حين تستقل الحافلة من القدس إلى رام الله، بعد مرور 20 عاماً على اتفاقية أوسلو، لا يستوقفك سوى الازدحام والشوارع السيئة. أما في طريق العودة، فعليك النزول منها، الوقوف في حاجز «قلنديا» أمام بوابات حديدية ومنظومات تصوير إلكترونية وبنادق الحرّاس، الخضوع لتفتيش جسدي وآخر لأغراضك، عرض بطاقتك الشخصية للجندي عبر زجاج فاصل، تحمّل الفظاظة الاستعلائية للجنود واستهتارهم بك، وأحياناً التعرّض لتحقيق يمس بخصوصيّتك عما تفعله هنا! وهذا ينطبق فقط على من يحمل هوية إسرائيلية، أو تصريحاً من سلطات الجيش بالدخول إلى إسرائيل. فمناطق السلطة الفلسطينية مفهومة ضمناً، أدخلها من جهة إسرائيل كما تشاء، أما الطريق المعاكس، للدخول إلى إسرائيل القويّة المسيطرة، فهو كدرب الآلام.

هذه الصورة تجسّد الحال السياسي: السلطة الفلسطينية مجرّد فضاء محدود ومقطّع بالحواجز العسكرية والمستوطنات، يقع تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي من البرّ والجو. التكافؤ معدوم. بالضبط مثلما كان الأمر حين أبرمت اتفاقية أوسلو. المسألة لم تزد يومذاك عن «إعادة انتشار للجيش» رافقها انتشار واسع للمستوطنات! من مفارقات أوسلو: إحدى أكثر فترات تكثيف الاستيطان هي التي حكم فيها ايهود باراك المسمى «عمالياً» و«يسارياً» و«سلامياً». بعض فلسطينيي النخبة عدّوه هكذا أيضاً، مثلما ظلوا يعدّون يتسحاق رابين قبله رغم قوله (بعد توقيع الاتفاقية): «من جهتي فلتغرق غزة في البحر». (وهذا لا يمنع الإسرائيليين من اتهام الفلسطينيين بأنهم هم الذين يريدون رمي اليهود في البحر!). فرابين كغيره لم يرغب في التصالح مع الفلسطينيين، بل التخلّص من هذا الهمّ. ليبتعدوا عنا ومن جهتي فليذهبوا إلى الجحيم. لاحقاً، ستكمل حكومات إسرائيل دربه على نحو اكثر تطرفًا، وستعمل كي يغرب الفلسطيني عن وجهها حرفيًا، فتبني جدار الفصل الذي عدته «محكمة لاهاي» انتهاكاً للقانون الدولي.
المشكلة هي في التوجّه: لقد توجّهت حكومات الاحتلال الإسرائيلي إلى معركة مفاوضات السلام وهي مسلّحة بأدوات المعركة السابقة، أدوات الحرب. لم تكن دافعيّتها البدءَ في درب المصالحة بقدر ما هو التخلّص من مشكلة وإدارة أزمة. في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، أخفى حزب «العمل» ميراث أوسلو (ورابين) من برنامجه السياسي تماماً، فيما يردّد وزير «الأمن» الحالي موشيه يعلون ما ردده رئيس الحكومة الأسبق أرئيل شارون: ما من حل، وعلينا أن ندير الأزمة لمئة سنة قادمة.
تُقال هذه الاستنتاجات اليوم بأثر رجعيّ. حين جرى توقيع أوسلو لم أرَ هذا كله. كان لديّ ككثيرين بعض التفاؤل. لم أشكّ يوماً في نوايا ياسر عرفات بل آسَف اليوم على أنها كانت حسنة أكثر من اللازم وربما ساذجة. كفلسطينيين كثيرين صدّقوا الصياد ولم ينظروا إلى يديه! كانت تلك المرة الأولى التي يضطر فيها الإسرائيلي، بعد عقود من المقاومة، إلى الاعتراف بشيء اسمه فلسطيني. أما الاعتراف الأميركي القسري بمنظمة التحرير الفلسطينية، فكان بنظر كثيرين بمثابة انتصار معنوي متواضع، واعتراف اضطراري بالنضال الفلسطيني الطويل، بعد عقود من وصفه كذباً بالإرهاب، لكنّ مشهداً واحداً ظلّ يرافقني: حين كان الجيش الإسرائيلي يعيد انتشاره، ذهبت إلى بلدة قباطيا قرب جنين. الأطفال وقفوا قريباً من الجنود ورتّب منظّمو الحدث أغصان زيتون ليقدمها الصغار إلى الجنود. كان انفعالي محدوداً بهذه التمثيلية، وتيقّنت من ذلك أكثر حين ذهبتُ جانباً فوجدت أطفالاً يلعبون برصاص حيّ تركه الجيش في المكان كأنه يقول: سنرجع لاحتلالكم مجدداً. يومها كتبت هذا في التقرير للصحيفة تعبيراً عن الخشية من هذه الدلالة: أغصان زيتون في الواجهة ورصاص في الكواليس. وهو ما حدث لشدة الأسف.
