تتزامن الذكرى العشرون لتوقيع اتفاق أوسلو مع تبلور جملة من المتغيرات العالمية والإقليمية، التي تفرض ايقاعها على القضية الفلسطينية. فإذا كان السياق التاريخي لتوقيع اتفاق أوسلو هو تراجع الحركة الثورية العالمية وحركات التحرر، الأمر الذي استخدمته القيادة الفلسطينية حينها كشمّاعة لدخولها مسار أوسلو، فإن السمة التاريخية للمشهد اليوم، هي نهاية تفرد أميركا، وبزوغ قوى عالمية واقليمية متناقضة معها، وعودة الجماهير إلى الشارع كظاهرة عالمية تشمل منطقتنا. الأمر الذي بدأ يترجَم بتحول بعض الحركات الشعبية العربية، ونتيجة لتراكم وعيها إلى رقم يصعب ترويضه من القوى الخارجية والمحلية، التي تسعى إلى الحفاظ على القائم وإجهاض الجديد.


إن هذا الواقع الجديد يخلق هامش مناورة كبيراً، وفرصة حقيقية للتقدم، فـ«مبررات» مسار أوسلو التفريطي تبخرت تاريخياً. فلماذا تستمر السلطة في مسار التفريط؟ وهل ما زالت قيادات القوى السياسية المرتبطة بها تعدّ جزءاً من حركة التحرر الفلسطينية؟ ماذا بقي من «استقلالية» القرار الوطني الفلسطيني؟ ألم يتغير طابع النضال الفلسطيني كنتيجة للوقائع التي خلقتها أوسلو؟ 
للإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من سبر بعض الجوانب الأساسية لمنظومة أوسلو، المتمثلة في شروطها الاقتصادية العامة، التمويل الدولي والمنظمات غير الحكومية، وطبقتي الرأسمال والبيروقرط الفلسطينيتين.

