تراجعت على نحو واضح احتمالات الهجوم الأميركي على سوريا. لكن تساؤلات الحرب، وأسبابها، وهل كانت فعلاً محتملة أم كانت مجرد تهديد، أسئلة ما انفكت تطرح بين الناس، ويجري جدل طويل حولها. ورغم تراجع التهديدات، والتوجه العام نحو التفاوض الشاق، فإن الحديث عن الهجوم لا يزال قائماً، ولا يزال الغرب يهدد به عند كل سانحة، وسيظل يلوّح به لأنه قد يكون إحدى الأوراق القليلة التي بين يديه للمناورة والتفاوض ورفع الصوت وتثبيت الحضور. وقد نسمع عودة إلى التهديد كلما تعطلت مسارات التفاوض، أو تعرقلت، أو جرت بما لا تشتهي رغبات الغرب، وسفنه الراسية في المتوسط. ويظل سيناريو الحرب قائماً إلى أن تستقر التسوية وتخرج إلى العلن بوضوح.

سيناريوات متعددة قد تتراءى للإنسان حول الحرب بعد التجارب العديدة التي قام بها الغرب في استراتيجيته الأخيرة، معتمداً الضرب عن بعد قبل التدخل الميداني كما جرى في أفغانستان والعراق وليبيا. كالعادة، وبشكل مفاجئ، تنطلق ومضات مضيئة من البوارج الحراسية في عمق البحار ومعها الصواريخ الطوافة والمجنحة مصوّبة نحو أهداف داخل عاصمة الأمويين، تبدأ بعدها قاذفات «ب 52» برمي قنابلها على المطارات ومقارّ القيادة والمعسكرات والثكن. موجات جديدة من صواريخ الكروز والتوماهوك لتدمير منظومات الدفاع الجوي، والرادارات، ومنصات الصواريخ، والقواعد البحرية، ومراكز الإذاعة والتلفزيون، ومحطات الفيول والكيروزين، وتجمعات الجيش، والمراكز الأمنية، والشرطة. بعد ذلك، يتمكن الطيران الأميركي من القيام بطلعات جوية مكثفة وضرب المزيد من الأهداف.
ثم تعود موجات الصواريخ، وترافقها طائرات بدون طيار لرصد أهداف جديدة: وهكذا دواليك روتين يومي، وسيناريو مكرر يشبه ما حدث في أفغانستان ـــ العراق ـــ كوسوفو ـــ ليبيا. ترسانة عسكرية ضخمة تستطيع تدمير كل شيء من الجو والبحر.

