لغتنا العربية و«الحروفيّون »


كرّم الله لغتنا العربية بأن أنزل بها معجزته اللغوية، القرآن الكريم، وذلك لغناها واتساعها وبلاغتها، ولأنها الأكثر قدرة على التعبير بأساليب متعددة. وقد ابتُليت أمتنا الإسلامية بمجموعة من الفقهاء والمفتين «الحروفيّين» الذين يأخذون آيات القرآن بحرفيتها اللغوية لجهلهم بأنها حمّالة أوجه وتفسيرات وتأويلات لغوية ومعنوية تجعلها أكثر رحابة وشمولاً واتساعاً، وهذا التفسير القاصر، جهلاً أو قصداً، حرّف الكلم عن مواضعه، وحرَف الأمة عن طريق الإسلام القويم، وشوّه الدين، فقامت نتيجة ذلك الفتن وغرقنا في بحور من الدماء بسبب الفتاوى المنحرفة التي تعود أصلاً إلى النظرة اللغوية القاصرة والمتزمتة.
وإذا طبّقنا هذا الأمر تربوياً في لبنان، فقد ابتُلي طلابنا في الامتحانات الرسمية، وخصوصاً في الشهادة المتوسطة، وفي اللغة العربية تحديداً، بلجنة مخوّلة وضع الأسئلة و«الباريم» والإشراف على التصحيح، معظم أعضائها من «الحروفيّين» الذين يتعاملون بانغلاق وتزمّت وقصور في تصحيح المسابقات، وما النتائج الكارثية للغة العربية لهذا العام وما قبله إلا خير دليل على هذا الأمر.
وقد حضرت «الباريم» أكثر من مرة للصف التاسع، وشاهدت كما شاهد غيري بأمّ العين، المناكفات بين أعضاء اللجنة، حيث يصرّ معظمهم على حرفية الإجابة عن الأسئلة. وإذا كان هذا ينطبق على بعض أسئلة القواعد والبلاغة، فإن مبدأ «الحروفية» لا يسري على أسئلة التحليل وموضوع التعبير، لأن لكل طالب أسلوبه وطريقته. وإذا استثنينا القليلين الذين يتعاملون بانفتاح مع هذا الأمر، فإن الغالبية المقرِّرة من أعضاء اللجنة «حروفيّون» بالمعنى السلبي للكلمة، ويتعاملون بتعالٍ وديكتاتورية مع أي رأي مخالف، معتبرين أنهم وحدهم آلهة اللغة وفطاحلها. والنتيجة يتحمّلها طلابنا.
وهنا نسأل: لماذا التعامل مع اللغات الأخرى، كالفرنسية والإنكليزية، بمرونة وانفتاح، في التدريس كما في الامتحانات، بينما لغتنا العربية التي هي أوسع مدى وأكثر قدرة على التعبير، يتعاملون معها بهذا الانغلاق والتقوقع والقصور؟ فهل يُعقل أن تفوق علامات اللغتين الفرنسية والإنكليزية دائماً علامات اللغة العربية وهي لغتهم الأم؟ وتسألون لماذا يكره طلابنا لغتهم؟ ثمّ ألا يكفي أن مناهجنا التربوية لم تُطوّر منذ أكثر من عشر سنوات بسبب المناكفات السياسية وفساد الدولة حتى نبتلي بلجنة من «الحروفيّين» الذين يحدّون من إبداع طلابنا وينفّرونهم من لغتهم وبالتالي يرسّبونهم في الامتحانات ويهددون مستقبلهم؟!
فيا معالي وزير التربية، رحمةً بطلابنا، طهّروا هذه اللجنة من «حروفيّيها».
أسعد شرارة