لم تتوقف حمم البركان الشعبي الفلسطيني عن الاندفاع منذ أن وطأت أقدام المستعمرين الصهاينة أرض فلسطين التاريخية. كانت ــ وما زالت ــ الموجات المتلاحقة من المواجهات والصدامات مع مشروع الاحتلال والقتل والتهجير والتهويد والصهينة والاستعمار والتطهير العرقي في عموم الأرض الفلسطينية التاريخية، مستمرة، تأخذ في التعبير عن أصالتها وديمومتها أشكالاً متعددة، يأتي في مقدمتها، الأسلوب الأكثر ثورية ونجاعة، الكفاح المسلح.

شهدت الأيام الأخيرة، داخل الضفة الفلسطينية المحتلة من أرض الوطن الكبير، حدثين بارزين، تمثلا في مقتل جنديين من قوات العدو، الأول، وجدت جثته في بئر مهجورة قرب مدينة قلقيلية بعدما خطفه وقتله أحد المواطنين بهدف مبادلته بحرية شقيقه المعتقل منذ سنوات في سجون العدو. والثاني، تم قتله على أحد الحواجز العسكرية في مدينة الخليل المحتلة، بإطلاق رصاصة واحدة استهدفت عنقه ــ كان يرتدي الخوذة والسترة الواقية من الرصاص ــ مما أعاد للأذهان العملية البطولية النوعية التي نفذها «ثائر حماد» في بداية مارس/ آذار 2002 قرب مدينة رام الله المحتلة في منطقة «وادي الحرامية»، وأدت لقتل عشرة عسكريين صهاينة. العمليتان، دفعتا بقوات العدو وأجهزته القمعية لشنّ حملة اعتقالات واسعة، كما فجرتا نقاشاً صاخباً داخل حكومة العدو ومؤسساته المختلفة أدى إلى إظهار حقيقة المواقف الفاشية/ العنصرية لقوى الائتلاف الحكومي داخل الكيان/ الثكنة، التي وجدت بعض تعبيراتها المتصاعدة في ضرورة إعادة النظر في إطلاق سراح الأسرى كبادرة حسن نوايا على العودة للمفاوضات. في ذات الاتجاه، صرح نتنياهو في ردّ أولي على الحادث (سنواصل تعزيز الاستيطان اليهودي في جميع مناطق «يهودا والسامرة» ــ الضفة المحتلة ــ)، وليصدر أوامره الفورية بالعمل على إسكان مستعمرين يهود في بيت عربي يقع بجوار بوابة الحرم الإبراهيمي في قلب مدينة الخليل، كانوا قد ادعوا انهم اشتروه من صاحبه وقاموا باحتلاله، لكن الشرطة أخرجتهم منه العام الماضي وظلت مسيطرة عليه، وها هي الآن تسلمه لهم بقرار رسمي، وجدت فيه افتتاحية صحيفة «هآرتس» يوم 24 أيلول/ سبتمبر (عملية «جباية ثمن» انتقامية بغطاء حكومي أكثر منه سياسة عقلانية).
العمليتان، جاءتا في سياق ما شهدته أراضي الضفة على مدى الأسابيع الأخيرة من تصعيد خطير مارسته مؤسسات الاحتلال بحق البشر والحجر، توضحت بعمليات القتل/ الإعدام الممنهجة في أكثر من مكان، خاصة، مخيمي، قلنديا وجنين، ومترافقة مع التنفيذ الكامل لبرنامج المستعمرين من عتاة المتدينين في الصلاة في ساحات المسجد الأقصى والتواجد فيه مع احتفالاتهم بعيد «العُرش»، هذا البرنامج الذي تقوم على رعايته قوات العدو العسكرية، ويتصدى له أبناء القدس بصدورهم العارية التي تجابه قنابل الغاز والرصاص المطاطي وأدوات القمع.