معركة محور لا معركة نظام

هذا جرى في ما مضى ولا حرب تشبه الأخرى، وفيما لو اندلعت حرب جديدة، وفق التهديدات التي أطلقها الرئيس الأميركي باراك أوباما، سنكون أمام سيناريو جديد مغاير لتلك الحروب.
بعد حرب الخليج الثانية، عكفت دول عدة على إيجاد بدائل، واستراتيجيات لقوة «الناتو» التدميرية، وكيفية التعامل والتصدي لتلك الصواريخ العابرة. ونجحت كوريا وإيران بمساندة روسيا في صناعة صواريخ خفيفة، وصغيرة الحجم تتجاوز الباتريوت والقبة الفولاذية والرادارات، وتم تطوير المنظومات القديمة «م ـ ط» لإسقاط الكروز والتوماهوك، وهذا ممكن نظراً إلى كبر حجم هذه الصواريخ وبطئها. التجربة نجحت في العراق قليلاً، ولكن ظروف الحصار الطويل أفقدت الجيش العراقي إمكانية إقامة شبكات كافية ومنسقة، لهذا وضعت بشكل عشوائي.
بعد حرب العراق، تم تجاوز الكثير من تلك العقبات والأخطاء عبر بناء منظومات دفاع جوي منسق بين القديم والحديث، حيث تتناغم مع بعضها البعض. وكانت معركتا تموز وغزة سيناريو صغيراً، لما سيجري في دمشق الذي سيكون على أوسع. معركة دمشق سيقودها الرئيس السوري بشار الأسد، وستوضع في تصرفه إمكانات نصف العالم، وتحديداً خبرات وتقنيات روسيا، الصين، كوريا، إيران، العراق، والجزائر، ولن يكون مطلوباً توسيع حدود المواجهة.
في العمل العسكري، يجب أن تقاتل وتنتظر بالخواصر الضعيفة، من دون الحاجة إلى توسيع رقعتها مع عدو ذي نفوذ عالمي قادر على الحشد، ويمتلك عديداً وعدة، ومن الأفضل مقاتلته في رقعة صغيرة لإحراجه أكثر، ولإظهار عجزه وللحد من سلاحه، فدخول إيران وغيرها من الدول الحليفة يدفع أميركا لتحويلها إلى حرب شاملة. في حرب غزة، كانت إسرائيل تمتلك جيشاً قوياً وكبيراً بالمقارنة مع حماس، ولكن حدود جغرافية العمليات كان صغيراً وضيقاً، ولم يكن متاحاً للإسرائيلي استعمال كل أسلحته، فاضطر الى أن يقاتل في حدود معينة وبإمكانات قليلة، فضاقت عليه المناورة كما حصل في حرب تموز عندما دفع الجيش الإسرائيلي بلواء مدرع الى منطقة صغيرة في وادي الحجير، حيث دمرت له المقاومة 40 دبابة لأن المنطقة لا تستوعب أكثر من سرية لصغر وضع الميدان، فاضطر الجيش الإسرائيلي إلى حشد قوة كبيرة، ما ضيّق عليه الهامش، فاستمر بالقصف والتدمير، لكنه ووجه بقوة، وشلت فعاليته، بالاعتماد على الأنفاق، والتمويه، والتقنيات البدائية والصبر. هذا النمط هو عبارة عن قصف وقصف مضاد، أي تراشق لا يقدم ولا يؤخر.
في معركة غزة، قاتلت حماس من دون مساندة ميدانية، ومن دون الحاجة الى فتح جبهات أخرى لتبقى حدود المعركة محصورة في غزة، على غرار ما حصل مع حزب الله في حرب تموز أيضاً بدون مساندة خارجية ميدانية. ولو فتحت جبهتا غزة وجنوب لبنان معاً لكانت إسرائيل استعملت أسلحة الدمار الشاملة، ولربما غيّرت مسار المعادلة التي رست عليها نتيجة المعركة أخيراً. من هذا المنطلق، من المهم جداً أن تبقى المعركة محصورة في حدود سوريا، واستناداً على هذا المنطق، خطّط لكل مجموعات حزب الله الصاروخية أن تعمل من داخل الأراضي السورية في حال العدوان الأميركي.

مدرسة مواجهة جديدة

السيناريو المعتاد سيكون بمواجهة مدرسة جديدة تمزج بين الكلاسيكي والأنصاري، وتعتمد هذه المدرسة على التقنيات الميدانية، والاتصالات السلكية، والمجموعات الصغيرة، والصواريخ المحمولة، إضافة إلى الجيش النظامي المزود بكل الإمكانات، وتكنولوجيا جيش حديث. وتعطي التجربة الليبية الأخيرة نموذجاً جديراً بالاهتمام والدراسة، وهو مؤشر مهم، ويجب تقويمه جداً لدى القيادة السورية، وهو يعطي انطباعاً واضحاً عن كيفية التعامل مع قدرات بحجم قوة «الناتو» والضربات التي يوجهها، وكيفية تجنبها، والتحايل عليها، لا بل احتمال ردعها وإسقاطها هذه المرة.
لقد فشلت الضربات في حسم المعركة في ليبيا سريعاً، وامتدت من ثلاثة أيام مفترضة إلى تسعة أشهر، واستطاعت قوات القذافي إحراج القوات المغيرة، وتقدمت إلى معاقل المعارضة من رأس لانوف إلى البريقة وأجدابيا تحت وابل من القصف والغارات الجوية والصواريخ المجنحة والطوافة، ولم تتأثر بالهجمات والضربات، بالرغم من أن القذافي لم يكن يمتلك جيشاً، بل كتائب صغيرة. ولولا خيانة الضباط المكلفين بحماية العاصمة لما سقطت. تلك المواجهة، جاءت بشروط صعبة جداً بعد الحصار المطبق على ليبيا ومن ثم عزلها، وقاتلت ليبيا وحيدة بدون حلفاء، وبجيش ليس أكثر من نصف ميليشيا، وبأسلحة قديمة. ومن الدلائل الواضحة في حرب ليبيا أن ترسانة «الناتو» لم تعد قادرة على لعب دور في تغيير موازين القوى على الأرض، على غرار ما جرى في أفغانستان والعراق، وكل ما يقال عن مقدرة «الناتو» حسم المعركة عن بعد هو كلام يندرج في الإطار المعنوي، لا بل الخيالي، وفي منطق الحرب اللامتماثلة ليس إلا.

