زهير أندراوس *

العرب هم نفس العرب، والبحر هو نفس البحر، مقولة متخمة بالسم القاتل، نفثها رئيس الوزراء الإسرائيليّ الأسبق، اسحاق شامير، وهو إرهابيّ بامتياز قام بعمليات وحشيّة وبربرية عديدة يندى لها الجبين قبل وخلال وبعد النكبة الفلسطينيّة عام 1948. وفي مؤتمر مدريد عام 1991، الذي نظّمته الويلات (ليس خطأً مطبعياً) المتحدّة الأميركيّة أبرز وزير الخارجيّة السوريّ آنذاك، فاروق الشرع، أمام المشاركين وكاميرات التلفزيون وثيقة بريطانيّة رسميّة تؤكّد أنّ شامير مجرم حرب مطلوب للعدالة، الأمر الذي أربك الحضور، بمن فيهم رئيس وزراء دولة الاحتلال، الذي كان معروفاً بمواقفه اليمينيّة المتطرفة، ولم يعترف في يوم من الأيام بوجود شعب فلسطينيّ، كأنّ هذا الشعب يستمد شرعيته من «السيّد لا»، كما كانوا يُسّمونه في الدولة العبريّة.

في العدوان الذي شنّته إسرائيل على لبنان في تموز (يوليو) من عام 2006، تمكّن حزب الله اللبنانيّ من دحض أقوال شامير، وألحق بالكيان الاستعماريّ هزيمة ما زالت تُؤلمه وتُوجعه حتى هذا اليوم، حيث أثبتت المقاومة اللبنانيّة أنّ الجيش الذي لا يُقهر، جيش الاحتلال، أعجز وأوهن من بيت العنكبوت، علاوة على ذلك، دمرّ حزب الله الدوكترينا التي وضعها من يُطلقون عليه في تل أبيب مؤسس الدولة العبريّة، ديفيد بن غوريون، والقاضية بحسم المعركة مع العرب في غضون أيام من ناحية، وإدارة رحى الحرب في الأراضي العربيّة. الحرب التي نعتتها المملكة العربيّة السعودية بمغامرة غير محسوبة، وتقدّمت برجاء كل من السعودية والأردن ومصر مبارك، مطالبةً إسرائيل بمواصلة العدوان لتصفية حزب الله! هل لأنّ إسرائيل سنيّة وحزب الله شيعي؟ هل يُفكّر أتباع هؤلاء لماذا وقفوا هكذا؟ هل يُفكّر من يجندهم اليوم بندر بن سلطان ضدّ سوريا؟

■ ■ ■


استمرت الحرب على مدار 34 يوماً حتى وافقت دولة الاحتلال على قرار مجلس الأمن الدولي الذي يحمل الرقم 1701، والذي وضع حداً لوزر العدوان الغاشم على لبنان، من ناحية أخرى، فقد حوّل حزب الله بصواريخه البدائيّة منطقة شمال إسرائيل إلى أرض معركة، وتسبب القصف في هروب أكثر من مليون إسرائيليّ إلى مركز الدولة العبريّة، خوفاً من تعرّضهم للإصابة بنيران حزب الله. ومنذ عام 2006 لم تجرؤ إسرائيل على القيام بأيّ عملية عسكريّة في الجنوب اللبناني، ذلك أنّ حرب لبنان الثانية أوجدت ميزان رعب بين الدولة الديمقراطيّة الوحيدة في الصحراء العربيّة، ومنظمة مقاومة لبنانيّة، تعتمد على حرب العصابات، إسرائيل لم تكسب الحرب، حزب الله لم يربح الحرب، لكنّ هذه الحرب، التي استعمل فيها جيش الاحتلال الأسلحة الأميركيّة المُحرمّة دولياً، أوجدت معادلة جديدة بين العدوين اللدودين، وأدّت إلى تغيير استراتيجيّ في موازين القوى، ولاحقاً كُشف النقاب عن أنّ سوريا زوّدت حزب الله الأسلحة والعتاد، الأمر الذي أسهم إلى حد كبير في المعارك الضارية بين الطرفين، سوريا قدّمت المساعدة، في الوقت التي كانت فيه العديد من الدول العربيّة تتآمر كعادتها على حزب الله، فضلاً عن التواطؤ في الساحة السياسيّة داخل بلاد الأرز. وبالمناسبة، هل هُزم العدوان في جنوب لبنان بالكيميائي؟

