أمر في غاية الخطورة يُعَدّ لبلادنا ويُعمل على قدم وساق لتنفيذه بحنكة ودهاء بالغين. وكل ذلك بأسماء وعناوين لها قدسية في بلادنا، إن على مستوى الشعوب أو على مستوى النخب أو حتى على مستوى الحكام. ثمّة من يجزم، من المتابعين لشؤون بلادنا، بأنّ ورقة «الإخوان» قد سُحبت من التداول في بورصة الربيع العربي لمصلحة ورقة الجيوش، ولكن «لغاية في نفس يعقوب»!

فبعد استنزاف «الإخوان» بما فيه الكفاية وتشويه سمعة الإسلام السياسي من خلالهم، صار لزاماً على رعاتهم الدوليين والإقليميين شيطنتهم بعد أبلسة جميع من حولهم دون استثناء، مؤدين المهمة على أكمل وجه.
وهكذا جاء دور استنزاف الجيوش العربية وإغراقها في مستنقعات الصراعات المحلية المشيطنة، تمهيداً لشيطنتها في أول فرصة متاحة لإخراجها هي الأخرى من ساحة التداول.
كل هذا يحصل في لحظة هزيمة نكراء لمشروع إسقاط المقاومات العربية، وفي مقدمتها مشروع إسقاط النظام السوري المشكّل العصب الرابط بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وكل من المقاومة الإسلامية اللبنانية وفصائل الجهاد الفلسطيني.
كل هذا يحصل في لحظة فشل زعزعة قرار القيادة الإيرانية العليا في الدفاع عن سوريا حتى النفس الأخير، ومنع سقوط دمشق مهما كان الثمن.
كل هذا يحصل بعدما استنفد العدو الصهيوني، وأسياده الأميركيون ومعهم الأوروبيون، أوراقه، حيث خرجوا جميعاً بخفي حنين، سواء على مستوى تغيير خريطة الداخل الإيراني أو سياسات البلاد الاستراتيجية العليا.
في هذه الأثناء، علينا التأكيد أنّ ما يجري في مصر محزن وموجع ومقلق للغاية، رغم إشارات الضوء الأولية التي استبشر بها الكثيرون خيراً، عندما سقط مشروع الدفع بمصر إلى حصان طروادة ضد بلاد الشام على مدى عام كامل من تخبط إدارة مرسي وسيرها في مشروع الفتنة السياسية والمذهبية في المنطقة.
يومها وقع الإخوان المسلمون في مصر، وعلى مستوى الوطن العربي، في فخّ «شيطنة» كل ما هو عروبي وقومي أو ليبرالي أو علماني أو يساري، ما جعل يومها صاحب المخطط الأكبر ينجح في حشرهم في الزاوية الحرجة من المشهد الجماهيري العام. ولمّا استنفدت قوى هذا التيار الديني في حروب منهكة، ووصلت الخطة إلى نهاياتها المرسومة، قرّر «مخرج» حروب الفتن المتنقلة الانقلاب على أولئك الذين عقد معهم صفقات منفردة، صارت معروفة للجميع مع بدايات ما سماه الغرب متعمداً «الربيع العربي».
وهكذا فتح الباب أمام مشروع شيطنة «الإخوان» هذه المرة حتى يظهر الأمر، وكأنه رد طبيعي على مشروع أو خطّة «أخونة» الدول والمنطقة كلها.
وجاء دور من وكلت إليه إقليمياً مهمة تنفيذ خطة سحب ورقة الإخوان المسلمين من التداول في بازار «الربيع العربي»، واستبدالها بورقة الجيوش وتحالف واسع من القوميين والعلمانيين مترافقة بـ«قاعدة» جديدة لا دين ولا مذهب لها، لكنها تضرب بسيوف السلطان الجديد، فضلاً عن القوى المحلية في سائر أقطار «الربيع العربي» أو من هي مرشحة له، أو تلك التي تشكّل الجبهة الخلفية للانتقال من مرحلة «الأخونة» إلى مرحلة العلمنة!
وكذلك، تؤكد المعلومات المتداولة في الكواليس والتقارير الميدانية، أنّ كثيراً مما جرى ويجري على مستوى دول أو مشيخات أو إمارات وما يجري في ليبيا وتونس وسوريا من تحولات ميدانية، وأخيراً في كل من مصر والأردن ولبنان، إنما يأتي في هذا الإطار، أي استنزاف الجيوش العربية بعد انتهاء مهمة استنزاف الحركات الإسلامية.

الدوحة خارج بازار «الربيع»