الشروط الاقتصادية العامة

ينظم الجانب الاقتصادي الملحق المسمى بروتوكول باريس كإطار يعرف علاقة الاقتصاد الفلسطيني بالاسرئيلي وعبره بالاقتصاد العالمي من جهة، ونطاق مسؤولية كل من اسرائيل والسلطة في إدارة الاقتصاد الفلسطيني من جهة ثانية. عموماً، فإن جميع تفاصيل هذا البروتوكول تعد قوننة وتعميقاً للأمر الواقع، الذي فرضته إسرائيل منذ احتلالها أراضيَ الـ٦٧.
فعلى صعيد قطاعات الإنتاج الحقيقي، كرّست إسرائيل سيطرتها على مدخلات الإنتاج الزراعي الأساسية، الأرض والمياه، وأحكمت السيطرة على أخصب الأراضي الزراعية والحوض المائي بالضفة الغربية عبر الاستيطان والجدار العازل، ففي عام ٢٠٠٤ بلغت نسبة الأراضي المزروعة ٨٦٪ من جملة الأراضي المصادرة بهدف إقامة الجدار. مما أدى إلى توقف التوسع الأفقي للزراعة، إضافةً إلى محدودية التوسع العمودي كنتيجة لإعاقة دخول المعدات زراعية والأسمدة. أما الإنتاج الصناعي، فقد تسرعت عملية تآكله نتيجة الانفتاح على الاقتصاد العالمي. إذ ذكر تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية حول الاقتصاد الفلسطيني أن «قطاعي الزراعة والصناعة قد انهارا بعد إنشاء سلطة أوسلو، إذ هبطت نسبة إسهامهما في الناتج المحلي من ٣١٪  عام ١٩٩٤ إلى ١٥٪ عام ٢٠١١».
أما على صعيد التبادل، فقد كرّس بروتوكول باريس الاتحاد الجمركي كإطار للعلاقة التجارية بين الطرفيين، والذي يعني عملياً فرض السياسة التجارية الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني من حيث الجمارك والتعاريف مع السماح بهوامش اختلاف محدودة لعدد قليل من البضائع. على أن إسرائيل هي المخولة بجمع الجمارك، والتعاريف على الواردات الفلسطينية ومختلف أنواع الرسوم نيابة عن السلطة. هذا وتزامن توقيع بروتوكول باريس مع توقيع إسرائيل اتفاقات التحرير لمنظمة التجارة الدولية عام ١٩٩٤، مما يعني أن الاتحاد الجمركي تحول انفتاحاً كلياً للاقتصاد الفلسطيني على الاقتصاد العالمي، حتى دون إمكان تطبيق الاستثناءات الحمائية، وإن كانت هامشية، التي تتيحها اتفاقية منظمة التجارة العالمية للاقتصادات ذات متوسط دخل الفرد المنخفض جداً. فالاتحاد الجمركي مع إسرائيل مثّل تحريراً تجارياً للسوق الفلسطينية يتجاوز بحدته حتى الوصفات النيوليبرالية.
كذاك فرض البروتوكول حدوداً كمية على جزء من الصادرات الفلسطينية الزراعية نحو إسرائيل، بسبب منافستها لمنتجاتها مع استمرار الدعم الإسرائيلي الحكومي لهذه المنتجات. أما تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى ثلاث مناطق أ، ب، ج، ونقاط التفتيش داخلها التي تزيد على خمسمئة، فأدى إلى تفتيت السوق الفلسطينية الصغيرة، مما زاد في محدودية حركة البضائع. هذا فضلاً عن سياسات الإغلاق الكلي والجزئي التي تفرضها إسرائيل، فعلى سبيل المثال أورد تقرير لمؤسسة ماس (١٩٩٧) أن عدد أيام الإغلاق الكلي التي فُرضت على الأراضي الفلسطينية بين عامي 1993 ـ 1996 بلغ ٣٤٢ في غزة و٢٩١ في الضفة.
كذلك تخضع العلاقة التجارية الفلسطينية مع طرف ثالث لمحددات نوعية وكمية تعرّف حسب «حاجة السوق الفلسطينية» التي تحددها إسرائيل وحدها، الأمر الذي يراد منه إعاقة كل محاولة لتخفيف التبعية التجارية لإسرائيل عبر البحث عن شركاء تجاريين آخرين. وتواجه الواردات والصادرات الفلسطينية من وإلى طرف ثالث جملة من الحواجز الجمركية غير المباشرة، تحت حجة التحقق من مطابقة المعايير الأمنية والصحية والبيئية، وهو الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى تلف الصادرات التي يغلب عليها الطابع الزراعي، وعرقلة الإنتاج نتيجة تأخر وصول مدخلاته.
بلغت التبعية التجارية لإسرائيل مستويات قياسية، فتبعاً للأرقام الرسمية للسلطة ٨٦٪ من الصادرات الفلسطينية ذهبت إلى إسرائيل، و٧٠٪ من الواردات أتت منها عام ٢٠١١، أما العجز التجاري الفلسطيني لنفس العام، فقد بلغ ٤٥٪ من الدخل المحلي، على أن ٨٤٪ منه ناتج عن العلاقة التجارية مع إسرائيل، فالسوق الفلسطينية هي ثاني أكبر وجهة للمنتجات الإسرائيلية!
إذاً، تسيطر إسرائيل على كل أقنية الاقتصاد الفلسطيني وتُخضع سياساتها بإغلاقها أو حلها لمستوى رضوخ المجتمع الفلسطيني والسلطة لشروطها السياسية. وهو ما دفع أحد الاقتصاديين الإسرائيليين إلى التعليق «بأن خسارة الفلسطينيين في أوسلو وبروتوكول باريس لا تقل عن خسارتهم عام ١٩٤٨».  