حرب سوريا

في استراتيجيته الأخيرة، اعتمد حلف شمالي الأطلسي على قوة نار غير مسبوقة عن بعد، قادرة على تدمير كل شيء، والإصابات الدقيقة للأهداف المرسومة، ولكن المسرح في سوريا مغاير، وشروط المواجهة مختلفة. سنكون أمام حرب من نوع جديد، يعتمد «الناتو» فيها على تقنياته المكشوفة، بمقابل أسرار في الجانب الآخر قد تظهر مفاجآت غير منتظرة. العدوان الغربي المرتقب، إذا وقع، سيكون في قبالته حلف قوي وجاهز للتحدي.
منذ ما قارب الثلاث سنوات، والمدن السورية مدمرة وتعيش حالة حرب والجيش منتشر، والقيادة مستنفرة، ولدى القيادة السورية خبرة في التعاطي مع هكذا أزمات، فهي جزء من المساهمين في صمود حماس وحزب الله والمقاومة العراقية، وتدرك حجم المواجهة والمخاطر.
ويملك النظام جيشاً متماسكاً، مع حلفاء عقائديين، وجغرافيا تصلح كمسرح عمليات جيد، وهنا أهمية احتواء الضربات الأولى، ومن ثم تطوير المواجهة، إذ ليس كافياً القصف عن بعد، فهو لا يغير موازين القوى، ولا يترجم سياسياً بإسقاط نظام، بل يتطلب الأمر تقدماً ميدانياً على الأرض للجيوش لكي تغيّر المعادلة السياسية.
وفي المواجهات البرية عندذاك، سيكون العالم أمام مشهد جديد من حرب، ربما لم يشهد موازاة لها إلا حرب فييتنام. ومن يدري، قد تكون المواجهات أقصى، وبنوع جديد من التقنيات، والمفاجآت.
في مناطق الشمال السوري، يتمتع حزب العمال الكردستاني بخبرة كبيرة، ويستطيع التعامل مع الأتراك ومع أي محاولة لدخول الحدود الشمالية، والأكراد قادرون على التوسع نحو الحدود العراقية، ومن المرجح أن تكون إيران وروسيا قد زودتهم بصواريخ أرض ـــ جو محمول.
كذلك سيكون لجيش المهدي مهمة أساسية في الانتشار على الجبال المطلة على الحدود العراقية ـــ السورية، وجيش المهدي المدعوم ببعض الوحدات العراقية الجيدة، والتي تمتلك أسلحة متطورة لهكذا اشتباك، أما الحدود اللبنانية ـــ السورية، وخاصة السلسلة الشرقية، فهي أهم النقاط الاستراتيجية لاستعمال الصواريخ، وهنا يتمتع حزب الله بمناطق إسناد.
سيكون للساحل السوري دور كبير بما يمتاز به من سلسلة جبال مطلة على تركيا، وتشرف على البحر، وينتشر في جباله وأوديته مقاتلون من أنطاكيا، ولواء الاسكندرون لدعم النظام. وفي الساحل، يستطيع النظام نشر آلاف المضادات للطائرات (م ـ ط) للتعامل مع صواريخ الكروز والتوماهوك، إضافة إلى مقدرة البحرية السورية على ضرب أي هدف على مسافة 300 كلم بواسطة صواريخ «ياخونت»، وأكثر من ذلك، لدى النظام 30 طياراً انتحارياً سيستهدفون البوارج الحربية يذكّرون بـ«الكاميكاز» التي، نظراً إلى قساوتها والعجز عن ردعها، أثمرت ضرب هيروشيما وناغازاكي بالنووي عشية نهاية الحرب العالمية الثانية، وستبرز أنواع من الصواريخ التي أحضرتها القواعد العسكرية في الدول المحيطة بسوريا.