فلسطينياً، كانت كبرى نتائج اتفاقية أوسلو مأسسة تفتيت الحالة الفلسطينية. في عام 1948 جرى التفتيت حين أقيمت دولة إسرائيل، وجرى تهجير معظم الشعب الفلسطيني وقطع التواصل بين من بقي من فلسطينيين داخل إسرائيل، ومن صار في الضفة الغربية تحت حكم الأردن، ومن صار في قطاع غزة تحت حكم مصر، ومن بات لاجئاً خارج فلسطين. وفي عام 1967 احتلت إسرائيل الضفة وغزة فانقطع الفلسطينيون هناك عن اللاجئين في الخارج، مثلما كان الفلسطينيون في إسرائيل مقطوعين عن كليهما منذ 1948. والأخيرون (نحن) فرحوا بمعظمهم مع توقيع أوسلو لشعبهم، لكنهم انتبهوا فجأة إلى أنهم ليسوا فرحين لأنفسهم. فهم خارج جميع معادلات الصراع والتفاوض – المحصور في الضفة الغربية وقطاع غزة. وها هو بنيامين نتنياهو يؤكد لنا: هذه الدولة يهودية ويجب الاعتراف بهذا قبل أيّ تسوية. ما المعنى الاستراتيجي لهذا؟ إنه يقول: لا مكان لعودة اللاجئين لأنهم سيخلّون بيهودية الدولة، ولا مكان للاعتراف بمكانة مدنية وقومية متساوية للفلسطينيين في إسرائيل.
مع ذلك، نعود إلى مفاوضات جديدة تحت الرعاية الأميركية نفسها، التي لم يتغير انحيازها لسياسات إسرائيل. لدينا سلطتان شكليّتان فارغتان في رام الله وغزة، تقعان تحت جزمة الجيش الإسرائيلي. عالمنا العربي يعيش ثورات تتعرّض لثورات مضادة سواء بسلاح الأنظمة القديمة أو بسلاح مجموعات بعيدة عن الحريات والديمقراطية تزودها به أنظمة تعيش على النفط والتبعية الكاملة لمصالح امبريالية بهيمنة أميركية. الشعوب العربية ملتزمة بالحقوق الفلسطينية، لكن همومها الداخلية تجعل مساهمتها محدودة جدًا. اليسار يواصل الجدال بين من يقول: لن يتحرر الشعب الفلسطيني ما لم تتحرر الشعوب العربية من الدكتاتورية والتبعية، ومن يقول العكس: لن تتحرر الشعوب العربية ما لم يتحرر الفلسطينيون.
يبدو أن المسألة جدلية، فالقضيتان تتراجعان معاً أو تتقدمان معاً، لكنْ هناك «نظام» لا يعترف بالعدالة والحرية للشعوب. إنه نظام يتألف من الأنظمة الاقليمية، بما فيها الإسرائيلي، ومَن يحميها ويعيّنها حارساً لمصالحه: الراعي الأميركي وحلفاؤه الأوروبيون. ديمقراطية بعض هؤلاء (بمفهومها الإجرائي فقط!) لا تشفع للعدالة التي تتطلب تقديم مصالح الشعوب على مصالح قوى السوق وحيتان رأس المال ومصالح الهيمنة. هذا التحدّي هو ما يجعل قضية التحرر الفلسطيني في قلب النضال الأممي. الشباب الذي يفكر في إعادة صياغة مفاهيم العدل في السياسة والاقتصاد، في العالم كله، لديه دور مهم. فالعدالة الانتقائية التي تقتصر على شعوب دون غيرها، ستنسف العدالة الانسانية الكونية لا محالة، وتقوّض الاستقرار الوهمي الموقت. الاستقرار الذي يقتصر على الشمال، لن يدوم أبداً إذا تواصل تفتيت الجنوب. عالمنا صغير ونحن جميعاً في سفينة واحدة.
ويبقى السؤال المهمّ بعد عقدين قاتمين على «أوسلو» هو: كيف نحفظ الأمل بأن يراهن الفلسطينيون والإسرائيليون غداً على امكان العيش معاً على نحو متكافئ، طبيعي، صحي وأخلاقي، كمواطنين احرار ومتساوين، دون املاءات عسكرية، ولا امتيازات استعمارية، ولا هيمنة اقتصادية ولا عنصرية بيضاء.
* كاتب فلسطيني