لم يعد السؤال هل سيطاح رئيس وزراء البحرين، بل متى سيطاح، بيد أنّ السؤال الأصعب يتعلق بتداعيات هذه الخطوة المدوية والمرتقبة. رئيس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة ليس صاحب صلاحيات تذكر، منذ صوّت البحرينيون على الميثاق في 2011. ميثاق عدّ بمثابة دعم شعبي هائل للملك حمد بن عيسى آل خليفة، استثمره على نحو ذكي لزحلقة عمه عن مقعد الحاكم الفعلي للبلاد، بطريقة ناعمة أحياناً، وخشنة وفجة أحياناً أخرى. فلم يتورع الملك من الصراخ على صدر صفحات الجرائد في وجه عمه في يناير/ كانون الثاني 2008، مهدداً إياه والوزراء بالإقالة في حال أعيق البرنامج الاقتصادي لولي العهد، فيما شنّت المؤتمرات التي عقدتها مؤسسة «ماكنزي» التي كانت تعمل تحت غطاء مجلس التنمية الاقتصادية برئاسة ولي العهد (المعتدل، كما يصفه الغرب)، عبر تقاريرها المتتالية (بين 2003 ـ 2008)، حملة إعلامية وسياسية محبوكة وقوية للغاية للقول إنّ رئيس الوزراء المتشدد أفسد اقتصاد البلاد وخدماتها، وإذا استمرت الإدارة الحكومية كما هي، فإن ذلك سيخلق أزمات لاقتصاد البحرين الصغير والمعتمد على النفط، وتضعف من جاذبية المنامة في استقطاب الاستثمار، وتزيد من أزمة البطالة، وقد تخلق أزمة جديدة في البحرين. وفعلاً، صدقت «ماكنزي»، بيد أن الملك لم يقم إلا بإزاحة العناصر الفاعلة من طاقم خليفة في مجلس الوزراء، والعمل على تفتيت مراكز القوى التابعة للشيخ الطاعن في السن، بحيث غدا في حكم المتقاعد والعاطل من العمل، كما أصفه منذ سنوات.

إذاً، طوال الوقت، لم يكن رئيس الوزراء شريكاً في السلطة. القرار السياسي أحيل للقصر. والقرار الاقتصادي أحيل لولي العهد مجلس التنمية الاقتصادية، الذي بات هو الآخر تحت قبضة الخوالد.
لم يتمسك حمد بعمه، إلا لأن السعودية ترى وجوب بقاء الشخص في منصبه حتى يتدخل القدر، بيد أن الرياض دعمت على نحو يكاد يكون مطلقاً التوجهات المتشددة للحاكم الجديد (حمد)، الذي طمأنها بأن خطوات الإصلاح والميثاق (2001) ليست إلا تكتيكاً للقبض على السلطة، في مواجهة رئيس الوزراء من ناحية، والقوى المعارضة من ناحية ثانية، والتي أصيبت بالذهول من إصدار الملك دستور 2002، أحال حمد حاكماً مطلقاً. فيما بدا خليفة مستوعباً أنّ عصره قد أفل، وغداً يردّد: أنه رئيس حكومة صاحب الجلالة.
استثمر الملك وجود عمه للقول إنّ الأخير عثرة تحول دون الإصلاح، وأن وضع العائلة لا يسمح بإزاحته عن منصبه. لكن مع الوقت اتضح أنّ الملك وطاقم الخوالد المتنفذ قد مضوا في برنامج «بندري» (نسبة إلى تقرير البندر)، تجاوز بمراحل بعيدة أي توجه أحادي كرسه خليفة بن سلمان، إلى نمط دكتاتوري، بغطاء ليبرالي، غير معهود في البحرين.
في فبراير/ شباط ومارس/ آذار 2011، كانت إزاحة رئيس الوزراء على الطاولة. بيد أن الملك كان قد لاحظ أن إزاحة الرئيس التونسي الأسبق زين الدين بن علي، أدت إلى تغيير هائل في بنية السلطة، فيما إزاحة الرئيس المصري مبارك، أدت هي الأخرى إلى كتابة مسار بدا سائراً نحو تحول ديمقراطي (2011).
وهكذا، فإن الملك قد خشي أن تكون إزاحة رئيس الوزراء، قد تعقبها، بالضرورة، إزاحات لا تتوقف، وتداعيات قد تعيد تركيب مؤسسة الحكم في البحرين، وتكون المعارضة طرفاً مهماً فيها.
وفيما قبِل الإقليم، بقيادة السعودية، إزاحة علي عبدالله صالح، وإبداله بصالح آخر، كما قبلت بصيغة حوار يمني، قد تفضي إلى تغييرات ملموسة في وجوه الحكم، فإنه (الإقليم)، أصر على بقاء الوجوه والسياسات ذاتها، في الحالة البحرينية، وتدخل عسكرياً للتعبير عن تشدّد مطلق.
راهناً، لا يوجد تشدّد في إقالة رئيس الوزراء، فالغرب من سنوات يرى وجوده عبئاً، فيما بعض الإقليم مثل قطر والكويت وربما عمان، ومعها الإمارات، لا يمانعون إزاحته، ولكل أسبابه. بيد أنّ الملك، والرياض من خلفه، في مأزق وخياراتهما أحلاها مر، وهما ينتظران «اللحظة المناسبة»، وفق معادلات معقدة، لعلي أذكر منها أربعاً، وأبدأها من الداخل، وصولاً للإقليم والمجتمع الدولي:
الأمر الأول: ماذا ستقدم المعارضة في قبال «تنازل» السلطة عن «كبير (لا أقول شيخ) القبلية». برنامج «الوفاق» وحليفاتها من الجمعيات السياسية يلحّ على تغيير بنية السلطة التنفيذية ليكون للبرلمان والكتلة الغالبة فيه رأي في تعيين رئيس الوزراء. وبالتالي، فإن إزاحة رئيس الوزراء، لن تغيّر شكل المشهد، بل لعلها ستزيد الضغط على السلطة لمزيد من الإصلاح.