■ ■ ■


اليوم، بعد مرور سبع سنوات على العدوان، وعلى وقع التهديدات الأميركيّة والغربيّة والعربيّة والتركيّة بشنّ عدوان آثم ضدّ سوريا، بزعم أنّ الجيش العربيّ السوريّ استعمل الأسلحة الكيميائيّة في الغوطة الشرقيّة، بريف دمشق، يُحافظ حزب الله على صمت يكسر الصخور المتدحرجة وغير المتدحرجة، ويُدخل اللاعبين في دوامة من الصعب، إنْ لم يكُن مستحيلاً، سبر أغوارها وفكّ رموزها. في المقابل، فإنّ الدول العربيّة، إذا جاز التعبير، التي تتبنّى سياسة التبعيّة المطلقة لبلد النازيين الجدد، أميركا، ترغي وتزبد، تُهدد وتتوعّد بضرب بلاد الشام، فقطر والسعودية تُعلنان بصراحة متناهية استعدادهما للعدوان. كذلك أنّ تركيّا، وهي أوّل دولة اعترفت بإسرائيل في الأمم المتحدّة، ووقعّت حتى الآن 86 اتفاقية عسكريّة وأمنيّة مع الدولة التي اغتصبت فلسطين قبل 65 عاماً، إضافةً إلى أنّها عضو في حلف شمال الأطلسيّ (الناتو)، تُعلن على الملأ وبعظمة لسان وزير خارجيتها، أحمد داوود أوغلو، أنّها ستُشارك في العدوان على سوريا بدون تفويض من مجلس الأمن الدوليّ. هذه الدولة التي اعتمدت سياسة صفر مشاكل مع البلدان المجاورة، تحوّلت إلى صفر غير حافظ منزلته، من أجل خدمة واشنطن وتل أبيب، وتطاولت على بلاد الكنانة، وزعمت على لسان رئيس وزرائها، رجب طيّب أردوغان، أنّ عزل الرئيس محمد مرسي، كان انقلاباً على الشرعيّة، الأمر الذي صعّد حدّة التوتر بين أنقرة والقاهرة إلى أعلى درجة، ذلك أنّ مصر اليوم، بغضّ النظر عن حكّامها الانتقاليين، عادت وبقوة إلى دورها الرياديّ في الوطن العربيّ وخارجه، وعندما التأمت جامعة الدول العربيّة لاتخاذ قرار حول العدوان على القُطر العربيّ الشقيق، سوريا. وانبرى وزير الخارجيّة السعوديّ، سعود الفيصل، مطالباً الدول الأعضاء في الجامعة باتخاذ قرار يؤيد العدوان، مستأسداً على النعاج المشاركة، تصدّى له وزير الخارجيّة المصريّ، نبيل فهمي، وأعلن أنّ بلاده ترفض سياسة القطيع الأميركي، مؤكّداً على أنّ مصر، أم الدنيا، تُعارض وبشدة شنّ العدوان على بلاد الشام. ولا بأس من التذكير الآن، بأنّ مبارك كان يستعجل العدوان على العراق، كما أن محمد مرسي حمل علم الانتداب الفرنسي تأييداً لما تُسمى الثورة السوريّة، وأعلن الجهاد ضدّ سوريا، إذن هناك تغيرات في مصر. باعتقادنا المتواضع جداً، فإنّ هذا الاجتماع كان مفصلياً في تاريخ الجامعة العربيّة، التي كانت تحت الوصاية الخليجيّة، المتخاذلة والمتواطئة، والتي تعمل بدون كلل أوْ ملل على ضرب مصالح أمّة الناطقين بالضاد، خدمة للأسياد في واشنطن وتل أبيب وباريس. أليس من العار، أنّ بريطانيا مع وعد بلفور، مَنْ لا يملك أعطى لمن لا يستحّق، تُعارض العدوان بعد قرار مجلس العموم في لندن، فيما تؤيّد دول عربيّة وبحماسة شديدة العدوان على سوريا؟ والشيء بالشيء يذكر: دول مجلس التعاون الخليجيّ، التي لم تصل بعد إلى مرتبة الدول السياديّة، وملوكها وأمرائها وسلاطينها يحكمون شعوبهم بيد من حديد، تتباكى على ما تُسّميه قمع النظام السوريّ لشعبه؟ أهذه الدول التابعة لأميركا، التي لا تعرف أدنى قيم الديمقراطيّة والحريّات والتعدديّة الحزبيّة، تُعلن بكلّ صلف ووقاحة أنّ سوريا بحاجة إلى تغيير النظام لتحرير الشعب السوريّ من طغيان نظام الرئيس الأسد؟ وهل البديل التي تُريده هذه الدول، والمؤلّف من التكفيريين والإرهابيين والوهّابيين والسلفيين، هو البديل لنظام الرئيس بشّار الأسد؟ مَن قال لكم إنّ الشعب السوريّ، صاحب حضارة آلاف السنين، يُريد دولة خلافة إسلاميّة، يجري فيها ذبح الإنسان وأكل أحشائه، بسبب معارضته لأعمالهم البربريّة والوحشيّة باسم الإسلام، والإسلام منهم براء!