إن أهم ميزة في الوضع السوري هي حالة الحرب التي تعيشها منذ ثلاث سنوات، والمدن السورية المدمرة، وهي أشبه بالحصون، والجيش منتشر بين الركام، وقد اعتاد التنقل تحت القصف، ويعتمد رسائل بدائية لتفادي التكنولوجيا، وستكون السلسلة الجبلية المحيطة بدمشق عبارة عن شبكة عنكبوتية من المضادات ومن الأعيرة المختلفة للتعامل مع الصواريخ الحديثة «الطوافة».
إن المقدرة على دمج المنظومات الحديثة مع القديمة، والتنسيق في ما بينها عبر ما يعرف بالدفاع بالعمق سيجعل التعامل مع تلك الصواريخ، والطائرات القاذفة، عملية ممكنة، فنشر مرابط (م ـ ط) 57 ـ 40 ـ 37 ـ 30 ـ 23 ملم ضمن منظومات «بانتاسير ـ اس 1»، و«بوك ام 2»، وبطاريات «بيتشورا» المحدثة «اي آس 4»، و«آس اي 6»، إضافة إلى جدار العمق بمنظومات دفاعية صغيرة ومتوسطة المدى «ثور زان»، وترك المنظومات المتحركة «سترليتس» والتي تحمل أربعة صواريخ «ايخلا آس» تعمل خارج دفاع العمق كي تأخذ هامشاً ويكون لها ردات فعل مجدية ومفاجئة.
لدى النظام كتائب دفاع جوي ويدوي يعتمد على المراقبة الفردية، ولا ترتبط بأنظمة الدفاع الجوي الذاتي الحركة. هذه الشبكة المعقدة والمتناسقة قادرة على مواجهة العدوان بفعالية، وخاصة أن منظومات «باك 2» قادرة على الاشتباك مع الصواريخ الطوافة والمجنحة. وستكون المواجهة الأصعب على السواحل السورية حيث قاهر السفن «ياخونت»، بالإضافة إلى نظام الدفاع الساحلي «باستيون»، ويقال إنّ النظام يمتلك مضاد «مصباح» الإيراني ذا الفوهات الثماني، وهو مخصص للتعامل مع صاروخ توماهوك وكروز، ويستطيع أن يطلق في الدقيقة الواحدة ثمانية آلاف طلقة مع صواريخ أخرى صغيرة ومتنقلة، كصاروخ «سي 802» الإيراني. لا شك أنّ الوضع السوري مختلف تماماً عما حدث في العراق وليبيا، بحيث لا يوجد حصار مطبق، بل بالعكس فالحدود مشرّعة للدعم ولإرسال كل ما يحتاج إليه من أعتدة متنوعة.
وهذه المعركة هي معركة إرادات، يتوفر فيها محور قوي، على عكس ما جرى مع الدول السابقة، والتي كانت متهاوية بالأصل، فبعد الضربات الأولى، والتي قد تمتد أياماً، سيبدأ احتواؤها، ومن ثمّ ستتحول الساحة السورية إلى ما يشبه بلاد الفيتكونغ.
موازاة مع ذلك، وبانتظار المعركة الفصل، سيعمل النظام على استكمال حسم المعركة في ريفي دمشق وحمص، وفتح الطرق إلى إدلب وحلب. لقد نجح الجيش السوري في استنزاف المجموعات المسلحة عبر إدخالها في مراوحة، تارة في التراشق عبر خطوط تماس ثابتة، وطوراً بالكرّ والفرّ عبر هجمات مفاجئة، وهذا أعطى الجيش السوري وقتاً إضافياً لاستيعاب خطتهم. ولقد اكتسب خبرة كبيرة في خوض حروب المدن، بعد تطوير أدائه. ومع مرور الوقت، نجح الجيش، ومعه «جيش الدفاع الوطني»، وباقي الفصائل الأنصارية كـ«حزب الله» و«جيش المهدي»، ومجموعات «تحرير لواء الاسكندرون»، والفصائل الكردية في خلق قوة منسجمة. من هنا، تجري عملية تحرير مناطق الريف الدمشقي، وما تبقى من مناطق حمص، من دون إهمال ريف اللاذقية وإدلب ودرعا ودير الزور من عمليات منسقة تمنع المسلحين من التمدد والسيطرة أكثر فأكثر، بانتظار الانتهاء من عمليات تطهير الجيوب المتبقية.

