لم تذهب جولات جون كيري الست هباءً. كما أن سياسة «الغموض البنّاء» التي حكمت تحركاته وحواراته، وبالتالي وضعت السلطتين، «سلطة الغزو والاحتلال» و«سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود» في أواخر تموز/ يوليو الفائت على طاولة مباحثات ذات طابع «استكشافي» تمهيداً لدخول ما يسمى كذباً وتضليلاً «مفاوضات»، ستؤدي إلى مسرحية فيها لاعب وحيد لتأدية الدور الرئيسي بينما سيكون الآخرون، دمىً تتحرك بأصابع لاعبين رئيسيين ــ كما في مسرح العرائس ــ حكومة المستعمرين الصهاينة ومارتن إنديك، الديبلوماسي الأميركي/ اليهودي/ الصهيوني.

حكومة العدو من خلال عودتها للمفاوضات بإصرارها على عدم وجود «شروط مسبقة» تكون قد أعادت إنتاج سياسات حكومات الكيان المتعاقبة منذ مشاركتها في مؤتمر مدريد عام 1991 من أجل الدخول في مفاوضات تستمر قرناً من الزمن، من أجل معركة كسب الوقت والاستفادة منه، خصوصاً أن كل الوقائع على الأرض على مدى عشرات السنين، وتحديداً منذ اتفاق إعلان المبادئ «اتفاق أوسلو» الكارثي وحتى الآن، تؤكد نجاح خطة حكومات العدو المتعاقبة في تنفيذ برنامجها الاحتلالي/ الاستعماري. كما أن حكومة الائتلاف الراهنة بتشكيلتها الأكثر فاشية وعنصرية ــ ولكونها حكومة أحزاب/ عصابات «مستعمرين/ مستوطنين» لا تخفي رغبتها بتنفيذ برنامج التهجير القسري «ترانسفير» ــ قد استجابت للمشاركة الآن، لقناعتها بضرورة أن تثبت للعالم أنها ملتزمة بسياسة بناء الثقة مع الفلسطينيين من أجل الوصول لـ«السلام»! وبالتحديد، لدول الاتحاد الأوروبي التي أصدرت موقفاً حاسماً تجاه المستعمرات ومنتجاتها. أما سلطة الحكم الذاتي التي تنازلت عن كل اشتراطاتها للعودة إلى طاولة المفاوضات، خاصة حول حدود العام 1967 التي كانت تعتبر أبرز نقاط الخلاف، بالإضافة إلى ضرورة وقف البناء والتوسع في المستعمرات، فقد سارعت إلى االخضوع لرغبات الإدارة الأميركية بعدما لوحت بقطع المعونة عنها، والاستجابة لطلبات ذات الإدارة في تجميد/ وقف كل الخطوات بالانضمام للهيئات والمنظمات المتفرعة عن هيئة الأمم المتحدة بعد أن أصبحت «دولة غير عضو» في المنظمة الدولية. إذاً، حسمت قيادة السلطة أمرها وذهبت إلى طاولة التنازلات بعد رفضها ذلك على مدى ثلاث سنوات على الرغم من معرفة تلك القيادة بأن حكومة الغزو والاحتلال لم ولن تلتزم بأي من الشروط الفلسطينية التي يرددها صباح مساء المسؤولون في مقاطعة رام الله المحتلة. لم يكن مفاجئاً أن يقرّر أصحاب سياسة «المفاوضات حياة» بأن لا خيار لهم إلا خيار المفاوضات، التي تؤكد «شرعيتهم!» وتؤمن استمرارية الدعم المالي/ السياسي لسلطتهم الشكلية. فالمفاوضات ذات السقف الزمني المحدد، لكنه القابل للتمديد، ستساهم بتوفير ملهاة جديدة، يخوص في بحث تفاصيلها، والاجتهاد في توقع نتائجها، كتلة شعبية، ملحقة بكتاب وسياسيين وقادة فصائل، تخوض يومياً سجالات ومماحكات حول قضايا اجرائية، تحول ــ كما يتوهمون ــ دون حدوث حراك فلسطيني مستمر تقوده أجيال من الشباب والصبايا، كما ظهر في شوارع المدن في الأشهر الأخيرة، مترافق ومتماه مع سلسلة التحركات التي تشهدها ميادين العواصم والمدن والجامعات والمعامل في أكثر من قطر عربي في الأسابيع الأخيرة. لهذا فإن سلطة كهذه ستذهب إلى طاولة التنازلات لتقدم في كل «موسم مفاوضات» تنازلاتها الجديدة، خوفاً من أن تفقد مبرر دعمها ووجودها ومصدر شرعيتها.