«المساعدات» الدولية

كنتيجة لما تقدم، فإن مصادر الدخل الفلسطينية الذاتية التوليد شحيحة وغير كافية لتغطية حاجات المجتمع ونفقات السلطة، مما خلق فجوة بنيوية يجري ملؤها عبر التمويل الدولي المشروط سياسياً، الذي يمثّل حلقة تقبض بجنباتها على القرار السياسي للسلطة، مثمِّرةً بذلك التبعية الاقتصادية الفلسطينية لإسرائيل. تضطلع المساعدات المالية بجملة من الأدوار:
ــ تغطية تكاليف إنشاء واستمرار أجهزة السلطة لقيامها بدورها الوظيفي المتمثل في قمع الحركة الوطنية الفلسطينية، إذ بلغت نسبة المساعدات إلى الإنفاق الحكومي ٩٩٪ عام ٢٠٠٨ حسب تقرير لمؤسسة ماس.
ــ تثبيت وجود السلطة من خلال العمل على تأمين الحد الأدنى الضروري من الاستقرار الاجتماعي لتجنب الانفجارات الشعبية والانتفاضات ضد السلطة والمحتل، في مجتمع بلغت نسبة البطالة فيه ٢٧٪ لعام ٢٠١٢ ورزح ٢٦٪ منه تحت خط الفقر عام ٢٠١١ حسب الأرقام الرسمية للسلطة، تقوم المساعدات بتمويل خلق الوظائف في مؤسسات السلطة، إذ وظفت السلطة ما يقارب ٢٢٪ من القوة العاملة الفلسطينية عام ٢٠١٢. 
ــ تغطية تكاليف الاحتلال عبر التكفل بعملية إعادة الإعمار والتأهيل بهدف تأمين استقرار منظومة أوسلو من الانفجارات الاجتماعية على ضوء الاعتداءات الإسرائيلية، وهو ما يعني نقل تكاليف الاحتلال وأعماله العدوانية إلى «المجتمع الدولي». فعلى سبيل المثال في عامي ٢٠٠١ ــــ ٢٠٠٢ إثر الانتفاضة، شهدت المساعدات الدولية ارتفاعاً قدره ٨٥٪ لتصل نسبتها إلى الإنفاق الحكومي ١٦٣٪ عام ٢٠٠٢. أكثر من ذلك، أظهرت إحدى الدراسات أن ٧١٪ من المساعدات الدولية صبت في الاقتصاد الإسرئيلي في الفترة الواقعة بين ٢٠٠٠ ــــ ٢٠٠٨، عدا أن ازدياد المساعدات الدولية يترافق مع ازدياد العجز التجاري مقابل إسرائيل.
ــ تمويل عملية تمييع الفضاء السياسي الفلسطيني عبر ما يدعى منظمات «المجتمع المدني»، وتحديداً المنظمات غير الحكومية، التي تلقت ما متوسطه ١٠٪ من مجمل المساعدات الدولية المخصصة للأراضي الفلسطينية بين عامي ١٩٩٩ ـ ٢٠٠٨ حسب تقرير لمؤسسة ماس.