تجربة السنوات الماضية

إنّ مقدرة النظام على التكيّف مع طبيعة القتال من المدن إلى الجبال ساهمت في تصلب بنيته، وأكسبه ذلك خبرة عالية. وما حصل في معركة دمشق وريفها لم يكن أمراً سهلاً، بل تطلب جهداً شاقاً للتعامل مع ظروفها، وهذا أثبت دينامية عالية للجيش في التعامل مع كل الاحتمالات والمفاجآت.
إن واحدة من أصعب مهمات الجيش هي تطوير أدائه في ردات الفعل، وهذا يحتاج إلى جيش محترف يمتلك وحدات مجوقلة ومؤللة، وخاصة إذا كان التنقل والتحول من اشتباك إلى آخر يحتاج إلى وقت، فالأعمال العسكرية تجري في القرى، ومن ثم في سفوح الجبال، ثم تنتقل إلى التصدي لهجمات داخل المدن، وأحياناً للدفاع عن مقارّ القيادة. وقد أبدى الجيش السوري قدرات كبيرة في الهجمات المنسقة والقوية والسريعة يصعب التصدي لها. ففي السنوات الثلاث المنصرمة، مر الجيش بمراحل صعبة، وكانت المتغيرات سريعة، لكنه أجاد التعامل معها، وقد يعود ذلك إلى بنية الجيش المتماسكة والقوية، ولكن هذا لم يكن يكفي، فهو يتطلب جيوشاً صغيرة عدة يعمل كل واحد منها بدون مركزية في إدارة وحدة مسرح عملياته، ولكل معركة قيادة أركان، وغرفة عمليات، وقوات احتياط، ووحدات دعم لوجستي لا تعتمد على مركزية القرار، لها صلاحية التعامل مع الحدث والظروف الطارئة. هنا يكمن سر هذا الترابط والتسلسل في كيفية إدارة الأزمة والبقاء على الجيش موحداً ومتماسكاً، يخوض الصراع، فكان في مكان يهاجم، وفي آخر يدافع، وفي منطقة أخرى يدعم، هذا يتطلب تنسيقاً وخبرات تتجاوز المفهوم العام. وهنا سيبرز دور ضابط من الرتب الصغيرة في إدارة الميدان، وهذه من سمات الجيوش الكبيرة.
ما كان يجري من قتال دائري ومتنقل من محافظة إلى أخرى كان مربكاً ومتعباً، فخاضه الجيش من دون أن يفقد الاتصال بقيادته، والتي كانت أيضاً تقوم بالدفاع عن مراكزها. «معركة دمشق» كانت محاولات منظّمة لإرباك الجيش وإضعافه وتفكيكه وتشتيته. ومن أجل إحداث خرق كبير، جاء الهجوم المفاجئ على ريف اللاذقية نحو معقل الرئيس الأسد، كفرصة أخيرة لقلب موازين القوى، ثم الهجوم بعناية وبأعداد كبيرة، واستقدمت لهذا الهجوم أعداد كبيرة من خيرة المقاتلين الأجانب، لكن من الجهة المقابلة، جاء الاحتواء سريعاً ومدمراً، كما حصل عشية الهجوم الأول والثاني على دمشق. هذا الصراع لم يكن داخلياً أو إقليمياً، كان دولياً بامتياز، وما قام به الجيش السوري طيلة المواجهات كان مثيراً للجدل، فهو كان دائماً يترك جيوب المقاتلين في كل منطقة يدخلها، ولم يستعمل الحسم الكامل إلا في حالات معينة، من دون معرفة أحد بهذا السر، وبقي الجواب مجهولاً.
لم يحتل كل داريا وكذلك برزة، وجوبر، والمعضمية، إلخ. على ما يبدو أراد من ذلك إطالة الاشتباك والمناوشات، وترك قوات المعارضة قريبة منه كي لا يتحمل أعباء ملاحقتها في أماكن بعيدة، فقد ترك جيوباً قرب القصر الجمهوري، والمطار، وأماكن أخرى من دون أي خشية أو قلق، وحتى يقال إنه لا يريد الحسم حالياً قبل نضوج التسوية كاملة كي لا يتحمل أعباء العائدين إلى مناطقهم.
بالتأكيد، هذه الثقة لا تجعله يخشى مواجهة العدوان الأميركي، فالنظام أكثر قوة ومنعة وتماسكاً، ومن خلفه تحالف صاعد، وأضحى النظام عنصراً في لعبة الأمم. فالحضور الروسي اليوم يشبه ما كان الاتحاد السوفياتي عليه في الخمسينيات من القرن الماضي، وما ينتظر من الاشتباك الدولي ـــ الدولي في سوريا هو بلورة العالم الجديد، وفرض معادلات تتناسب مع التوازنات التي جاءت بفضل التحولات والمتغيرات في موازين القوى.
* كاتب لبناني