيئة لاحقاً. إضافة إلى ذلك ومن أجل تسهيل مشاركة المعارضة بوفد مشترك في المؤتمر أبدت الهيئة استعدادها لذلك شريطة التوافق على رؤية سياسية مشتركة لعملية التفاوض، واقترحت في حينه أن يرأس الوفد الذي ينبغي أن يدعى بوفد المعارضة الوطنية الديمقراطية السورية، السيد رياض سيف، وهو كما هو معروف من الائتلاف. باختصار فإن الهيئة إذ تذهب للمشاركة في جنيف فهي تذهب برؤية واضحة واستعداد كامل.
لكن للأسف لا يمكن قول ذلك بالنسبة للائتلاف الوطني السوري والهيئة الكردية العليا. لقد استغرقت الشعارات عمل الائتلاف، وصعدت به إلى أعلى درجات سلم التطرف السياسي والشخصنة. لذلك فهو منذ وقت مبكر رفض أي حوار مع النظام القائم، تحت ضغط مطالب دولية معينة، مغذية لديه أوهام احتمال سقوط النظام سريعا، وانه الممثل الوحيد والشرعي للشعب السوري. إضافة إلى ذلك فإن الطبيعة التركيبية للائتلاف لا تسمح له بالتوافق على نهج سياسي تفاوضي واحد، وعلى خارطة طريق واحدة للخروج بسوريا إلى فضاءات الحرية والديمقراطية. لذلك نجده يرفض لاحقاً ما تم التوافق عليه في المؤتمر المشترك للمعارضة السورية في القاهرة في شهر حزيران من عام 2012 ، ورفض أيضاً، بعد أقل من 24 ساعة الاتفاق الذي وقعه مع هيئة التنسيق في القاهرة من أجل توحيد المعارضة السورية. اليوم وأمام استحقاق عقد «جنيف 2»، فإن الائتلاف يكاد يكون في وضعية من عدم التوازن والإرباك بسبب تناقضاته الداخلية، وكذلك بسبب التجاذبات الدولية التي يتعرض لها، والتي ركز بعضها (السعودية وقطر) على إضعاف قوته التمثيلية من خلال دفع بعض المجموعات المسلحة، التي هي بالأصل خارج نطاق تمثيله السياسي، للتجمع وإعلان الخروج على الائتلاف ورفض تمثيله السياسي. كل ذلك انعكس في تصريحات قادته المتناقضة بخصوص الموقف من المؤتمر واحتمال المشاركة فيه، وبالتالي لن يكون مفاجئاً احتمال فرط عقده، بحسب روبرت فورد، وتصريحات بعض قادة الائتلاف مثل كمال اللبواني وغيره.
أما بخصوص الهيئة الكردية العليا التي تمثل تجمع الأحزاب الكردية الرئيسية، فإن جل اهتمامها منصبّ على حقوق الكرد، التي هي أيضاً موضع خلاف شديد في ما بينهم بسبب، أيضاً، طبيعة هذه الأحزاب والتجاذبات الدولية والكردية الخارجية التي تتعرض لها، وكذلك توزعها بين هيئة التنسيق الوطنية والائتلاف الوطني السوري. منهم من يريد الانفصال عن سوريا ويجاهر به ويدعو إلى الوحدة مع كردستان العراق، ومنهم من يطالب بالفدرالية في سوريا كصيغة جيدة لتحقيق حقوقهم، لكن منهم أيضا من يطالب بسوريا موحدة أرضاً وشعباً على أن يتم الإقرار الدستوري بالوجود القومي الكردي، وتحقيق كل ما يعزز الهوية الكردية الخاصة على قاعدة المواطنة الواحدة المتساوية.
أمام هذا الاستعصاء في وحدة مواقف المعارضة، وصعوبة مشاركتها في مؤتمر جنيف بوفد موحد، تجري محاولات من بعض الدول الأوربية مثل اسبانيا ومن ورائها ألمانيا وربما أميركا أيضاً، لتخطي عقبة تشرذم المعارضة الحالي وذلك بالتحضير لمؤتمر جامع لمعارضين سوريين ينتمون إلى مختلف تشكيلات المعارضة السورية السياسية والعسكرية، من المتوقع أن يعقد أواخر الشهر الجاري في «البيت العربي» في قرطبة للاتفاق على خارطة طريق تمثل وجهة نظر المعارضة السورية التي سوف تتبناها في مؤتمر «جنيف 2»، وأن تتفق على وفد التمثيل لها، فهل تنجح اسبانيا بما عجز عنه آخرون؟
* رئيس مكتب الاعلام
في «هيئة التنسيق الوطنية» السورية