يعيش شعب فلسطين داخل الوطن وفي كل مناطق انتشاره ومناطق لجوئه هذه التطورات المتسارعة مع إحياء الذكرى الثالثة عشرة لانتفاضة عام 2000 وشهدائها «الانتفاضة الثانية»، ولهبة أكتوبر/ تشرين الأول وشهدائها في ذات العام داخل الأراضي المحتلة عام 1948، مقدمات انتفاضة جديدة، تظهر ملامحها في سرعة انتقال الشرارة «التي ستشعل النار في السهل كله». من مخيم جنين إلى مدينة الخليل وقراها، مروراً بمناطق ومخيمات «رام الله وقلقيلية وطولكرم ونابلس والقدس وبيت لحم» تموج الأرض تحت أقدام الغزاة، وتعود لصدارة المشهد قوى مجتمعية، بادرت بتشكيل «ائتلاف شباب الانتفاضة» الذي بدأ يعلن عن برنامج التحركات في العديد من المدن والبلدات في ضوء رؤية سياسية تقطع بالكامل مع نهج «المفاوضات» الذي لم يبادر دعاته ورموزه بالتخلي عنه ــ ولو مؤقتاً ــ انسجاماً مع الشعور الوطني، ومع الموقف الشعبي الواسع الرافض له والذي يهدد في حالة انسداد الأفق السياسي مع فقدان كل تلك المؤسسات «القيادية/ الشكلية» لسلطة فقدت شرعيتها، وتردي الأوضاع المعيشية نتيجة الغلاء وتغول الفساد، إلى اتساع نيران الانتفاضة لتحرق كل «العشب اليابس والضار» في الأرض. إن سلطة الحكم الإداري الذاتي لا تجد في كل ما يحصل من قتل وقمع وتهويد ــ منذ بداية العام وحتى أواخر أغسطس/ آب الفائت، قامت قوات العدو العسكرية بـ 3565 اقتحاماً لقرى ومدن ومخيمات فلسطينية. كما أن 19 فلسطينياً قتلوا بالرصاص منذ بداية العام. وتم اعتقال ما يقرب من ألف وأربعمائة فلسطيني في أربعة أشهر من هذا العام. وقبل أيام فقط، هدمت قوات الاحتلال مجدداً «خربة كحلون» في الغور وهجّرت أهلها وقمعت نشاط قافلة المساعدات الأوروبية ــ عوامل مساعدة على المجابهة، وصولاً للانتفاض، سوى «مؤامرة» يصنعها نتنياهو وحكومته من أجل إفشال المفاوضات والهروب من عملية «السلام»! كما عبّر بعض كتابها ومتحدثيها، الذين يبادرون بإلقاء التهم الجاهزة على المحتجين على ممارسات الاحتلال «إنهم يلحقون الضرر بالمشروع الوطني»! لقد أصاب تلك العبارة/ المصطلح «المشروع الوطني» الكثير من الاستخدام الضار به وبالوطن، لأن العديد من القوى «مَسَخَت» مضمونه. إن هذا المشروع، ليكون وطنياً، يجب أن يكون رافضاً للغزاة وللاعتراف بكيانهم، متضمناً ثوابت القضية، كما عبرت عنها بنود ميثاق منظمة التحرير. إن مشروعنا الوطني بالتحديد، هو برنامج تحرير فلسطين كل فلسطين. أما حكومة غزة المنشغلة باستعراض قواها العسكرية، فهي مع إعلان بدء الانتفاضة في الضفة المحتلة، انطلاقاً من تبنيها لبرنامج المقاومة، الذي أوقفت تنفيذ بنده الأول والأساس «العمليات العسكرية ضد المحتل»، اتفاقية التهدئة الأخيرة. لكن المواطن العربي الفلسطيني بحاجة لأن توضح تلك الحكومة لشعبها، دورها في الانتفاضة القادمة، في ظل حالة التوتر المجتمعي المحلي والانقسام الداخلي الفلسطيني، والقطيعة السياسية مع أكثر من عاصمة عربية، خاصة، القاهرة.
في ظل هذا المشهد، يبدو من الإشارات القادمة من الضفة المحتلة أننا أمام أحداث تنبئ بانفجار شعبي واسع، يعيد للأذهان وللواقع نماذج الانتفاضة في عامي 1987 و2000، رغم الخلل الواضح في البنى الذاتية للقوى السياسية التقليدية. إن الظروف الموضوعية التي أشرنا إليها، تفرض داخل المجتمع ولادة قوى تتجاوز في برنامج كفاحها «المفاوضات والتهدئة والتبعية الأمنية والاقتصادية». فالانتفاضة ليست رغبة أو قراراً، بل هي حصيلة سنوات من الصمود والمجابهة مع قهر وعسف الاحتلال، ومع بؤس سلطة أنتجها اتفاق أوسلو سيئ الذكر، راكمت خلالها جماهير الشعب خبرات ووعياً جذرياً مرتبطاً بتراث كفاحي مديد.
* كاتب فلسطيني