المنظمات غير الحكومية

شهدت الأراضي الفلسطينية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم نشوء العديد من المنظمات الأهلية الشعبية المرتبطة بشكل أو بآخر بمنظمة التحرير. نجحت تلك المنظمات بتأمين شبكة خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية بديلة عن مثيلتها الإسرائيلية ولو على نحو جزئي واضطلعت بتنظيم مقاومة الاحتلال، الأمر الذي توج بإطلاق الانتفاضة الأولى. في هذا السياق انفتحت بوابة التمويل الأجنبي على مصراعيها على المجتمع الفلسطيني، بالاستفادة من أزمة الحركة الوطنية المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير، ومن قمع الاحتلال العنيف للمجتمع الفلسطيني وتنظيماته الأهلية والسياسية، فأدت أموال المنظمات الدولية دور القوة «الناعمة» التي أكملت دور القوة «الفظة» للاحتلال في محاولة استيعاب وإعادة إنتاج هذه التنظيمات بطريقة تؤرِّض أخطار الحراك السياسي والمجتمعي الأصيل على الكيان الصهيوني. بلغ عدد المنظمات غير الحكومية العاملة في أراضي الـ٦٧ ما يقارب ٢١٣٠ منظمة عام ٢٠٠٨ (تقرير ماس، ٢٠٠٩). تعمل معظمها تحت لافتات تشجيع المشاركة المدنية والسياسية وحقوق الإنسان والمرأة، تعزيز الديمقراطية، الحوكمة السليمة، قضايا البيئة، الخدمات الاجتماعية... إلخ.
إن وظيفة هذه المنظمات ضمن منظومة أوسلو لا تختلف كثيراً عن وظيفتها في المشهد العالمي، إلا أن لها نكهة محاولة تأبيد الاحتلال:
ــ الوظيفة الأخطر هي محاولة ترويض واستبدال التمثيلات السياسية والأهلية الأصيلة والعضوية، المعبرة عن التناقضات الأساسية والمشاكل الحقيقية للشعب الفلسطيني، بأخرى مستجلبة وغير عضوية، بمعنى تعبيرها عن قضايا هي بأحسن الأحوال ثانوية إن لم نقل وهمية. مما يعني بالملموس محاولة استبدال الفضاء السياسي التقليدي، بمجموعة من منظمات «المجتمع المدني» تعمل وفق أجندة وشروط الجهات المانحة بالتوافق وإطار أوسلو السياسي. هذا السعي يجري بشكله المباشر عبر دفع العاملين في هذه المؤسسات إلى الابتعاد عن التنظيمات السياسية، وبشكله غير المباشر والأكثر فاعلية عبر تكوين منظومة ريع للعمل في الشأن العام والسياسي، مستبدلةً العمل الوطني النضالي الطوعي وما يستلزمه من تضحيات، بالعمل «الاجتماعي» و«المدني» المدفوع الأجر، مما يمثّل آلية حرف وإفساد لفضاء النشاط السياسي والعام. الأمر الذي تجلى عبر ديناميّة تنافس داخل المجتمع الأهلي الفلسطيني للحصول على التمويل الدولي، تنافس يكتسي طابع توسل «الرجل الأبيض».
تجدر الإشارة إلى أن المنظمات غير الحكومية العاملة في مجالات ذات صلة بالشأن السياسي حصلت على ما يقارب ٣٠٪ من التمويل الدولي المقدم للمنظمات غير الحكومية، وبلغ عدد المنظمات العاملة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان في الضفة وغزة ٤٩ منظمة، إضافةً إلى أكثر من ٢٥٨ برنامج، أما منظمات التنمية التي تعمل ضمن الأجندة النيوليبرالية، فبلغ تعدادها أكثر من ١٠٠ منظمة عام ٢٠٠٦ حسب تقرير لمؤسسة ماس.
ـــ تؤدي دوراً أساسياً في تقديم الخدمات الاجتماعية المتنوعة الصحية والإحسانية، إذ بلغ عدد المنظمات المتخصصة في هذا المجال ٧١٥ في عام ٢٠٠٦، وحصلت على ٣٥٪ من الدعم الدولي المقدم للمنظمات غير الحكومية في فلسطين، حسب تقرير لمؤسسة ماس، إضافةً إلى دورها الرئيسي في خلق فرص عمل، إذ تقدر نسبة العاملين فيها بـ١٠٪ من اليد العاملة الفلسطينية، وتمتاز بمستويات أجور أعلى من موظفي السلطة والقطاع الخاص. إذاً، تمثّل هذه المنظمات أحد عناصر منظومة الضبط والتحكم في مستوى المآساة المعيشية للفلسطيني، بحيث لا تتجاوز حدود المُحتمل. 
المساعدات المالية الدولية الرسمية التي تقدم للمنظمات غير الحكومية العاملة في الشأن السياسي مشروطة سياسياً على نحو مباشر أو غير مباشر عبر اقتصار الدعم على برامج ومشاريع محددة. أهم هذه الاشتراطات السياسية هي:
ــ إسقاط أراضي الـ ٤٨ من التداول، فلا يمكن تمويل المنظمات والبرامج التي تدافع عن حق الفلسطينيين بالعودة إلى قراهم ومدنهم الأصلية. من اللافت للنظر في هذا السياق الانخفاض المطّرد لعدد المنظمات غير الحكومية الممولة دولياً والعاملة في مجال الخدمات الاجتماعية في القدس الشرقية، تزامنا مع توجه إسرائيل لإعلان القدس عاصمة أبدية وتصاعد عملية التهويد.
ــ تجنب التعامل مع قضية اللاجئين إلا في الإطار الإنساني والإحساني وتقديم الخدمات الاجتماعية، دون التطرق والتركيز على حق العودة إلى أراضي الـ ٤٨.
ــ أما في ما يخص أساليب النضال الفلسطيني، فيجري التركيز على قضية المقاومة «الشعبية» للاحتلال وتلميع نماذج وتجارب عالمية «غير عنفية» بقطعها عن سياقاتها التاريخية وتقديمها إلى الفلسطيني كبديل للكفاح المسلح، إضافةً إلى محاولات فاشلة لتصنيع نماذج محلية من هذه «المقاومة».