إن ما يعرض على الفلسطينيين في ماراثون المفاوضات القادم سيكون ملتزماً بـ«خطة جون كيري» التي تتضمن إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 مع تبادل أراض متفق عليها و«متساوية في المساحة والنوعية؟!»، وإجراء المفاوضات على الحدود والأمن لفترة تتراوح من ستة إلى تسعة أشهر دون إلزام كيان العدو بوقف عمليات تهويد واستعمار الأراضي، مع «ضمانات» من كيري بأن تقوم حكومة نتنياهو بتقليص البناء في المستعمرات خلال المفاوضات إلى أقصى حد، مع البدء بعملية ما سمي «السلام الاقتصادي» على يد الرأسماليين الفلسطينيين المرتبطين بالسياسيات الاقتصادية والمالية للإمبريالية الغربية والرأسمال الصهيوني من أجل تحسن شروط النهب مجدداً وزيادة إفقار المواطن الفلسطيني تحت دعاوي كاذبة تعيد تخدير المواطن في عملية إنعاش لـ«اقتصاد فلسطيني» لا يشعر المواطن بوجود مقوماته.
حكومة المستعمرين/ المستوطنين، استمرت في برنامجها التوسعي في ظل الحديث عن ضرورة «مراعاة» التوجهات الأميركية التي تضمنتها خطة كيري حول المستعمرات. وهذا ما أكدته مصادر عديدة داخل الكيان قبل بضعة أيام من أنه سيتم بناء 5 وحدات في مستعمرة جيلو قرب القدس، و55 وحدة في مستعمرة تلمون، و255 وحدة في حي نحالي تال، إضافة إلى بناء 17 وحدة في مستعمرة أمانا، و38 وحدة في مستعمرة كوخاف يعكوف، و87 في مستعمرة قلقال بالأغوار، و156 في مستعمرة الموغ القريبة من البحر الميت، و91 وحدة في مستعمرة الون. كل ذلك يحصل في الوقت الذي تقوم فيه حكومة العدو بالموافقة على عطاءات جديدة لبناء أكثر من ألف وحدة سكنية في المستعمرات. هذا الوضع دفع برئيس وفد السلطة للمفاوضات، صائب عريقات، إلى توجيه رسالة لجون كيري يعبر فيها عن «اكتشافه الجديد!» (بدون وقف البناء الاستيطاني من الصعب رؤية كيفية تقدم المفاوضات باتجاه الوصول إلى اتفاق سلام). وأضاف أنّ «قسماً كبيراً من المخططات إضافة إلى ضم 91 مستوطنة إلى مناطق «الأفضلية القومية»، تم اقرارها بعد اسبوع من الإعلان عن استئناف المفاوضات، الأمر الذي لا يعتبر مصادفة ويشير إلى عدم جدية إسرائيل بما يتعلق بعملية السلام».
أما الأسرى، فقد وضعتهم سلطة الحكم الإداري الذاتي في مجال المساومات. وبدلاً من ضرورة إطلاق سراح الآلاف فوراً، بدأ الحديث عن إطلاق سراح أسرى ما قبل 1993 قبل إعلان اتفاق أوسلو، ليتحول الـ104 أسرى إلى رهائن (يجري الإفراج عنهم على دفعات وفقاً لمدى جدية المفاوض الفلسطيني) كما صرحت بذلك تسيبي ليفني، رئيسة وفد العدو للمفاوضات.
من أجل استكمال السير بطريق التنازلات، وتنفيذاً لسياسة قطع الطريق على رافضي تلك المسرحية العبثية الجديدة المتحركة فصولها بين العاصمة الأميركية، والقدس وأريحا المحتلتين، أولئك الرافضين الذين واجهتهم قوات القمع في شوارع رام الله المحتلة بالضرب والتنكيل، أعلن رئيس السلطة «أن أي اتفاق سيتم التوصل إليه مع الإسرائيليين سيتم عليه إجراء استفتاء شعبي». والسؤال المطروح في وجه الجميع: متى يكون التنازل عن الوطن، أرضاً وقضية، مطروحاً في صناديق الاقتراع؟ هل يمكن لقوى سياسية «فصائل وحركات وأحزاباً» وهيئات ومنظمات المجتمع المدني أن تجيب عليه؟ الجميع ينتظر ــ بأمل أن لا يطول الانتظار ــ خطوات على أرض الواقع. لكن المؤكد، أن الجواب الواضح، سيكون ضمن مشروع أكثر شمولية، ستقدمه قوى صاعدة، جديدة، تتحرك في الوطن ومواقع اللجوء.
* كاتب فلسطيني