سحب مشيخة قطر من التداول في بازار الربيع العربي وتسليم الراية للسعوديين كانت البداية. ذلك لأنّ أمن الخليج الذي تكرّس أن لا استقرار ولا ديمومة له من دون الإقرار بدور إيران، يتطلب بالنسبة إلى الأميركيين العودة إلى إعادة إحياء الحليف الإقليمي التقليدي، وذلك عبر محاولة إحياء النظام الإقليمي القديم القائم على موازنة الثقل الإيراني الثوري بوزن سعودي مساوٍ له بالحجم، معاكس له بالاتجاه.
ويجزم مطلعون بأنّ المفوض المطلق الصلاحية في هذا المضمار، والذي بات بمثابة «المندوب السامي» لإنجاز هذه المهمة، هو الأمين العام لمجلس الأمن القومي السعودي الأمير بندر بن سلطان.
معلومات تتناقلها دوائر إقليمية وقوى حزبية في المنطقة، تؤكد أنّ الأمير السعودي قضى ثلاث ليالٍ بكاملها في العاصمة الروسية، في زيارته المعلنة الشهيرة قبل نحو عشرة أيام، وهو يشرح تفاصيل خطة سحب ورقة «الإخوان»، أو كما سماها انتهاء مدة صلاحيتها، وضرورة استبدالها بالجيوش المسلحة وغير المسلحة، إلى أن توّج لقائه بثلاث ساعات كاملة مع الرئيس فلاديمير بوتين لإقناعه بضرورة اللحاق بهذا المشروع الأميركي للمنطقة قبل فوات الأوان وضياع «الفرصة التاريخية». المعلومات نفسها تؤكد أنّ ثلاث غرف عمليات إقليمية استخبارية بإشراف أميركي وإدارة ميدانية سعودية تقوم بهذه العملية الانتقالية الكبرى.
الأولى في بنغازي في ليبيا، مكلفة بشمال أفريقيا ومصر لتفتيت كل دولة من دول المنطقة كل على حدة وجعلها دويلات متناحرة وضرب دول المنطقة في ما بينها.
والثانية في عمّان بإشراف الجنرال مارتن ديمبسي وإدارة الأمير سلمان بن سلطان، يعاونه عدد من كبار الضباط السوريين المنشقين ومن رجال استخبارات أميركيين متخصصين في الشؤون العراقية.
والثالثة في لبنان بإشراف السفيرة الأميركية مورا كونيلي أو من سينوب عنها بعد مغادرتها لبنان، وتنفيذ ضابط استخبارات سعودي كبير ويعمل في خدمته عدد من الأردنيين والسوريين والفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين.
وطبقاً للمعلومات المتداولة، إنّ السبب الرئيسي لهذه النقلة، المقرّرة في واشنطن، هو الشعور المتنامي لديها ولدى من عمل معها طوال الفترة الماضية بأنّ خطة «ضرب الإسلاميين بالإسلاميين» من خلال تشكيل «قوس سني» في مواجهة «هلال شيعي» قد فشلت فشلاً ذريعاً، وأنّ المطلوب اليوم هو سحب الورقة الدينية من بازار السياسة الميدانية بأسرع وقت، قبل أن تستفحل تداعياتها على ما بات يعرف في أوروبا وأميركا بـ«ارتدادات التطرف الديني» على الأمن الغربي في عواصم المتروبول الصناعي نفسه.
وفي سياق موازٍ ينبغي سحب الورقة التركية ــ الأردوغانية سياسياً وميدانياً من الملف السوري، واستبدالها بالورقة الأردنية بعد أن خلقت تحولات القصير وحمص وريف دمشق واقعاً مختلفاً تماماً، أصبح من الصعب احتواؤه دون الاستفادة من تجربة الصحوات العراقية، واللعب على قوى غير القوى الدينية، أي قوى عشائرية وقومية وعلمانية.
المطلوب كما أبلغ بندر بوتين، أن يسرع الروس في اتخاذ قرار المشاركة في هذه النقلة الكبرى؛ لأن «الشمولية الدينية»، والتعبير للأمير السعودي، يمكن أن تنتقل أخطارها إلى داخل حصون القيصر الروسي.
ولما كانت إيران وحزب الله منخرطين بفعالية في مشروع منع سقوط دمشق، فلا بد من احتواء اندفاعتهما هذه باتجاهين:
الأول: تفجير ساحتيهما بصراع جدي مع كل القوى «السنية الراديكالية أو الأصولية المتطرفة، بما فيها الإخوان المسلمون»، يقول بندر.
والثاني: تفجير ساحتيهما الداخليتين بعمليات إرهابية انتحارية عمياء تستهدف البيئة الجماهيرية الحاضنة، وذلك عبر إظهار الكلفة الكبيرة التي ستدفعها هذه البيئة الحاضنة نتيجة مواقف قيادتيهما إلى جانب سوريا.
تحقيق الهدف الأول يفترض أن يكون من خلال مجريات الساحة المصرية، فيما يفترض إنجاز الهدف الثاني من خلال تصعيد العمليات الانتحارية والإرهابية على الساحتين العراقية واللبنانية.
هل يعني ما سبق أنّ كل ما جرى ويجري في المنطقة لم يكن سوى «مؤامرة»، وأنه قدر لا حيلة لنا تجاهه؟!
قطعاً ليس كذلك، فما جرى ويجري ليس مؤامرة بالكامل، ولا الذي ينتظرنا قدر لا فكاك منه.
نحن شرحنا جانباً مما يجري على السطح من الصفيح الساخن، ولنقول لكلّ من يهمه الأمر من قادة حركات تحرر وقادة جيوش وطنية وقادة أحزاب جماهيرية وقادة دول مقاومة، بأن يتحركوا بوعي واقتدار وصلابة لكي لا تتحول كوادرهم إلى بنادق للإيجار، أو مشاريعهم إلى مادة ملء فراغات مربعات جدول مؤامرات الأعداء. فالرجعية والظلامية لا تكون مقاتلتها برجعية وظلامية
مقابلة.
ومن يعمل أو ينخرط في مثل مشاريع كهذه تكن حاله كمن خرج «من تحت الدلفة لتحت المزراب»، كما يقول أهلنا في بلاد الشام.
فما هو مُعَدّ لهذه المنطقة من مؤامرة كبرى لخلط الأوراق رغم قوة الوعي الجماهيري وجاهزية المقاومات المتعددة أخطر بكثير مما نتصوره، وما بان منه حتى الآن ليس سوى «قمة الجبل».
* أمين عام منتدى الحوار العربي الإيراني