الرأسمال الفلسطيني

على النقيض من الرأسمال المحلي في الضفة وغزة المحدود القدرات والمتضرر من منظومة أوسلو، برز رأسمال الشتات المتطور ليؤدي دوراً رئيسياً في مسار التفريط، دافعاً نحوه منذ السبعينيات على الأقل. على أن عرفات عمل على تطويق نفوذ رأسمال الشتات، إذ لجأ بعيد أوسلو غير مرة إلى إجهاض محاولاتهم المشاركة على نحو مباشر في صنع القرار السياسي، لكن طبيعة منظومة أوسلو مثّلت بيئة حاضنة لتزايد دورهم السياسي لدرجة تمكننا من القول إنهم أصبحوا جزءاً أساسياً إن لم يكن مسيطراً داخل السلطة. على أن وصول سلام فياض مثل مؤشراً لمجاورتهم «عصب» القرار السياسي لسلطة أوسلو ومشاركتهم في صنعه.
طفيلية رأس المال هذا، حيث يعمل في قطاع الخدمات غير الانتاجي، تجعل استمرار أعماله وأرباحه مرتبطاً بتدفق المساعدات الدولية والرضى السياسي الإسرائيلي، المشروطين بتنفيذ أجندة أوسلو، وهو ما يجعل منه حاملاً اجتماعياً عضوياً للتفريط بالثوابت الوطنية.
أكثر من ذلك، تطرح الكثير من الأسئلة حول الدوافع الحقيقية لاستثمار رأسمال الشتات في اقتصاد الضفة وغزة، في ظل المخاطر الاستثمارية الكبرى وعدم مقدرة منظومة أوسلو على الاستمرار. فعلى سبيل المثال، يستمر القطاع المصرفي الخاص في منح مختلف أنواع القروض، رغم وصول مؤشرات الدين العام والخاص إلى مستويات استثنائية لا تتناسب ووضع الاقتصاد الفلسطيني، إذ بلغت نسبة القروض الممنوحة للقطاع الخاص ٢٩٪ من الدخل المحلي، أما قروض السلطة المأخوذة من المصارف الخاصة، فبلغت ١١٠٪ من أصول القطاع المصرفي الخاص (تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، ٢٠١٣). فهل يعد رأسمال الشتات مجرد باحث عن الربح في ظل منظومة أوسلو الآيلة حتماً للانفجار الاقتصادي والسياسي؟ أم أن دوره في الاقتصاد الفلسطيني مدفوع الثمن، لكن خارج الحدود الفلسطينية؟