■ ■ ■


ومن الخاص إلى العام: أوّل رئيس أسود في البيت الأبيض، باراك أوباما، قدّم حتى الآن مساعدات عسكريّة إلى الدولة العبريّة تفوق المساعدات التي حصلت عليها هذه الدولة المارقة من أيّ رئيس أميركيّ. هذا الصبي الأزعر يحتاج ليس إلى من يمسكه من قميصه فقط، بل إلى من يرشوه ليُغادر المكان، بكلمات أخرى، بعد تدّخل الرأي العام الغربيّ وإعلانه جهاراً ونهاراً أنّه يُعارض العدوان، بدأ أوباما بالبحث عن مخرج يحصل من خلاله على رشوة يُقنع بها الحلفاء العرب والغربيين بأنّه تراجع عن قراره بشنّ العدوان مقابل ثمن. الدبّ الروسيّ كان له بالمرصاد، فأمام روسيا وحليفاتها برزت فرصة ذهبيّة لتلقين بلاد الشياطين، أميركا، وحليفاتها وزبانيتها، تحديداً في الوطن العربيّ، درساً تاريخياً في هذه المرحلة المفصليّة: الخلاف حول سوريا يمنح الرئيس فلاديمير بوتين إمكان كسر العربدة الإمبرياليّة والغطرسة الصهيونيّة، وتدمير هيمنة القطب الواحد على الأجندة السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة. وعندما اقترحت موسكو على واشنطن المراقبة الدوليّة على الأسلحة الكيميائيّة السوريّة، ونميل إلى الترجيح أنّ الاقتراح الروسيّ نتاج لتوافق بين موسكو ودمشق، انقض الرئيس الأميركيّ على الاقتراح، الذي مثل له طوق نجاة لتجنب الحرب والتورط في الوحل السوريّ، وخصوصاً بعد هزائم واشنطن المتتالية في العراق وفي أفغانستان، فضلاً عن الأزمة الاقتصاديّة التي تعيشها بلاد العّم سام. روسيا أثبتت لكلّ مَن في رأسه عينان أنّها لا تتخلى عن حلفائها، وأكّدت لحليفات واشنطن أنّ من يُعوّل على أميركا لا يُعوَّل عليه.

■ ■ ■


وعودٌ على بدء: أميركا التي تُقدّم الغالي والنفيس من أجل حماية إسرائيل، لم تتبنّ موقف المجرم شامير بأنّ العرب هم نفس العرب، ذلك أنّ صنّاع القرار في واشنطن توصّلوا إلى نتيجة بأنّ العدوان سيُشعل المنطقة برّمتها، وبطبيعة الحال أخذوا بعين الاعتبار الترسانة الصاروخية لكلّ من سوريا وحزب الله وإيران، ولكي لا نُفهم خطأً، سفك الدماء العربيّة والإسلاميّة من قبل واشنطن لم يكُن عاملاً في تقهقر أميركا، لأنّها أدمنت قتلهم وتشريدهم، العامل الحاسم كان خشيتها على الحبيبة ـــ الربيبة إسرائيل، ذلك أنّ كل عاقل يعرف أنّه لو هوجمت دمشق، فإنّ الردّ لن يقتصر على المصالح الأميركيّة فقط، بل سيطاول إسرائيل أيضاً، التي أقرّت على نحو رسميّ بأنّ ترسانة حزب الله الصاروخيّة بإمكانها إطلاق ألف صاروخ يومياً على العمق الإسرائيليّ من أقصى الشمال، مروراً بالمركز حتى الجنوب. فما بالكم بترسانة سوريّا وإيران؟
* كاتب من فلسطينيّي الـ48