ينقلني ذلك للأمر الثاني في حساب السلطة لإزاحة رئيس الوزراء، والمتعلق تحديداً بتداعيات هذا الإزاحة. ذلك أن تغيير رئيس الوزراء لا بد أن يأتي ضمن برنامج أوسع للإصلاح في البحرين، كي تتمكن السلطة من إقناع الغرب والمعارضة، بأن إجراءات تصحيحية قد اتخذت. صحيح أنّ إزاحة خليفة ستعتبر، محلياً وغربياً، خطوة مهمة و«غير مسبوقة»، بيد أنها ستكون خطوة شبيهة بتعيين لجنة بسيوني، التي أدى تعيينها ولا شك إلى امتصاص غضب غربي على حملة العنف الرهيبة ضد المعارضين، لكن ما تكشّف لاحقاً أن برنامج الإصلاح الذي اقترحته اللجنة المرموقة في مجال حقوق الإنسان لم تتمكن السلطات البحرينية من تنفيذيه، مما زاد من الاستياء والقلق الأميركي والغربي.
وفي نهاية المطاف فإن غياب الإصلاح بعد 100 يوم من إزاحة رئيس الوزراء، ستكشف أن بنية الاستبداد ذات صبغة ملكية، ولا ترتبط بوجود خليفة، كما لاحظ الكاتب في كتابه «بنية الاستبداد» في البحرين، الذي نشره «مركز البحرين للدراسات» في لندن. وفي ذلك، فلعله يتوجب على المعارضة الأخذ بالاعتبار أمرين: إن الإصرار على إزاحة رئيس الوزراء تبدو خطوة موفقة، بيد أنه يجب الإدراك أن وجود حمد على قمة السلطة قد يؤجل الإصلاح الجدي طويلاً.
أما الأمر الثالث الذي يؤخر إزاحة رئيس الوزراء، فذلك المتعلق بطبيعة الصفقة الإقليمية المرتقبة، لاحتواء مشاكل الإقليم المتفجر والغاضب. في وقت يعطي الإقليم إشارات متناقضة للنظام في المنامة. فمن ناحية تمكّن الحكم القديم في مصر من العودة بقوة عبر الجيش، الحليف المهم للمحافظين في الخليج، ما أعطى فسحة للخليفيين للتنفس، بيد أن مبادرة روحاني/ أوباما أعادت خلط الأوراق والحيرة إلى طاقم القصر في المنامة والرياض إزاء الخطوة الأنسب للتعاطي مع الحالة الراهنة، التي لم يتمكن الحل الأمني إلا تأكيد وجود إشكالية عميقة في البحرين، بات أوباما والعالم يعترف بها.
النقطة الرابعة، تعتقد أميركا أنّ على السلطات البحرينية احتواء المعارضة، وذلك لا يتم إلا عبر شكل ما من أشكال إشراكها في السلطة. ويبدو ذلك تحولاً مهماً، وليس بالضرورة نوعياً، ينبغي رصده في مقالة أخرى، خصوصاً أن رد الفعل الخليفي على وجهة النظر الأميركية، يتّسم بالانفعال والسطحية، حيث لا تلحظ البحرين والنظام الإقليمي التغيير داخل أميركا. كذلك تبدو النظرة الخليفية هيستيرية بل وصبيانية بالفعل لجهة أسلوبها الذي يفتقد الحكمة والدبلوماسية في التعاطي مع الموقف الأميركي التقليدي، بالمناسبة، حين تحرك (السلطة البحرينية) إعلامها وخطب المساجد لهجوم ممنهج ضد أوباما وسفيره في المنامة توماس كراجيسكي، وتدعو لتظاهرة مكيفة أمام بيت المسئول الدبلوماسي الأميركي، وتوقيع عريضة «شعبية» وتحريك لوبي برلماني للمطالبة بطرده، والاستمرار في الترويج والتعبئة ضد ما تسميه السلطة المشروع الأميركي الإيراني القديم لتقويض الحكم الخليفي، أضف التصريحات الرسمية العلنية ضد خطاب أوباما في الأمم المتحدة، والطلب من السفير كراجيسكي توضيحات عن ذلك الخطاب.
وليس من المستغرب أن تدفع العائلة الحاكمة بعض الثمن لهذا الجحود الخليفي تجاه واشنطن، كما ستدفع ثمناً أغلى جراء عدائها الفج لإيران، القوة الأبرز في المنطقة، والتي جلبته على نفسها يوم كان يجب ابراز ادعاءات تدخل طهران في البحرين، وهي ادعاءات ركيكة، وفشلت في التغطية على الأزمة العميقة الجذور في الجزر الصغيرة.
إن الاستهتار الخليفي بورقة إيران، واستسهال خسارتها، وكذا تشجيع خطاب معاد لأميركا في الخطاب الحكومي، يعكس فقدان آل خليفة للبوصلة، ومقدر الخيارات الصعبة التي تكتنف التغيير المطلوب إنجازه.
* كاتب وصحافي بحريني ــــــ لندن