سلطة أوسلو

كنتيجة لما تقدم، لا تمتلك سلطة «الحكم الذاتي» وقيادتها السياسية أي مقوم من مقومات الاستقلالية الضرورية لتمثيل مصالح الشعب الفلسطيني، وهو الأمر الذي يحفل تاريخها بشواهد عليه، وآخرها قبولها صاغرة العودة إلى المفاوضات رغم عدم تحقق «شروطها» بإيقاف الاستيطان. فهي ليست كياناً أصيلاً يستمد وجوده واستمراره من المدد الذاتي للشعب الفلسطيني، وإنما من تنفيذه الوظيفة الموكلة إليه ضمن الأجندة الإمبريالية في المنطقة كشرط إجباري مقابل فتح قنوات الضخ المالي. فارتباط السلطة بالأجندة الإمبريالية هو ارتباط بنيوي لا يغير من جوهره وجود شخص أو آخر على رأسها، وهو ما يشهد عليه اغتيال هذه المنظومة، بغض النظر عن هوية المنفذ المباشر، للشهيد أبو عمار عندما أعاق ومانع مسار أوسلو، معطلاً بذلك مصالح المستفيدين منه داخل السلطة والمجتمع، فسارعوا إلى التخلص منه بالتنسيق مع الاسرائيلي.
فالسلطة مجرد وكيل متعاقد مع الاحتلال ورعاته الدوليين، وظيفته الأساسية قمع النضال الوطني في سبيل تجسيد الحقوق التاريخية، إذ أظهرت احدى الدراسات أن حصة وزارة الداخلية والأمن من الإنفاق الحكومي في عام ٢٠١١ قاربت الثلث (٣١٪)، على أن حصة وزارة التعليم لم تتجاوز ١٩.٤٪ وحصة وزارة الصحة ١١٪. أما نسبة عديد الشرطة والأمن الفلسطينيين إلى عدد السكان، فهي الأعلى في العالم، اذ تبلغ عنصر أمن أو شرطة واحداً لكل ٧٥ مواطناً. أما عندما تعجز أو تُقصر السلطة بالقيام بوظيفتها الأمنية، فيقوم الطرف الأصيل، متمثلاً في الاحتلال، بالتدخل على نحو مباشر لقمع الحركة الوطنية، وهو ما تشهد عليه العمليات الإسرائيلية اليومية في الضفة. إن سلطة أوسلو هي من حيث الجوهر أكثر من شركة أمنية خاصة وأقل من سلطة، إنها سلطة القمع الذاتي الفلسطيني. ففي أجهزتها البيروقراطية من أمنية وسواها، ومؤسساتها الاقتصادية، تكونت طبقة بيروقراطية تعتاش على أجندة أوسلو التفريطية والتنسيق الأمني مع الاحتلال لقمع المقاومة الفلسطينية.
إذاً، مقابل المقاربة الساذجة للجانب الفلسطيني لاتفاق أوسلو، استندت الإدارة الأميركية والكيان الصهيوني إلى رؤية أكثر عمقاً وتمثيلاً لمصالحهما، التي تقوم على ما يدعى «نظرية السلام الاقتصادي» النيبوليبرالية، التي تعالج دور الترابط والتشابك الاقتصادي بين الدول، عبر التحرير التجاري والمالي، في تخفيف حدة الصراعات وتجنب نشوء نزاعات. رغم سذاجة الافتراضات التي تقوم عليها هذه النظرية، والخلاصات التي تصل إليها، فإنها تحمل في طياتها شيئاً من الحقيقة دون أن تعالجه. فالانفتاح الاقتصادي لبلدان الأطراف يخلق ويقوي طبقات طفيلية تستمد وجودها الاجتماعي وأرباحها من الانفتاح والتبعية الاقتصادية والسياسية التي ترافقه، ومع اتساع نفوذها تتحول إلى شريك في القرار السياسي إن لم تصبح مسيطرة عليه. فأوسلو من وجهة النظر الأميركية ـــ الصهيونية ليست سوى الوصفة المركبة لتثبيط نظام المناعة المجتمعي الفلسطيني في أراضي الـ ٦٧، في سبيل تحقيق تسوية لمصلحة إسرائيل، عبر توظيف سلة من أدوات القوة «الناعمة» الاقتصادية ــ الاجتماعية والسياسية، تضاف إلى القوة «الفظة» للاحتلال.
إن ما يطلق عليه البرجوازيتين البيروقراطية والطفيلية هما ظاهرة واسعة الانتشار في دول الطرف الرأسمالي، إلا أن خصوصيتهما في الحالة الفلسطينية أنهما إنتاج التخصيب بالأنابيب في المختبرات الامبريالية، فهما لا تستندان إلى أي قاعدة إنتاجية داخلية تكافىء دورهما السياسي، الأمر الذي يمثل مصدر هشاشتهما العالية، إضافةً إلى أزمة التمثيل السياسي التي تعانيانها، فأي اضطراب في أجهزة تنفسهما الاصطناعي في دول المركز الرأسمالي يعصف بهما بشدة، وبالأطر السياسية الممثلة لهما.
إذاً، لأول مرة في تاريخ النضال الفلسطيني يخرج عدو لنا «منّا وفينا»، لتغدو عبثية ومهزلة استمرار المفاوضات من وجهة نظر مصالح الشعب الفلسطيني، ضرورة لاستمرار «بزنس» عدونا «الفلسطيني». مما يعني أن نضال الحركة الوطنية الفلسطينية اكتسب بعداً جديداً لم يكن حاضراً على نحو جدي قبل أوسلو، ألا وهو البعد الاجتماعي. فلم يعد الصراع الأساسي للشعب الفلسطيني مع الكيان الصهيوني وحده، بل أضيفت إليه القوى الاجتماعية المستفيدة من منظومة أوسلو والمستميتة في الدفاع عنها، فالتحم النضال الوطني مع النضال الاجتماعي.
إن مهمة إعادة تشكيل الحركة الوطنية الفلسطينية، ومن ضمنها المصالحة، لا يمكن أن تجري عبر «تبويس شوارب» التمثيلات السياسية لهذه القوى الموجودة بجزء غير يسير في قيادات فصائل منظمة التحرير، لا بل إن تحقيق ونجاح هذه المهمة لا يمكن أن يجري سوى عبر الاشتباك معها، الأمر الذي لا يتحقق عبر منافستها على دخول مؤسسات السلطة اللاوطنية. إن هذه المهمة تتجاوز ضرورتها إلى واقعيتها، فالعالم والإقليم يتغيران بتسارع ولمصلحة تقدم الشعب الفلسطيني وقواه الحية، ولمصلحة انتقاله من الدفاع إلى الهجوم.
إن ما تقدّم، مضافةً إليه عدة عوامل فلسطينية أخرى، يمثّلان تحدياً وفرصاً لكل القوى الوطنية الفلسطينية، وعلى رأسها اليسار المقاوم، لكونه الحامل المفترض للقضية الاجتماعية، فهل يسارع إلى رفع راية المقاومة (وعلى رأسها الكفاح لمسلح) ذات البعد الاجتماعي، ويعبّر عنها برؤية ملموسة حول كيفية إعادة تشكيل الحركة الوطنية الفلسطينية؟
* باحث وأكاديمي فلسطيني